مراتي لبنها

وهي كانت قاعدة على السرير بترتعش وبتعيط من غير صوت، وقالتلي وقتها جملة هتفضل تطاردني طول عمري: “أنا جعانة يا رامي”. لكني حتى وقتها مفهمتش. افتكرتها بتبالغ. تاني يوم نزلت شغلي، وفي نص اليوم حصل عطل كبير وكلنا روحنا بدري. وأنا راجع حسيت إني مقصر، فاشتريت لبن صناعي غالي وفيتامينات وفاكهة وآيس كريم

 

حتى، وكنت فرحان إني أخيرًا هفرح مراتي. دخلت البيت لقيته هادي بطريقة تخوف، الباب موارب، ومفيش صوت. دخلت المطبخ بهدوء، وهناك شوفت المشهد اللي كسرني نصين.

 

آية كانت قاعدة على الأرض ورا السفرة، قرفصانة، وبتاكل بسرعة مرعبة من طبق قديم وهي بتبص ناحية الباب بخوف كأنها سارقة. أول ما شافتني اتخضت وخبت الطبق. لما شديته من إيدها ريحة الأكل ضربت في وشي. رز بايت، بواقي شوربة متعفنة، عضم فراخ ممصوص، وحتة سمك ريحتها تقرف. بصيتلها مصدوم،

 

وهي وقعت على ركبها تبكي وتقول: “أرجوك متقولش للحاجة شريفة.. أنا كنت جعانة”. حسيت الدنيا بتلف بيا. سألتها وأنا مخنوق: “يعني إيه جعانة؟!” قالت وهي بترتعش: “حماتك كانت بتديني بواقي الأكل بعد ما تخلص أكل هي، وتقوللي الست النفاس مينفعش تاكل كتير عشان ماتتخنش وتكسل”. ساعتها حسيت إني اتخنقت. حسيت إني مش

راجل. مراتي اللي المفروض أحميها كانت بتستخبى تاكل زبالة من خوفها من أمي وأنا اللي مسلمها ليها بإيدي. وأنا واقف مصدوم، سمعنا صوت الباب. أمي رجعت. دخلت المطبخ وهي بتقول بصوتها العالي: “خلصتي غسيل الرضاعات يا هانم؟!” لكن أول ما شافتني واقف والطبق في إيدي، وشها اتغير. للحظة ارتبكت، وبعدها بسرعة قالت بعصبية: “إيه اللي في إيدك ده؟!

” لأول مرة في حياتي بصيت لأمي من غير تقديس. بصيتلها كإنسانة ممكن تغلط وتظلم. قلتلها وأنا صوتي بيرتعش: “إيه ده يا أمي؟! مراتي بتاكل زبالة؟!” قامت زعقت وقالت:

“وهي قالتلك إيه؟! دي كدابة وبتتمسكن”. لكن آية فجأة انفجرت. لأول مرة ترفع صوتها. قالت وهي بتعيط: “أنا تعبت! والله تعبت! من يوم ما ولدت وأنا جعانة!

كنت بخبي العيش تحت المخدة عشان آكله بالليل! كنت بسرق الجبنة من التلاجة وأنا خايفة تشوفيني! ابني كان بيعيط من الجوع وأنا صدري ناشف عشان جسمي مفيهوش حاجة!” وأنا كنت واقف سامع

 

الكلام كأنه سكاكين بتتغرس في صدري. أمي حاولت تقاطعها وتزعق، لكني لأول مرة زعقت أنا: “اسكتي!” البيت كله سكت. حتى يوسف بطل عياط لحظة. أمي بصتلي بصدمة، يمكن لأول مرة في حياتها حد يقفلها. قالت وهي بتبكي: “عشان واحدة غريبة هتعلي صوتك على أمك؟!” قلتلها وأنا ببص لآية: “الغريبة دي مراتي.. أم ابني.. والبني آدم الوحيد اللي كان محتاجني وأنا خذلته”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *