"اللهم انك عفوا كريم تحب العفو، فاعف عنا" ممنوع نسخ الرواية لأي موقع او مدونة الرواية حصري لصفحة روايات سيلا ابطـــــــــــــال الروايـــــــــــة عبدالرحمن رجب الديب 28 عامًا، كلية الهندسة، قسم الهندسة المدنية. خديجة حسن عبدربه 22 عامًا، كلية التربية ، قسم طفولة. ــــــــــــــــــــــــــــــ اول مشهد فلاش بــــــــــــاك وبعدين نبدأ بالأحداث 🔥🔥🔥 نهض عبد الرحمن بتكاسل، وكأن جسده أثقل من أن يحمله. كانت أصوات الموسيقى والزغاريد تتعالى من الخارج، تخترق جدران المنزل وتصل إليه كأنها سكاكين لا تهدأ. خرج إلى غرفة المعيشة، فوجد والدته جالسة على مقعدها، تحرك مسبحتها بين أصابعها، وتتمتم بأذكارها. رفعت عينيها إليه، وما إن رأته حتى لمعتا بالدموع. _إنت صحيت يا حبيبي؟ أومأ دون كلام، ثم ألقى بجسده المنهك فوق الأريكة. _لو فيه أكل يا ماما... هاتيلي أكل. نهضت والدته سريعًا، تحاول أن تخفي ارتجاف صوتها. _عيني يا نور عيني. تحركت إلى المطبخ، وما إن أدارت ظهرها له حتى خانتها دموعها. كانت تعرف.. تعرف لماذا استيقظ ابنها اليوم بهذا الوجه الشاحب، ولماذا لم يسأل حتى عن مصدر تلك الأصوات التي تهز الحي. أما هو... فنهض واتجه إلى شرفة منزله. وقف بها طويلًا.. وعيناه معلقتان بالأنوار التي تزين المنزل المقابل. منزلها... اليوم تُزف لغيره. اليوم ستصبح زوجة لرجل آخر. اليوم، سيقف الجميع حولها يهنئونها، بينما سيقف هو في مكان بعيد، يحاول أن يقنع قلبه أن الفتاة التي أحبها لسنوات لم تعد له. ابتلع غصة حارقة. اليوم سيدفن حيًّا. انفلتت دمعة من عينه، فمسحها سريعًا، وكأنه غاضب من نفسه لأنها فضحت ضعفه. استند بظهره إلى جدار الشرفة، ورفع عينيه إلى السماء. لم يطلب منها شيئًا... لم يعترض على قدره... فقط ناجى ربه بصمت: _يا رب... اشفِ قلبي من حبها، لو كان حبها مش مكتوب لي. أغمض عينيه. في تلك اللحظة نفسها، دوّت الزغاريد. فتح عينيه، لكن صوتهن هذه المرة لم يصل إلى أذنيه فقط...بل ذبح شيئًا داخله. ضغط كفه على صدره، كأن قلبه بالفعل يتألم. بعد قليل، عادت والدته تحمل الطعام. وقفت خلفه، ثم قالت بحنان حاولت أن تجعله طبيعيًا: _تعالى كل يا حبيبي... خالك اتصل وعايزك ضروري. أومأ لها.. جلس أمام الطعام، والتقط بضع لُقيمات، حاول أن يبتلعها...ولكنه فشل. كان حلقه مغلقًا بالحزن. ترك الطعام، ونهض. _هروح أشوف خالي. نظرت والدته إلى الطبق. _ماكلتش يا ابني. ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة. _شبعت. أخذ سترته من مكانها، وخرج. كان يمشي بصعوبة، وكل خطوة تقربه من منزلها كأنها تقوده إلى جرحه بقدميه. حتى توقف أمام بيتها.. رفع عينيه إلى الأنوار، لم يتحرك. أما والدته، فكانت تراقبه من بعيد، والدموع تملأ عينيها. وضعت يدها على صدرها، وهمست: _يا رب يعوض عليك يا حبيبي... بالأحسن منها، ويجبر قلبك. بينما هو لم يفكر طويلًا. ربما كان يبحث عن شيء لا يعرف اسمه... ربما كان قلبه يريد أن يراها للمرة الأخيرة. أو ربما كان القدر هو من ساقه إلى هناك. دلف إلى منزلها. شهقت والدته، وسحبت حجابها سريعًا، ثم تمتمت: _يا رب... عدي الليلة دي على خير. أما هو.. فما إن خطا إلى الداخل، حتى توقف مكانه. وصل إلى مسامعه صوت المأذون: _بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير. تعالت التهاني من حوله. _مبروك يا عرسان! _ربنا يسعدكم! _ألف مبروك! كانت الأصوات تتداخل حوله، لكنه لم يسمع منها شيئًا. واقفًا كالغريب وسط الجميع.. رفع عينيه ببطء...فرآها. العروس.. في ثوبها الأبيض. المرأة التي أحبها حتى ظن أن قلبه خُلق من أجلها. والآن...أصبحت زوجة لرجل آخر. وفي تلك اللحظة، تسللت رائحة عطره إليها.. توقفت عن الابتسام.. ارتعشت أنفاسها، وكأن قلبها عرفه قبل عينيها. رفعت رأسها. وحين التقت عيناها بعيني عبد الرحمن... سقط كل شيء من حولها. لم تعد تسمع تهنئة.. ولا موسيقى. ولا زغاريد.فقط هو. هو وحده. تسللت دمعة حارقة من عينيها، وانفلت اسمُه من بين شفتيها مرتجفًا، متقطعًا كأنها تستنجد به: _عبد... الرحمن... تجمد هو الآخر... وتعلقت العينان ببعضهما البعض.. نظر اليه وداخله يصرخ: إن كانت قد اختارت غيره... فلماذا كانت تنظر إليه وكأنها تبكي فراقه؟ وهنا... تعالوا بينا نغوص في حكايتنا من بدايتها... حكاية حب بدأت قبل أن يعرف أيٌّ منهما أنه وقع فيها، وحكاية قلبين فرّق بينهما سوء الفهم، والقدر، وأشياء لم تُقل في الوقت المناسب. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قبل عدة شهور صباحًا مليئا بنسيم العليل ورائحة البحر،بأمواجه قد أطلَّ على الإسكندرية،عروس البحر المتوسط، وبين ضيجيج المدينة ليلا هدوءٍ صباح حالم، تتسلل أشعة الشمس الذهبية على سكانها وبأحدى المنازل البسيطة، كان صوت الأغنية يتردد من المذياع: "يا حلو صبح... يا حلو طل..." كأن الصباح نفسه يحاول أن يمنح البيت شيئًا من البهجة، قبل أن تفسدها قسوة البشر. وقفت خديجة في المطبخ تعدُّ طعام الإفطار، وقد جمعت خصلاتها الناعمة بحجابٍ صغير كفيونكة، بينما راحت تتحرك بين الأطباق والأكواب في عجلة؛ حتى لا تتأخر عن محاضراتها التي تنتظرها في الجامعة. جاءها صوت زوجة أخيها من الخارج: _إنتِ يا أستاذة، لسه مخلصتيش؟ التفتت إليها خديجة، وهي تضع أكواب الشاي فوق الصينية. _خلاص، بعمل الشاي. حضري السفرة وأنا أطلع الأكل. زفرت جيهان بضيق، ثم ألقت بجسدها على المقعد. _لا ياختي، اطلعي امسحيها. أنا سهرانة طول الليل، معرفتش أنام من التعب. رفعت خديجة عينيها إليها للحظة، ثم ابتلعت اعتراضها. لم تكن تريد أن يبدأ صباحها بمشكلة. وضعت الأكواب بعناية فوق الصينية، ثم خرجت إلى الغرفة الصغيرة، وأعدت طاولة الطعام المتواضعة، رتبت الأطباق واحدًا تلو الآخر، ثم اتجهت إلى غرفة والدتها. اقتربت من النافذة، وسحبت الستارة جانبًا، فاندفعت خيوط الشمس إلى الغرفة _ماما... يلا حبيبتي، الساعة تمانية. قومي افطري علشان همشي على الجامعة. فتحت والدتها عينيها ببطء، ثم تمتمت بنعاس: _مرات أخوكي صحيت ولا لسه نايمة كعادتها؟ ابتسمت خديجة ابتسامة باهتة، ومدت يدها تساعد والدتها على النهوض. _صحيت، سيبك منها. قومي علشان تفطري قبل ما أروح الجامعة. أسندت والدتها إلى ذراعها، وسارت معها ببطء؛ فقد أثقل المرض خطواتها، وكان داء السكري يستنزف من جسدها ما تبقى فيه من قوة. وبعد دقائق، جلست فاتن إلى المائدة، بينما جلست جيهان أمامها منشغلة بهاتفها، تضحك بين الحين والآخر على شيء تراه في شاشته. رفعت فاتن عينيها إليها. _صباح الخير يا جيهان. رفعت جيهان رأسها دون أن تترك هاتفها. _صباح الخير يا طنط. وصلت خديجة حاملة الأطباق، وبدأت تضع الطعام أمامهم. _خديجة، في جبنة حادقة على المطبخ، هاتيها. أصلها بتفتح نفسي. قبل أن تجيب خديجة، نظرت فاتن إلى زوجة ابنها وقالت بهدوء: _طيب ما تقومي تجيبيها لنفسك؟ إنتِ شايفة البنت رايحة جاية، ولسه هتجهز علشان كليتها. رفعت جيهان عينيها إليها بضيق. _مش قادرة يا طنط، أنا طول الليل تعبانة ومنمتش. عادت خديجة في تلك اللحظة وقالت _مفيش مشكلة يا ماما، أنا هجيبلها اللي هي عايزاه. افطري إنتِ يا حبيبتي. ثم اقتربت من والدتها، وسألتها بحنان: _أخدتي حقنة السكر ولا لسه؟ أومأت فاتن. _أخدتها يا بنتي. قربي البطاطس دي، وخدي البيض قربيه لمرات أخوكي. ابتسمت خديجة، ودفعت الطبق نحوها. _حاضر يا ماما. لكن جيهان أشارت إلى البطاطس. _بس أنا بحب البطاطس يا طنط. عندك فول طعمه حلو؟ أنا مبحبوش. نظرت خديجة إليها للحظة، ثم نهضت دون كلمة. دخلت المطبخ، وعادت بطبقٍ فارغ، وبدأت تضع فيه قليلًا من البطاطس. _خدي حبيبتي، يلا افطري. توقفت يد جيهان فوق الطبق، ثم حدقت في خديجة بامتعاض. _إنتِ بتاخدي من قدامي البطاطس يا خديجة؟ مش عايزاني آكل؟ استدارت خديجة إليها، وقد بدأ صبرها ينفد. _بقولك إيه؟ البطاطس قدامك أهي، مش مكفياكي؟ ادخلي المطبخ بكعب الغزال ده واعملي لنفسك. في تلك اللحظة ، انفتح باب الشقة، ودخل خالد، زوج جيهان، بعدما عاد من الخارج. توقف مكانه حين التقط أذناه آخر كلمات أخته. _إيه اللي بتقوليه ده يا خديجة؟ استدارت إليه. _بقول إيه؟ ما قولتش حاجة غلط. قفزت جيهان _تعالى شوف يا خالد أختك! بتشيل من قدامي الأكل وبتقولي: "وأنا هخدمك"! اتسعت عينا خديجة بدهشة. _أنا قولت كده يا مفترية؟ ابتسمت جيهان بانتصار. _سمعت يا خالد؟ شوفت بتقولي إيه؟ تقدم خالد خطوة، وقد تبدلت ملامحه. _ما تحترمي نفسك يا بت! إيه؟ مش مالي عينك؟ وضعت فاتن يدها على الطاولة، وقالت بنبرة حاولت أن تجعلها هادئة: _اقعد يا ابني افطر. أختك مغلطتش. لكن جيهان لم تترك لها فرصة لتهدئة الأمر. نظرت إليها ببرودٍ جارح، وقالت: _مش عيب يا حماتي تكذبي وإنتِ ست كبيرة؟ طب خافي لتموتي فجأة! شهقت خديجة، والتفتت إلى جيهان، وقد اشتعل الغضب في عينيها حتى غلب خوفها. اقتربت خطوة، وصوتها خرج مرتجفًا من شدة القهر: _الألفاظ سعد يا ست جيهان... إيه اللي بتقوليه ده؟ ثم نظرت إلى والدتها. التي كانت جالسة في مكانها، صامتة، لم تنطق حرفًا واحدًا ربتت خديجة على كتفها بحنان _متزعليش منها ياماما، هي ماتقصدش شوف شوف... علشان متطلعش غلطانة في اللي قالته _خلاص ياجيهان، اقعدي، وهي هتعملك اللي انت عايزاه اتجهت خديجة تنظر الى اخيها بقهر _انا رايحة الجامعة، وبدل ماتقولها كنتي ساعديها، لا عايزني افطر مراتك _هو انت علشان عملتي طبق بطاطس وبيض هتفضحيني عليهم، امال انت شغلتك ايه في البيت دا رفعت خديجة عيناها اليها _انا بعمل الفطار لامي، اكراما مني بخليكي تقعدي تفطري معانا، لانك بصحتك، يبقى قومي اعملي لنفسك انت وجوزك _شوفت ياخالد، علشان تصدقني _ماتتلمي يابت ع الصبح، ايه محدش مالي عنيك _خديجة... خديني اوضتي يابنتي _اتفضل امك زعلت _رايحة فين ياما، بدل ماتوقفي بنتك عند حدها امشي يابت انجري روحي جهزيلي افطر نظرت الى جيهان التي مطت شفتيها _خلاص ياخالد، اقعد افطر، الاكل اهو انا خلاص نفسي اتسدت باحد المنازل الذي يبعد عدة منازل نهض من نومه على صوت والدته _يلا حبيبي، البيض هيبرد، وترجع تقول مش واكل خرج وهو يبتسم، ثم اقترب منها _صباح الخير ياست الكل _صباحك رضا ياحبيبي نظر حوله يبحث عن اخيه _امال فين عمر _نزل الدرس، اخد من محفظتك ربعمية جنيه، عنده درسين، وبيقول مذكرات اومأ برأسه وقال _ربنا يوفقه يارب، خليه ياخد اللي هو عايزه، يمكن يدخل طب _مابلاش طب ياحبيبي، مصاريفه كتيرة، خليه في كلية عادية _ماما... متقوليش قدامه كدا، ربنا يقدرني وادخله طب _انت ليه مش بتفكر في نفسك خالص يابني، انت داخل على التلاتين، هتفضل لحد امتى من غير جواز _لما يجي وقته ياماما بقلم سيلا وليد ــــــــــــــــــــــــــ بعد ساعات... كان عبد الرحمن مستلقيًا أسفل إحدى السيارة داخل الورشة، لا يظهر منه سوى قدماه، بينما وقف المعلم فاروق إلى جوار السيارة يتابع عمله. _العربية دي عايزة شغل يومين يا معلم. اعتدل فاروق في وقفته، ثم قال: _اعمل اللازم يا عبده، الراجل مش مستعجل عليها يا ابني. خرج عبد الرحمن من أسفل السيارة، ثم أمسك بقطعة قماش قديمة ومسح بها يديه الملطختين بالزيت. _خلاص... هطلع آخد دش على السريع، وأنزل أشتري كل اللي يلزمها. ابتسم فاروق وهز رأسه. _تمام، بس متتأخرش... إنت لما بتغيب، الدنيا هنا بتقف. وقبل أن يجيبه، ظهر خالد من داخل الورشة، وهو يضحك ساخرًا: _وبعدين يا عم فاروق؟ صاحب العربية دي مش هنخلص منه؟ توقف فاروق عن العمل، ونظر إليه بضيق. _وبعد هلاك يا خالد... الراجل محترم، إنت اللي مندفع يا ابني. ألقى عبد الرحمن نظرة جانبية إلى خالد، ثم قال وهو يبتسم: _اسمع وطنش يا خالد... هتكسب كتير. التفت إليه خالد بسخرية. _أنا مش زيك يا عبدو حنبلي... أنا مبسكتش على الغلط. مساءً... كانت خديجة تجلس في شرفة غرفتها، على مقعدها الخشبي الصغير، وأمامها طاولة تتناثر فوقها كتبها وأوراقها. تحاول مراجعة دروسها، بعدما بدأت أخيرًا تخطط لما بعد الجامعة، وللحياة التي تتمنى أن تصنعها بيديها. وعلى الجهة المقابلة... كان عبد الرحمن يقف في شرفة منزله، يحمل كوب الشاي بيد، وسيجارته باليد الأخرى، لكن عيناه لم تبتعد عنها، يتابع كل تفصيلة فيها دون أن يشعر بالوقت، وكأن وجودها أمامه أصبح طقسًا يوميًا لا يستطيع أن يبدأ ليله بدونه. توقفت والدته خلفه، تأملت حالته لحظات، ثم قالت وهي تكتم ضحكتها: _طيب هنفضل نقضيها نظرات يا واد ولا إيه؟ انتفض من شروده، والتفت إليها بابتسامة بريئة مصطنعة. _بتقولي إيه يا ست الحبايب؟ لكزته في كتفه وهي تضحك: _بقول إزيك يا سيد الناس! انفلتت من عبد الرحمن ضحكة عالية، ارتفعت في سكون الليل حتى وصلت إلى الشرفة المقابلة. رفعت خديجة عينيها عن كتابها. توقفت يدها عن تقليب الصفحات، وتعلقت عيناها به. لم تعرف لماذا ابتسمت... ولا لماذا شعرت أن ضحكته تحديدًا قادرة على أن تجعل قلبها أخف. كان في تلك اللحظة يعطيها ظهره، طويل القامة، عريض المنكبين، ببشرة خميرية زادها ضوء الليل دفئًا، وشعر فحمي ناعم تناثرت خصلاته فوق رأسه. ظلت تحدق به للحظات، وكأنها تراه للمرة الأولى. شاب اعتادت وجوده منذ سنوات... لكنها بدأت تراه الآن بعين مختلفة. ولم تنتبه إلى والدتها التي دخلت الشرفة تحمل كوب الشاي. _عملت لكِ شاي يا حبيبتي. لم تستمع اليها خديجة، لشرودها بمن خطف قلبها، توقفت والدتها خلفها، وتتبعت اتجاه عيني ابنتها، ثم ابتسمت ابتسامة وضعت كوب الشاي أمامها، ثم سحبت مقعدًا بلاستيكيًا وجلست إلى جوارها. _حلو... وابن حلال كمان. ربنا يجعله من نصيبك يا بنتي. انتفضت خديجة، وكأن أمها ضبطتها متلبسة بشيء خطير. _هو مين ده يا ماما؟ ضحكت والدتها وهي تشير بعينيها إلى الجهة المقابلة. _أهو... الحليوة الأسمراني اللي خاطف قلوب بنات الحتة. أخذت خديجة تقلب صفحات كتابها بارتباك _إيه اللي بتقوليه ده يا ماما؟ اقتربت والدتها منها، وقالت بمكر أم تعرف ابنتها أكثر مما تعرف نفسها: _هتخبي على ماما يا ديجة؟ إنتِ مفكرة إني مش واخدة بالي من نظراتكم لبعض؟ رفعت خديجة عينيها إليها، ثم قالت بذهول: _نظراتنا؟ ليه... هو بيبص لي يا ماما؟ ولا بيفكر فيا أصلًا؟ ابتسمت والدتها بحنان، وربتت على يدها. _ده مش شايف غير ديجا. توقفت خديجة عن التنفس للحظة. _يعني إيه؟ مالت والدتها نحوها وهمست: _وعشان تطمني... أمه رمت لي كلمتين كده، وقالت إنهم مستنيينك تخلصي الجامعة. اتسعت عيناها. _معقول يا ماما؟ ابتسمت والدتها. _معقول جدًا. ارتجف قلب خديجة، وانخفضت عيناها إلى الكتاب، بينما تسللت ابتسامة صغيرة إلى شفتيها رغماً عنها.. تهمس لنفسها عبد الرحمن...يفكر فيها. الشاب الذي طالما اعتبرته مجرد جار وصديق للعائلة، كان ينظر إليها بالطريقة نفسها التي بدأت عيناها تنظران إليه بها. لاحظت والدتها السعادة التي أضاءت وجهها، فمسدت على ظهرها بحنان أمومي. _ومش معقول ليه؟ إن كان هو فتى مفتول العضلات وابن حلال، بنتنا برضه جميلة الجميلات. ضحكت خديجة بخجل، وحاولت إخفاء وجهها خلف الكتاب. فاحتضنتها والدتها بنظرة مليئة بالأمنيات. _ربنا يسعدك يا حبيبتي... وأشوفك أجمل عروسة في الدنيا. لم تجب خديجة.فقط ابتسمت... لكن قلبها كان يجيب بدلًا عنها. وفي الجهة الأخرى، ظل عبد الرحمن يتحدث مع والدته، دون أن يعرف أن فتاته كانت قد سمعت للتو شيئًا سيغير نظرتها إليه إلى الأبد. أما خلف الباب... كانت جيهان، زوجة أخيها، تقف تستمع إلى كل كلمة. تبدلت ملامحها، وانطفأت ابتسامتها، واشتعلت الغيرة في عينيها. ابتعدت عن الباب ببطء، ثم تمتمت من بين أسنانها: _بقى عبد الرحمن بيحبك إنتِ؟ ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة لا تحمل أي خير. _طب قابليني يا حرباية... لو الجوازة دي تمت. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ بقلم سيلا وليد بعد أسبوع... خرجت خديجة من بوابة الجامعة، تحمل كتبها إلى صدرها، وقد بدت على وجهها راحة طال انتظارها. انتهت الامتحانات أخيرًا... خطوات قليلة، وستعود إلى بيتها البسيط، ثم تبدأ البحث عن عمل يساعدها في الوقوف إلى جوار والدتها. كانت تتجه إلى موقف الأتوبيس العام، ولكن توقفت فجأة. تجمدت قدماها، واتسعت عيناها حين وجدته واقفًا أمامها. _عبد الرحمن. ابتسمت دون إرادة منها، وكأن ظهوره أمامها بدد تعب اليوم كله. _عبد الرحمن؟ بتعمل إيه هنا؟ ابتسم وهو يشير إلى السيارة الواقفة خلفه. _كنت قريب، فقولت أعدي عليكي... النهارده آخر يوم في امتحاناتك. أومأت، وظهرت ابتسامة واسعة على شفتيها. _آه... أخيرًا هتخرج، وأشتغل. تأمل ابتسامتها للحظات ثم قال ببساطة: _طيب يلا... تعالي أوصلك. نظرت خديجة إلى السيارة، ثم عادت بعينيها إليه باستغراب. _عربية مين دي؟ _زبون في الورشة، كنت بشتري لها حاجة. ثم ابتسم وهو يفتح باب السيارة. _هنمشي ولا هتسألي تاني؟ تراجعت خطوة، وقد تبدلت ملامحها فجأة. _آسفة يا عبد الرحمن... مينفعش أركب معاك. اختفت ابتسامته ببطء، لكنه لم يقترب أكثر، بل أبقى بينهما مسافة تحفظ لها راحتها. _ليه يا خديجة؟ ناسية إننا جيران؟ يعني مش واحد لا شمال ولا حاجة. رفعت عينيها إليه سريعًا. _مقصدش والله... الكل عارف أخلاقك، بس... ميصحش. اعذرني. رد قائلًا بهدوء: _والكل برضه عارف أخلاقك يا خديجة. خفضت عينيها، وظهر الحزن واضحًا في ملامحها. _بس الناس مابترحمش... توقفت لحظة، ثم تابعت بصوت خافت: _آسفة يا عبد الرحمن، لازم أمشي... الأتوبيس هيفوتني. استدارت سريعًا _خديجة... استني! توقفت، لكنها لم تستدر فورًا. وحين التفتت، وجدته يقترب منها بابتسامة هادئة، ثم مد يده إليها بكتاب. _كل سنة وإنتِ طيبة يا ديجة. نظرت إلى الكتاب بدهشة. _إيه ده؟ _امبارح كان عيد ميلادك... عرفت من حنان. ترددت قبل أن تمد يدها وتأخذه منه بخجل. فتحت الكتاب، وما إن وقعت عيناها على عنوانه حتى اتسعت ابتسامتها دون أن تشعر. رفعت عينيها إليه. _مين قالك إني بدور على الكتاب ده؟ ثبت عينيه عليها، وقال ببساطة أربكت قلبها: _قلبي. توردت وجنتاها في لحظة، فأخفضت عينيها سريعًا، وأخذت تعبث بأطراف الكتاب. _شكرا ياعبد الرحمن ابتسم عبد الرحمن، وكأنه كان يستمتع بذلك الارتباك الصغير الذي صنعه دون قصد. ثم تغيرت ملامحه قليلًا، وقال: _خديجة... عايز أكلم خالد. رفعت عينيها إليه، ولم تعرف لماذا شعرت فجأة بقبضة تعتصر قلبها. _تكلمه في إيه؟ اقترب خطوة، وبقيت عيناه معلقتين بعينيها. _مش عارفة؟ ابتلعت ارتباكها. _لا... معرفش. ابتسم ابتسامة غامضة، وقال بصوت أكثر دفئًا: _معقول مش عارفة؟ ارتبكت، وشعرت أن عينيه تفضحان شيئًا لا تملك الشجاعة لتسأله عنه. ابتعدت خطوة وقالت بسرعة: _الأتوبيس هيمشي... بعد إذنك. استدارَت لتغادر، لكنه ناداها: _خديجة! توقفت.. ثم التفتت إليه ببطء. كان ينظر إليها بطريقة جعلت قلبها يخفق بعنف، ثم قال: _هستناكي بكرة على الشط... متتأخريش. لازم نتكلم. ترددت، ثم قالت بخجل: _هقول لماما... لو وافقت، هجيب حنان معايا. ضحك بخفة، وقال: _هاتي الدنيا كلها يا خديجة... بس متتأخريش. ابتسمت رغماً عنها، ثم هزت رأسها. _لازم أمشي. تحركت مسرعة نحو الأتوبيس، والكتاب لا يزال بين يديها. أما عبد الرحمن فظل واقفًا مكانه، يتابعها بعينيه حتى اختفت بين الزحام. ــــــــــــــــــــــــــــــ بقلم سيلا وليد ما إن وصلت إلى منزلها، حتى أسرعت إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها، وكأنها تخشى أن تفضح عيناها ما حدث معها هذا المساء. جلست فوق فراشها، والكتاب لا يزال بين يديها. ذلك الكتاب الذي أعطاها إياه عبد الرحمن... تأملته طويلًا، ثم مررت أطراف أصابعها فوق غلافه بحنان، وكأنها تلمس شيئًا يخصه هو، قبل أن ترفعه إلى أنفها وتستنشق رائحته في خجل، ثم ضمته إلى صدرها لحظة، وقلبها يخفق بطريقة لم تعهدها من قبل. أبعدته عنها، وأخذت تتلمس حروف عنوانه بأطراف أصابعها: «الإنسان يبحث عن المعنى» ابتسمت. ثم بدأت تقلب صفحاته بفضول، حتى سقطت عيناها على بطاقة صغيرة ملونة، مخبأة بين الصفحات. توقفت أنفاسها.. سحبتها بيد مرتجفة، وقلبتها بين أصابعها قبل أن تفتحها. وما إن قرأت أول سطر، حتى شعرت بأن شيئًا دافئًا ينساب إلى قلبها. «خديجتي... نعم، فتاة قلبي التي لم يمل قلبي يومًا إلى سواها. أتمنى أن تجعلكِ سطور هذا الكتاب تتمسكين بالحياة حين تثقل عليكِ، وأن تذكّركِ بأن هناك دائمًا سببًا يستحق أن نحيا من أجله. وأتمنى أكثر... أن أكون أنا أحد أسباب ابتسامتك، وألا يأتي يوم تشعرين فيه أنكِ وحدكِ، لأنني منذ عرفتكِ وأنا أتمنى أن أكون كتفكِ حين تتعبين، ويدكِ حين تخافين، وملجأ قلبكِ حين تضيق بكِ الدنيا. فأنتِ لستِ عابرة في حياتي يا خديجة... أنتِ الضوء الذي تسلل إلى أيامي دون استئذان، فأنارها، والنبض الذي صار قلبي يبحث عنه كلما ابتعدتِ، والشيء الجميل الذي لم أطلبه من الحياة، لكنها منحته لي. وتذكري دائمًا هذه الجملة: «من كان لديه سببٌ يحيا من أجله، استطاع أن يتحمل تقريبًا أيَّ كيف.» وأنا... منذ أحببتكِ، أصبح لي سبب آخر أتمسك به. أنتِ. فلا تسمحي للحزن أن يسرق منكِ نفسكِ، ولا للظروف أن تقنعكِ أنكِ وحدكِ. طالما قلبي ينبض... سيكون لكِ فيه مكان لا ينازعكِ عليه أحد. أهواكِ... حتى أصبح العشق ملاذي، وأصبح اسمكِ الدعاء الذي لا أقوله بلساني، لكن قلبي يردده كل ليلة.. واخيرًا وليس اخرًا عبد الرحمن.» ظلت تحدق في آخر سطر طويلًا... ثم أعادت قراءة الرسالة من بدايتها. ومع كل كلمة، كانت ابتسامتها تكبر، بينما ترقرقت الدموع في عينيها دون أن تشعر. وضعت البطاقة فوق قلبها، وأغمضت عينيها. لأول مرة منذ وقت طويل... لم تشعر أن قلبها مثقل بالحزن. بل شعرت أنه يرقص. يرقص لأن أحدهم رآها... فهم خوفها... ولم يطلب منها أن تكون قوية. فقط أخبرها أنه سيكون إلى جوارها. فتحت عينيها، وضمت البطاقة إلى صدرها وهمست بخجل: _عبد الرحمن... إنت عملت إيه في قلبي؟ امسكت ذاك المكتوب ودونت بظهره لو كان «الرحمن» اسمًا يُنسب إلى البشر، لقلت لكَ: رحماني... نعم كنت أريد أن أقول لك: رحماني... ثم خفت أن أتجاوز في كلمةٍ حقَّ ربي، فالرحمن لله وحده، أما أنت... فأنت فارس قلبي، ونبيلُ أيامي، وأجمل أقداري التي دعوت الله أن يكتبها لي. خديجتك ابتسمت وقبلته... ابتعدت بعدما استمعت إلى إشعار وصول رسالة، فامتدت يدها سريعًا إلى هاتفها. وما إن أضاءت الشاشة باسم عبد الرحمن، حتى ارتسمت ابتسامة على شفتيها قبل أن تفتح الرسالة، وكأن اسمه وحده أصبح قادرًا على أن يضيء قلبها قبل أن يضيء أيامها. فتحتها، وراحت تقرأ: فكرت قبل ما نتقابل... أربط كلمة مع أخوكي. إن شاء الله هكون عندكم بالليل. صلي وادعي نكون من نصيب بعض. توقفت عيناها عند الجملة الأخيرة. من نصيب بعض. أعادت قراءتها مرة أخرى، ثم وضعت الهاتف فوق قلبها، وكأنها تحاول أن تهدئ ذلك النبض الذي انتفض من شدة السعادة. وفجأة، هوت بظهرها فوق الفراش، وفردت ذراعيها، وخرجت منها ضحكة خافتة لم تستطع منعها. لأول مرة...لم تكن تتخيل.لم تكن تتساءل. عبد الرحمن سيأتي الليلة...ليطلبها. وضعت كفيها فوق وجهها، وهمست بخجل: _يا رب... لو هو خير ليا، اكتبهولي. ثم ابتسمت من جديد، وكأن قلبها كان قد سبق دعاءها بالإجابة. مضت الساعات أسرع مما توقعت. جاء المساء، وهو يحمل فرحة القلوب، كان عبد الرحمن قد ذهب برفقة والدته. جلس الجميع في هدوء، تتبادل الأمهات الأحاديث، بينما ظل عبد الرحمن أكثرهم صمتًا. يحاول أن يبدو ثابتًا، لكن أصابع يده كانت تتحرك بتوتر فوق ركبته. هذه ليست جلسة عادية... هذه الليلة التي انتظرها طويلًا. الليلة التي سيقول فيها أمام أهلها ما أخفاه قلبه طويلًا. وبعد فترة من الجلوس، رفع عبد الرحمن عينيه إلى والدة خديجة. _بعد إذنك يا خالتي أم خالد... التفت الجميع إليه، أخذ نفسًا عميقًا. ثم نظر إلى خالد مباشرة. _أنا جاي النهارده طالب القرب منك... في أختك الأستاذة خديجة. توقفت أنفاس خديجة خلف باب غرفتها. كانت تسمع كل كلمة، وقلبها يخفق حتى خُيل إليها أن الجميع يستطيع سماعه. أما عبد الرحمن، فتابع بصوت ثابت، رغم ارتعاش قلبه: _وأنا والله مش شايف نفسي طالب أكتر من كده... أنا طالبها بالحلال، وعايز أكون راجلها اللي يصونها ويحافظ عليها، وهكون أسعد راجل في الدنيا لو وافقتوا. تبادل خالد ووالدته النظرات. ثم نظر خالد إلى عبد الرحمن طويلًا، قبل أن يبتسم. _طبعًا يا عبد الرحمن... وأنا هكون سعيد بيك، وعارف أخلاقك كويس. بس الأصول بتقول نسأل البنت ونشاورها الأول. اتسعت ابتسامة عبد الرحمن، وكأن أثقل حجر كان فوق صدره قد سقط أخيرًا. _طبعًا... طبعًا يا خالد. خدوا وقتكم، وأنا مستني الرد في أقرب وقت. ثم نهضت والدته لتودعهم بعد أن انتهت الجلسة، بينما بقي عبد الرحمن للحظة ينظر ناحية الباب الذي تقف خلفه خديجة. لم يرها...لكن قلبه شعر بها. في الداخل، كانت خديجة تضع يدها فوق فمها، تمنع نفسها من البكاء. لم تكن دموع حزن. كانت دموع فتاة سمعت الرجل الذي أحبته يقول أمام أهلها، دون خوف أو تردد: «أنا طالب القرب من أختك.» مضت الليلة بسلام... لكنها لم تكن تعلم أن بعض السلام ليس إلا هدوءًا يسبق العاصفة. أتى الصباح محمّلًا بضياء ربه على الخلق أجمع، وكأن الدنيا قررت أن تبتسم لها هي الأخرى. نهضت خديجة من فراشها بخفة ونشاط، وما إن بدأت يومها حتى أخذ الحماس يملأ خطواتها. جهزت طعام الإفطار وهي تدندن بأغنيتها المفضلة، تتحرك في المطبخ بسعادة لا تستطيع إخفاءها، حتى انتهت، وحملت الأطباق إلى المائدة، ترتبها بعناية وكأنها تعد وليمة لخبر سعيد. خرجت والدتها، فتوقفت للحظة تتأمل ابنتها بابتسامة عرفت منها كل شيء دون سؤال. _صباح الجمال يا ديجة. التفتت إليها خديجة، وابتسمت من قلبها: _صباح الورد يا ست الكل... يلا، أنا عاملالك فطار هتاكلي صوابعك وراه. اقتربت والدتها منها وهمست بمكر: _أنا هاكل صوابعي وراه فعلًا... بس مش علشان الأكل حلو، لا، علشان الواد بيدو نور بيتنا امبارح، وكمان علشان المخفية مرات أخوكي ريحتنا منها أسبوع كامل. انفجرت خديجة ضاحكة، ثم اندفعت إلى أحضان والدتها. _أنا بحبك أوي يا ماما... ربنا يخليكي ليا يا رب. مسدت والدتها على شعرها بحنان، وقبلت رأسها. _ربنا يسعدك يا نور عيني... ويكتب لكِ اللي فيه الخير يا رب. ابتعدت خديجة عنها، ثم وقفت أمامها تفرك كفيها بتوتر. جلست والدتها على الكرسي، ورفعت عينيها إليها. _قولي يا حبيبتي... عايزة إيه؟ اقتربت خديجة وسحبت كرسيًا وجلست إلى جوارها. _هنزل أنا وحنان... نلف شوية في السوق، ويعني... توقفت، وأخفضت عينيها. _عبد الرحمن عايز يقابلني نظرت إليها والدتها طويلًا، ثم رفعت ذقنها وقالت بحزم الأم التي لا تريد لابنتها أن تخطئ خطوة واحدة: _هو ينفع يا بنتي؟ ييجي هنا يقول اللي هو عايزه، قدامنا... إنما تروحي تقابليه لوحدكم؟ لا يا خديجة. أسرعت خديجة: _ما هو حنان هتكون معايا. _ولو يا حبيبتي... مينفعش. وقبل أن ترد، جاء صوت خالد من خلفهما: _صباح الخير. التفتت والدته إليه. _صباح النور يا حبيبي. اتجه خالد إليها، ثم قال: _قولت لها يا ماما... عرفتيها إن عبد الرحمن طلب إيدها؟ ارتجفت يد خديجة، فسقط الكوب من بين أصابعها واستقر فوق الطاولة. ضحكت والدتها، وقالت: _أهي حالتها ردت عليك. نظر خالد إلى أخته، التي اشتعلت وجنتاها خجلًا، ثم ابتسم لها. _خلاص يا ماما... اتأكدي منها. إحنا جيران، ومينفعش نقول كلمة ونرجع فيها. _حاضر يا حبيبي. لم تحتمل خديجة المزيد. نهضت سريعًا واتجهت إلى المطبخ، ووجهها يشتعل بحمرة الخجل بعد فترة... كانت خديجة تسير بجوار حنان بين المحلات، تحكي لها ما حدث بالأمس، من لحظة وصول عبد الرحمن وحتى طلبه يدها. صفقت حنان بيديها، ثم قالت بغمزة: _يعني بيدو كان واقع لشوشته فيكي، وأنا اللي كنت منشنة عليه! لكزتها خديجة في كتفها وهي تضحك. _اسكتي يا بت! واصلتا سيرهما حتى انتهتا من شراء ما تحتاجانه، ثم اتجهتا إلى الشاطئ. جلست خديجة على الرمال، وظلت تعبث بأطراف ثوبها. _جبتينا هنا ليه؟! _يمكن بيدو يجي مثلًا شعرت بالحزن واجابتها لا مش هيجي، أنا قولت لماما إني مش هقابله.. وبعت له رسالة على كدا نظرت إليها حنان وضحكت: _يا بنتي، الراجل قاصد خير. جالك البيت من بابه، وقال إنه عايزك في كلمتين... نهضت وهي تنفض يديها. _يلا، أنا هسيبك هنا وأقعد هناك، أصله جاي. ثم التفتت إليها بتحذير مرح: _وبلاش كل كلمة تجري تقوليها لمامتك... يا خيبة ذهلت خديجة مما فعلته، وصل عبد الرحمن اليها، اقترب منهما، وألقى السلام. _السلام عليكم. ردت حنان، ثم قالت وهي تشير إلى مكان قريب: _هقعد جنبكم هنا... بس متتأخروش. _شكرًا يا حنان. أومأت، ثم ابتعدت سريعًا. ظلت خديجة تتابعها بعينين مذهولتين، ثم استدارت إلى عبد الرحمن. _إنت كنت متفق معاها؟ أنا مش قولت لك مش هينفع؟ ابتسم عبد الرحمن، لكنه لم يرد على عتابها، بل أشار إلى المكان أمامه. _اقعدي يا خديجة. جلست على مضض، بينما جلس أمامها، وظل للحظات ينظر إلى البحر. كان واضحًا أن هناك شيئًا أثقل من مجرد حديث عابر. قال بهدوء: _فيه كلمتين عايز أقولهم لكِ قبل ما تقولي رأيك في جوازنا. رفعت عينيها إليه. _قول. أخرج عبد الرحمن علبة سجائره، وأشعل واحدة، ثم أخذ نفسًا قصيرًا. ظلت خديجة تراقبه دون أن تشعر. وفجأة خرج صوتها عفويًا، قبل أن تلحقه: _السجاير هتضر صحتك يا عبد الرحمن. توقف. ثبتت السيجارة بين أصابعه، ثم رفع عينيه إليها ببطء. وفي تلك اللحظة...لم يسمع سوى جملة بسيطة. لكن قلبه سمع اعترافًا كاملًا. هي خائفة عليه. ابتسامة صغيرة تسللت إلى شفتيه، وامتلأت عيناه بشيء من الفرح الذي لم يستطع إخفاءه. _خايفة عليَّ؟ اتسعت عيناها، وكأنها أدركت للتو ما قالته. _طبعًا. خرجت منها الكلمة سريعة، صادقة، بلا حساب. ابتسم أكثر، ثم أطفأ سيجارته قبل أن يكملها، وأسند ظهره إلى المقعد. أما هي، فخفضت عينيها إلى الرمال، وقلبها يطرق صدرها بعنف. قال عبد الرحمن بصوت هادئ: _خديجة... رفعت عينيها إليه. _عايزك تسمعيني للآخر... من غير ملل، ومن غير ما تحكمي على كلامي قبل ما أخلص. تأملها لحظة، ثم تابع: _لأن اللي هقوله لك دلوقتي... هو أهم كلام هقوله في حياتي. _قلقتني هز رأسه وقال _لا... طبعًا، طول ماانا موجود اوعي اسمع الكلمة دي "اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك" بقلم سيلا وليد ابتسمت وهي تنظر إليه، تنتظر أن يبوح بما جاء من أجله. ظل عبد الرحمن صامتًا للحظات، يدقق النظر في عينيها اللتين طالما سلبتاه القدرة على الكلام، وكأنه يحاول أن يحفظ تفاصيلهما للمرة الأخيرة قبل أن يسمع منها ما سيحدد مصير قلبه. قطعت صمته وهي تبتسم بتوتر: _ساكت ليه؟ على فكرة ماما هتزعل مني أوي. ابتسم ابتسامة هادئة، ثم قال: _ليها حق مامتك تزعل وتخاف عليكي يا ديجة. هزت رأسها باعتراض خفيف: _مش أوي يا عبد الرحمن... المهم قولي بسرعة، إنت عايز تقول إيه؟ تنفس بعمق، وكأنه يرتب الكلمات في صدره قبل أن يخرجها. _قبل ما أعرف رأيك في إننا نكمل مع بعض... إنتِ طبعًا عارفة إني مسؤول عن عمر ووالدتي. قطبت جبينها، ولم تفهم ما الذي يحاول الوصول إليه. _مش فاهمة يا عبد الرحمن... مال عمر ووالدتك؟ خفض عينيه للحظة، ثم عاد ينظر إليها بنظرة صادقة لا تعرف المراوغة. _مش هقدر أبعد عنهم يا خديجة. سكت قليلًا، ثم تابع: _آه، أنا اشتريت شقة في مكان كويس، وكان نفسي نستقر فيها ونبدأ حياتنا بعيد عن أي حاجة... بس مش هقدر أبعد عن والدتي. البيت كبير، وعمر طول الوقت مش موجود، وكمان خلاص هيروح الجامعة، وماما هتبقى لوحدها. يعني ممكن تتعب، لا قدر الله، وأنا مش هقدر أسامح نفسي لو حصل لها حاجة وأنا مش جنبها، خصوصًا إن الشقة بعيدة. ظلّت تستمع إليه دون أن تقاطعه. لكن شيئًا في داخلها كان قد تبدّل. لم ترَ في كلماته رجلًا يتراجع عن حبه، بل رأت رجلًا يضع أمه في قلب مسؤولياته، ويخشى أن يتركها وحيدة بعدما أفنت عمرها من أجله. كان قلبها يرقص فرحًا. فرحًا لم تستطع إخفاءه، ولا السيطرة عليه. اجتاحتها مشاعر عاصفة، حتى تمنّت لو تلقي بنفسها بين ذراعيه، وتصرخ بأعلى صوتها: «بحبك أوي يا عبد الرحمن.» جاء صوته فأعادها إلى الواقع: _خديجة... سمعاني؟ رفعت عينيها إليه، وقد لمعتا بسعادة لم تستطع إخفاءها، وأومأت برأسها وهي تبتسم: _أيوة... سمعت اللي قولته. ابتسم، لكنه لم يسمح لفرحته أن تسبقه. _طيب ساكتة ليه؟ فتحت فمها لتجيب، لكنه رفع يده قليلًا يوقفها. _لا... فكري كويس. علشان مترجعيش تندمي تاني، ويبقى نفسك في يوم يكون ليكي بيت لوحدك. وعلى فكرة... مش هزعل، لأن ده حقك. أغمضت عينيها للحظات، وكأنها تحاول أن تُسكت قلبها الذي أخذ يخبط في صدرها بعنف. _خديجة... فتحت عينيها ونظرت إليه. ساد بينهما صمت طويل... ثوانٍ قليلة، لكنها حملت من الكلام ما عجزت عنه الحروف. تلاقت عيناهما، فكان حديث العيون أصدق من أي اعتراف. ثم قالت بخفوت: _إنت كتبت في الرسالة إيه يا عبد الرحمن؟ ضيق عينيه باستفهام. ابتسمت بخجل، وقالت: _خديجتي... ثم رفعت حاجبها قليلًا: _يعني مبقاش ليا رأي يا عبد الرحمن؟ كأن الكلمة وحدها كانت كافية لتزلزل كيانه. ارتجف قلبه، بل شعر برجفة تسري في جسده كله، وهمس وكأنه يخشى أن يسمع الإجابة فيتبدد حلم انتظره طويلًا: _يعني موافقة نكمل حياتنا مع بعض؟ نظرت إلى الأرض، واشتعلت وجنتاها بحمرة الخجل، ولم تجبه. ابتسم، ثم هز رأسه بيأس مصطنع: _لا لا... ما هو أنا مُصر أسمعها منك. اقترب قليلًا، وعيناه لا تفارقان وجهها. _حتى لو خالد رد وقال آه أو لأ، كنت هقف قدامك وأسألك بنفسي. ثم خرج صوته أكثر دفئًا: _موافقة بعبد الرحمن يا خديجة تكملي عمرك معاه؟ توقف لحظة، وكأن الكلمات القادمة تحمل كل ما أخفاه طوال السنوات الماضية. _قوليها يا خديجة... تعرفي أنا مستنيها من خمس سنين؟ رفعت عينيها إليه.. التقت فيها عيناها بعينيه، لم تعد بحاجة إلى أن تقول شيئًا. كانت عيناه تنطقان بالعشق قبل شفتيه.. ارتعشت شفتاها، وحاولت أن تنطق ولكن هربت الحروف من بين شفتيها، اقترب ميتندا بذراعه على الطاولة وعيناه لا تفارقنها ثم خرجت الكلمة أخيرًا... حتى هدمت في قلبها كل جدران الانتظار: _بحبك... توقفت أنفاسها. وكأن العالم كله صمت لحظة، لكي تسمعه هزة عنيفة جعلت قلبها يتراقص، بل جسدها ينتفض بالنبض، فنهضت سريعًا تجمع أشياءها بارتباك، تحاول الهرب من عينيه قبل أن يفضح خجلها _اتأخرت... لازم أمشي. نهض عبد الرحمن خلفها سريعًا، وأوقفها قبل أن تبتعد. _خديجة، استني! التفتت إليه مرتبكة. _لازم آخد الرد منك إنتِ... مش من أي حد تاني. فتحت حقيبتها بيد مرتجفة، وأخرجت البطاقة التي أرسلها إليها. مدتها إليه دون أن ترفع عينيها: _ردي هنا يا عبد الرحمن... ثم أسرعت تقول: _همشي بعد إذنك. أمسك البطاقة، وقلبها بين أصابعه باستغراب. _بتديني رسالتي ليه؟ لم تجبه. تحركت مسرعة نحو صديقتها. فتح عبد الرحمن البطاقة. توقفت عيناه عند الكلمات التي خطتها بيدها. ظل يقرأها للحظات، ثم رفع عينيه سريعًا نحوها. كانت قد ابتعدت بالفعل، تتحرك بخطوات سريعة بجوار صديقتها، وكأنها تهرب من قلبها قبل أن تهرب منه. تسللت ابتسامة واسعة إلى وجهه.. وتمتم بعشق: _رحماني... ثم ضحك بخفوت، كأنه لا يصدق أن ما انتظره طويلًا أصبح حقيقة. رفع عينيه نحو أثرها، وقال في نفسه: _آه يا خديجة... لو تعرفي عملتي إيه في فارس قلبك. وصلت الى منزلها بوقت قياسي، قابلتها والدتها على باب المنزل _ايه اللي اخرك يابنتي _اسفة ياماما، حقك علي، هدخل اشوف الاكل وقبل ان تخطو... امسكتها والدتها من يدها _مالك... وشك احمر كدا ليه _مفيش ياماما... قالتها وهي تنزع حجابها، وعيني والدتها تحاوطها، التفت اليها _قابلت عبد الرحمن ابتعدت والدتها بنظرها دون ان تعلق على حديثها، اقتربت منها وامسكت كفيها تقبلهما، ثم رفعت وجهها الى والدتها _ماما.. والله مش انا اللي قولت له، انا بعت له امبارح، وقولت له انك رفضتي، بس هو قابلني كان عايز يتكلم _وينفع ياخديجة، افرض حد شافكم يابنتي يقول عليكم ايه، حتى لو اتقدم، مادام مفيش رابط رسمي مينفعش، انا خايفة من كلام الناس حبيبتي، مش هيرحمك تسللت للأحضان والدتها _خلاص بقى ياماما، هم اصلا خمس دقايق عمي، والبت حنان كانت معانا ابتسمت والدتها تضمها بذراعيها _عُمي يابنت فاتن ضحكت ضحكة طفولية _ماخلاص بقى يافاتن، لازم تكسفيني كدا احتضنت فاتن وجه ابنتها، تنظر اليها بحنان _ربنا يسعدك يابنتي يارب، المهم بقى الاستاذ عبد الرحمن كان عايز ايه، علشان يخليكي تكسري كلامي فركت كفيها بخجل تنظر للأرض، رفعت والدتها وجهها تهز رأسها _سمعاكي حبيبتي، قولي حبيبتي، احكي لي كل حاجة جلست تهمس بخفوت _كان عايز رأيي في حاجة، يعني بيقولي انه مش هيستقر في شقته، عايز يفضل هنا مع مامته واخوه جلست والدتها إلى جوارها، تُصغي إليها باهتمام، بينما كانت خديجة تتحدث وقلبها يسبق كلماتها، وكأنها تخشى أن تنطق بما قد يُطفئ فرحتها. _مش فاهمة يعني إيه يا حبيبتي؟ رفعت خديجة عينيها إليها، وقالت بصوت خافت: _بيقولي مش هيقدر يبعد عن والدته يا ماما... عايز يتجوز في البيت معاها. ساد الصمت للحظات. ظلت فاتن تنظر إلى ابنتها، وكأنها تُعيد ترتيب الأمر في رأسها، ثم قالت بهدوء حذر: _بس معاه أخوه، يا خديجة... شاب. هينفع يا بنتي؟ مش هتاخدي راحتك. والدته منقدرش نعترض، دي أمه، لكن أخوه... إزاي يا بنتي؟ اتسعت عينا خديجة قليلًا، وكأنها لم تفهم سبب خوف والدتها. _ما هو عمر هيروح الجامعة يا ماما، يعني مش هيبقى موجود طول الوقت. هزت فاتن رأسها، وقالت بحزمٍ امتزج بحنان الأم: _ولو يا خديجة. مينفعش يا بنتي. ده شاب، وأنا مش بقول حاجة على تربيتهم، ولا بشكك في أخلاق حد، بس الأصول أصول، وفي حاجات البنت لازم تحافظ عليها حتى لو كانت بتحب جوزها. ابتلعت خديجة ريقها، وسألتها بقلق بدأ يتسلل إلى قلبها: _يعني إيه يا ماما؟ استدارت فاتن إليها، وأمسكت بكفها. _يعني لازم تفكري في كل حاجة، مش في الحب بس. الجواز مش إنك تحبي عبد الرحمن وخلاص... ده بيت، وخصوصية، وراحة، وحياة كاملة هتعيشيها. أسرعت خديجة تقول، وكأنها تدافع عن حلم تخشى أن يُنتزع منها: _بس أنا موافقة يا ماما. _يا بنتي، يا حبيبتي... اقتربت منها فاتن أكثر، وقالت بحنان: _فيه حاجات مينفعش نتنازل عنها علشان بنحب. الحب مهم، بس مش المفروض يخليكي تنسي حقك في الأمان والخصوصية والراحة. انخفضت عينا خديجة، وتجلى الحزن على ملامحها. احتضنتها والدتها، فضمتها خديجة إليها، وكأنها وجدت في حضنها مأمنًا من كل ما يخيفها. همست فاتن فوق رأسها: _بتحبيه يا خديجة؟ لم تجب. دفنت وجهها في أحضان أمها، وانهمرت دموعها بصمت. مسدت فاتن على شعرها بحنان، ثم قالت: _ربنا يكمل فرحتكم على خير يا بنتي... أنا مش معترضة على عبد الرحمن، بالعكس، ربنا يعلم إني نفسي أشوفك مبسوطة. بس أنا أمك، ولازم أخاف عليكي قبل ما أفرح لجوازك. رفعت خديجة وجهها إليها، وقد لمعت عيناها بالدموع: _يعني ممكن ترفضيه يا ماما... علشان كده؟ تنهدت فاتن، ومسحت دمعة علقت على وجنتها. _شوفتي مرات أخوكي عملت فينا إيه يا بنتي؟ رغم إن ليها شقتها فوق، وسايباها، اختارت تقرب منك علشان تضايقك. أنا مش عارفة إيه اللي ممكن يتخبى لك بعد الجواز، ولا عارفة الأيام هتجيب إيه. صمتت لحظة، ثم تابعت: _أنا من رأيي عبد الرحمن يتجوز في شقته، وياخد والدته معاه. حسناء ست كويسة، وأنا متأكدة إنها هتعاملِك أحسن معاملة. لكن أخوه شاب، وعبد الرحمن شغله ممكن يخليه يتأخر بالساعات... وأنا مش بشكك فيهم، ولا في تربيتهم، حاشا لله، بس إحنا بنبعد عن القيل والقال من البداية. اهتز قلب خديجة. لم تكن تسمع حديث أمها عن البيت فقط... كانت تسمع خوفًا آخر يتسلل بين الكلمات؛ خوفًا من أن تخسر عبد الرحمن بسبب أشياء لم تكن تراها عائقًا أمام حبها. فقالت بصوتٍ متهدج: _ماما... أنا بحب عبد الرحمن أوي. توقفت لحظة، ثم أضافت وكأنها تقدم أغلى ما تملك قربانًا لهذا الحب: _ومستعدة أقعد معاه في أي مكان... حتى لو مفيش غير أوضة واحدة تجمعنا، مش هتفرق معايا. المهم أبقى معاه. نظرت إليها فاتن طويلًا، وقلبها يؤلمها لرؤية ابنتها مستعدة لأن تتنازل عن كل شيء فقط حتى لا تخسر الرجل الذي أحبته. ورغم ذلك لم تجب. نهضت بهدوء، ومسحت على رأس ابنتها، ثم خرجت من الغرفة. بقيت خديجة وحدها. حدقت في الباب الذي أُغلق خلف والدتها، وكأنها تنتظر أن تعود وتقول لها إن كل شيء سيكون بخير. لكنها لم تعد..هنا شعرت بألم حاد يعتصر قلبها لم يكن خوفها من العيش مع أخيه... بل كان خوفها الأكبر أن يكون حبها لعبد الرحمن غير كافٍ أمام مخاوف والدتها. انسابت دمعة ساخنة على وجنتها، وهمست لنفسها: _أنا مستعدة أتنازل عن أي حاجة... بس متاخدنيش منه يا رب. ثم ضمت ركبتيها إلى صدرها، وانحنت فوقهما، تنظر أمامها بصمت مضت الساعات سريعًا، حتى أقبل الليل بسكونه، لكنه لم يحمل السكون إلى قلب خديجة؛ فقد كان صدرها يضج بخفقات متلاحقة، كلما تذكرت حديث والدتها، وكلما تخيلت أن حبها لعبد الرحمن قد يصطدم بما تراه أمها من مخاوف. وفجأة، أضاء هاتفها برسالة. رسالة واحدة... لم تحمل سوى كلمتين: _خديجتي. توقفت أنفاسها للحظة. مدت أناملها المرتجفة، ومررتها فوق الحروف، وكأنها تخشى أن تختفي إن لمستها. «خديجتي»... كلمته الصغيرة كانت كافية لأن تُربك قلبها كله؛ تشعرها أنها تخصه، وأن بينهما شيئًا لا يشبه أي شيء آخر، شيئًا اختصره في نداءٍ واحد، لكنه كان بالنسبة إليها وطنًا كاملًا. اغرورقت عيناها بالدموع، وابتسامة باهتة ارتجفت فوق شفتيها... لحظات اخرى ليرتفع الهاتف مرة أخرى خديجتي... خُذلتُ من الدنيا، فكنتِ أنتِ جبرَها. ودُرتُ في طرقات العمر طويلًا، حتى وجدتُ في عينيكِ طريقي. خديجتي... يا خاءَ خَفقِ قلبي حين أراكِ، ويا دالَ دُعائي حين أرجو الله أن يجمعني بكِ ويا جيمَ جُرحي الذي لم يبرأ إلا بقربكِ، ويا ياءَ يقيني بأنكِ أجملُ ما ادّخره الله لقلبي. خديجتي... ما كنتِ اسمًا أناديه، بل كنتِ وطنًا كلما ضاقت بي الحياة، عدتُ إليه. خديجتي... أنتِ لستِ امرأةً أحببتها فحسب، أنتِ الدعاء الذي أخشى أن أرفع يدي عنه،والحلم الذي أخاف أن أستيقظ منه، والقلب الذي بعدما وجدته... لم يعد قلبي يعرف كيف يعيش بعيدًا عنه. فإن سألتِيني يومًا: لماذا تقول «خديجتي»؟ سأقول لكِ: لأن كلمة أحبكِ لا تكفيني، وكلمة حبيبتي لا تشبه ما أشعر به، أما خديجتي... فهي اختصارٌ لكل امرأةٍ تمنيتها، وكل دعوةٍ دعوتها وكل ليلةٍ انتظرتكِ فيها وكل حياةٍ أتمنى أن أعيشها معكِ. تمددت على الفراش، وتبسمت تنظر للهاتف، ترى بين حروف كلماته صورها أما في الجهة الأخرى... فقد ظل عبد الرحمن ممسكًا بهاتفه، ينتظر ردها.ثوانٍ...ثم دقائق...ثم طال الانتظار. أطلق زفرة هادئة، ونهض من مكانه، واتجه إلى شرفة غرفته. وقف وأسند كفيه إلى السور، ورفع عينيه نحو النافذة المقابلة. كانت غرفتها مضاءة. ظل ينظر إليها طويلًا، وكأن تمتم بحنينٍ أرهقه: _إمتى يا خديجة تبقي معايا؟ رفع عينيه إلى السماء الصافية، فبدت النجوم متناثرة فوقها، فضحك بخفة وهو يتخيل وجهها بينها. وكأنه لم يعد يرى في السماء سوى عينيها. جاء صوت والدته من خلفه: _خالد مردش عليك لسه؟ استدار إليها. _لا... خليهم براحتهم، إحنا كنا لسه إمبارح. اقتربت منه، ثم وقفت إلى جواره. _ماشي يا حبيبي، بس إحنا من نفس الشارع، يعني مش لسه هيسألوا علينا. تنهد عبد الرحمن، وعادت عيناه إلى نافذة خديجة. _مش مهم يا ماما... المهم إنها موافقة. تأملته والدته لحظات، ثم ضيقت عينيها في دهشة: _إنت اتكلمت مع خديجة؟ التفت إليها، ولمعت عيناه بابتسامة عجز عن إخفائها. _آه... ربنا يقرب البعيد إن شاء الله. رفعت والدته يديها إلى السماء: _ربنا يجعلها من نصيبك يا حبيبي يا رب. ابتسم عبد الرحمن، وكأن دعاءها وحده كان كفيلًا بأن يطمئن قلبه. سحبته والدته من يده كطفلٍ صغير، وأجلسته أمامها، ثم قالت وهي تهزهز رأسها: _بقولك إيه... لازم تبطل بعزقة فلوس شوية. لم إيدك، ومش كل حاجة عمر يطلبها تديهاله. رفع حاجبيه باستغراب: _إيه اللي بتقوليه ده يا ماما؟ عمر مش طفل، ده راجل. _ما هو علشان كده بقولك لم نفسك من المصاريف يا ابني. إنت داخل على جواز، ولسه وراك حاجات كتير. تنهد عبد الرحمن: _إن شاء الله نتكلم بعدين. نهض، لكنها وقفت أمامه تمنعه من الهروب من الحديث. _لا، دلوقتي يا عبد الرحمن. شقتك عايزة شغل كتير، غير العفش والشبكة والمؤخر، وأنا عايزاك متشلش هم عمر. معاش، أبوك هيكفينا. تغيرت ملامحه قليلًا. _هنرجع تاني نتكلم في معاش بابا يا ماما؟ إحنا اتكلمنا كتير في الموضوع ده. _وأنا بقولك إني كنت بوافقك زمان علشان مكنش عندك مسؤوليات، لكن دلوقتي... قاطعها بهدوء، لكن بنبرة لا تقبل النقاش: _ماما... إنتوا مسؤوليتي الأولى. سكتت. أكمل وهو ينظر إليها بحنان: _وبعدين أنا هتجوز في البيت هنا. البيت كبير، يعني الشقة هعبيها. ضربت والدته على صدرها من الصدمة: _اتجننت؟ تبيع شقة جوازك؟! وإيه يعني تتجوز هنا؟ يابني، مش إنت كنت عايز تخرج من المكان ده أصلًا؟ سكت عبد الرحمن لحظة. ثم قال: _ممكن نتكلم بعدين يا ماما. هزت رأسها بإصرار: _لا... دلوقتي يا عبد الرحمن. نظر إليها طويلًا، ثم أطلق زفرة عميقة، وقال: _طيب يا ماما... أنا كنت عايز أخرج من المكان علشان خديجة. كده كويس؟ انعقد حاجباها. _يعني إيه؟ مش فاهمة. ابتسم ابتسامة موجوعة، وقال: _يعني كنت مفكرها مرتبطة بشخص تاني. صمتت والدته. _وعلشان كده مكنتش هقدر يا ماما أبقى في نفس المكان... حتى لو اتجوزت غيرها. ارتجف صوتها وهي تناديه: _عبد الرحمن... رفع عينيه إليها. ظلت تنظر إلى وجه ابنها طويلًا، وكأنها ترى للمرة الأولى مقدار ما حمله قلبه طوال الفترة الماضية. ثم قالت بصوت خافت: _إنت لدرجة دي بتحبها يا ابني؟ مرر يده فوق شعره، وكأن السؤال أصاب أعمق مكان في قلبه. ثم ذهبت عيناه دون إرادة منه إلى نافذتها المضيئة.وتبدلت ملامحه كلها. فلقد هدأت ابتسامته، وامتلأت عيناه بالسعادة وهمس: _ادعيلي يا ماما... التفتت إليه، فتابع برجاء _ادعي ربنا يلم شملنا. وضعت كفها على كتفه، وابتسمت والدموع تلمع في عينيها: _يارب يا حبيبي... يارب تكون من نصيبك، ويجمعكم على خير. ثم نظرت إلى النافذة المقابلة، وأضافت بحنان: _المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين وكله قدر ونصيب قبل رأس والدته ونظر بساعته _هعدي على عادل شوية، رجع من السفر ومشفتوش _طيب ياحبيبي، في تلك اللحظة دلف عمر من الخارج ملقيا السلام _السلام عليكم ورحمة الله _وعليكم السلام، حمد الله على السلامة، ايه اللي اخرك كدا _خلاص ياعبود الامتحانات على الابواب، لازم استعد لها كويس اقترب من اخيه، وربت على كتفه _عمر، انا واثق فيك، يارب متخيب ثقتي _عيب ياعبد الرحمن انا تربية سلطان الديب برضو _ربنا يوفقك، قالها وتحرك للخارج، ووالدته تتابعه بعينها _ماما انا واقع من الجوع _طيب حبيبي، غير هدومك هجهزلك الغدا _اوعي تقولي لسة هتطبخي، انا هموت واكل _بعد الشر عليك ياواد، ماقولت لك غير لما اجهز حاوط اكتاف والدته وتحرك بها الى المطبخ _طابخة ايه ياام عبدالرحمن توقفت تنظر اليه برفعة حاجب _شوربة عدس _يادي النيلة علي وعلى سنين شوربة العدس بتاعتك، كرهتيني في الشتا يما ضحكت على حركاته واتجهت الى المطبخ _غير ياابو لسان طويل، لحد مااجهز لك الاكل _لا خلاص اكل ايه، انا شبعت، قال شوربة عدس، ربنا يسامح اللي اخترعها، ماله المحشي، مالها البشمايل ماله الجمبري، ماله... صمت يحك رأسه من الخلف _الجوع خلاني افكر ابقى طباخ، والله يايما لاتعلم الطبخ بعد قليل وصلت اليه بصينية الطعام _انت اتجننت وواقف تكلم نفسك ولسة مغيرتش نظر للطعام الذي بيدها، ثم رفع عينه اليها _ايه دا، مش كنتي بتقولي عاملة شوربة عدس وضعت صينية الطعام وضربت يدها ببعضهما _حمضت، فدلقتها، يلا غير وصلي، وكل وبطل تكلم نفسك ياابو بطن حمضانة نهض متجها اليها سريعا، وانحنى يقبل كتفها _احسن حسناء في الدنيا _لا ياشيخ، طيب ياخوي كل _ماهو انت اللي خضتيني، فيه حد يخض حد كدا، شوربة عدس ايه ياامي اشار للطعام _مالها الكفتة العسل دي والحواشي، اموت فيكي ياحسناء وانت بتفكري في ابنك وهو في الدرس خرجت وهي ترفع يدها _يارب صبرني، اللي يسمعه يقول مفجوع ومبيطلش اكل _حسناء التفتت اليه، غمز وقال _كوباية شاي من بتاعة عوف الله يسترك دنيا واخرة _هو انت مش كنت هتنام ياواد _لا عايز احب شوية توسعت عيناها بذهول _تحب في مين ياموكوس، ذاكر ياحبيبي، ذاكر يااخوي، قال تحب _بلاش احبك ياحسناء، طيب انت حرة، قطعتي بنصيبك ضحكت وخرجت من الغرفة، وقلبها ينبض له بالدعاء عند عبد الرحمن، وصل الى منزل صديقه _نورت مصر ياعدولة _بنورك ياعبد الرحمن، عامل ايه، سألت عليك عنر، قالي مابترجعش غير بالليل _انا كويس الحمدلله، الدنيا تمام طالعه عبد الرحمن بتدقيق _راجع المرة دي كويس ماشاء الله _اه الحمدلله، هسافر مرة كمان، وهستقر بقى، عايز اتجوز واسس اسرة _ربنا يوفقك يارب _ايه اخبار البلد مفيش تغيير هز عبد الرحمن كتفه وقال _مفيش تغيير _مش عايز تجرب حظك يابني، انت شغلتك تكسبك دهب، ليه ماسك هنا _مقدرش اسيب امي واخويا، مش حابب فكرة السفر كمان، ورزق هنا رزق هناك _الله المستعان ياصاحبي بمنزل خديجة كانت تتمدد على فراشها، تقلب الهاتف بين يدها، الى أن فتحته وكتبت أتعلم أكثر ما يؤلمني؟ أنني لم أعد أتخيل الغد دونك. صرت أراك في كل أمنية، وفي كل دعاء، وفي كل حلم صغير أخبئه عن العالم. يا فارس احلامي، أنا لا أريد منك عمرًا جميلًا فحسب... أنا أريد العمر بك. أريد أن تمر السنوات ونحن معًا، أن أراك في صباحاتي، وأن يكون وجهك آخر ما تطمئن إليه عيناي قبل النوم. خديجتك أرسلتها بترددٍ واضح، وظلت عيناها معلقتين بالرسالة التي خطتها بأنامل مرتجفة، تقرؤها مرةً، ثم تعود فتقرأها من جديد لكن شيئًا في داخلها أخبرها أنها تسرعت. وقبل أن تستوعب ما فعلت، فتحت هاتفها سريعًا، تريد أن تمحو الرسالة قبل أن تصل إليه عيناها... إلا أن أملها خاب.. لقد فتحها بالفعل. اتسعت عيناها، ثم التهمت أناملها ندمًا، وهمست لنفسها بحرج: _دلوقتي يقول عليّا ما صدقت... عادت بجسدها إلى الخلف، تستند إلى ظهر فراشها، ثم أغمضت عينيها لحظات، قبل أن تزفر باستسلام: _بس أنا فعلًا كده... ما صدقت. تأففت، وجمعت خصلاتها بين أصابعها، تحاول تهدئة قلبٍ فضحها _اهدي بقى... اللي حصل حصل. المهم دلوقتي... لازم تقنعي ماما. يا ترى هتوافق إزاي؟ أما عبد الرحمن... فكان جالسًا يتحدث مع صديقه حين ارتفع صوت إشعار الرسالة. سحب هاتفه بلا اهتمام، وعيناه لا تزالان معلقتين بصديقه، يجيبه بين الحين والآخر بكلمات مقتضبة. ولكن حين وقعت عيناه على رسالتها. توقفت الكلمات على شفتيه. وتوقف معها كل شيء. قرأها مرة...ثم أعاد قراءتها، وكأن قلبه لم يصدق ما قرأه من المرة الأولى. لم يعد يسمع حديث صديقه، ولا انتبه حتى إلى السؤال الذي وجهه إليه. نهض فجأة، وكأن جسده اتخذ قراره قبل عقله. _لازم أمشي... نكمل كلامنا بعدين. نظر إليه صديقه باستغراب: _فيه حاجة يا عبد الرحمن؟ هز رأسه سريعًا، محاولًا أن يخفي الاضطراب الذي اجتاح ملامحه: _لا، بس افتكرت مشوار. يلا، حمد لله على سلامتك. غادر المكان بخطوات سريعة، حتى انتهى به الطريق إلى الشاطئ. جلس أمام البحر، وأسند ذراعيه إلى ركبتيه، يحاول عبثًا أن ينظم أنفاسه. و قلبه يضرب صدره بعنف، وكأنه لم يعد يطيق البقاء في مكانه. كانت كلماتها تفعل به ما لم يستطع شيءٌ آخر أن يفعله. تدعوه إليها...وتستجدي قربه دون أن تقولها صراحة. رفع هاتفه، وضغط اسمها. رن الهاتف مرة...ثم ثانية... وخديجة تنظر إلى الشاشة، ترى اسمه يضيء أمامها، وقلبها يكاد يخرج من بين ضلوعها، لكنها لم تملك شجاعة الرد. انقطع الاتصال. تنهد عبد الرحمن، ثم ألقى هاتفه بجواره فوق الصخرة، ومسح وجهه بكفيه. _مالك؟ ما تهدى بقى... لكنه كان يعرف أنه لا يستطيع. فبعض المشاعر لا يملك الإنسان أمامها إلا الاستسلام. نهض، واتجه نحو البحر، وقف أمام أمواجه المتلاطمة، يتأملها طويلًا. كل موجة كانت تضرب الشاطئ، فيشعر وكأن قلبه يتلاطم مثلها وكأن البحر يحتفل بميلاد عشقه الابدي ابتسم دون أن يشعر.. يتخيل وجهها بين الأمواج. تخيل عينيها، خجلها، ارتباكها، والطريقة التي كانت تحاول بها إخفاء عشقها عنه، بينما كلماتها تفضحها أكثر مما تخفيه. خفض عينيه، وخرج اسمها من بين شفتيه كأنه دعاء: _خديجتي... ابتسم. وكأن مجرد نطق اسمها كان كافيًا ليهدأ شيءٌ داخله. على الجانب الآخر... كانت خديجة تحتضن هاتفها إلى صدرها، وكأنها تحتضنه هو. ابتسامة صغيرة تسللت إلى شفتيها، و قلبها المسكين ينبض له، ويستمع إلى نداءٍ لا يسمعه سواها. فتحت هاتفها، راحت تقلب رسائله جميعها، تبتسم مرةً، وتغشاها الدموع مرةً أخرى. تقرأ كلماته، ثم تضم الهاتف إلى صدرها من جديد. عجبًا لك أيها القلب العاشق... كيف تستطيع أن تجعل من الحبيب وطنًا، ومن صوته أمانًا، ومن مجرد رسالةٍ منه عيدًا صغيرًا لا يراه أحد؟ عجبًا لك... تسعد من الحبيب، فتبكي من شدة السعادة، وتشتاق إليه، فتتألم من فرط الاشتياق، وتخاف فقده، حتى وهو أقرب الناس إلى قلبك. فالعاشق لا يحب بنصف قلب... بل يضع قلبه كله بين يدي من أحب، ثم يقضي ما تبقى من عمره مطمئنًا مرةً، ومرتجفًا ألف مرة، لأن سعادته أصبحت معلقةً بشخصٍ واحد. وهكذا هو العشق... أن يصبح شخصٌ واحد قادرًا على أن يختصر لك العالم كله؛ فتراه وطنًا حين تتيه، ودفئًا حين تبرد روحك، وطمأنينةً حين يخيفك الغد... ثم تخاف عليه من كل شيء، حتى من الأيام. لأن أقسى ما في الحب ليس أن تحب... بل أن تجد أخيرًا من يستحق كل هذا الحب، ثم تدرك أن قلبك أصبح لا يعرف طريقًا للنجاة منه. مضى يومان، والحال كما هو، حتى جاء صباحٌ عكر صفو القلوب، حين عادت جيهان إلى بيت زوجها بعد أن قضت عدة أيام برفقة والدتها. جلس الجميع على طاولة الطعام : _حمد الله على السلامة يا جيهان. ابتسمت جيهان وهي تخلع عباءتها: _الله يسلمك يا حماتي. والله كنت عايزة أقعد أكتر، بس أمي قالت مينفعش تسيبي حماتك أكتر من كده. ابتسمت فاتن بحنان: _لا يا حبيبتي، كنتي اقعدي. أنا متفهمة الوضع، وبعدين دي أمك، لو مقعدتيش معاها وهي تعبانة يا بنتي، هتقعدي معاها إمتى؟ ردت سريعا : _يعني إيه يا طنط؟ بتقولي على أمي إيه؟ التفت إليه خالد سريعًا: _هي كانت قالت إيه.. وبعدين ماقولتيش امك عاملة ايه _ الحمد لله، بتسلم عليكِ يا خالد. _الله يسلمها. التفت خالد الى والدته _هنرد على عبد الرحمن بإيه يا ماما؟ أربع أيام عدوا، ولازم نرد. كفاية بقى. توقفت جيهان عن المضغ، ورفعت رأسها باهتمام: _عبد الرحمن مين؟ نظر إليها خالد باستغراب: _عبد الرحمن الديب... جه وطلب خديجة. لمعت عيناها فجأة: _قصدك عبد الرحمن الحلو اللي قصادنا؟ رمقها خالد بنظرة ضيق: _مالك يا بت؟ ما تتظبطي... إيه الحلو دا؟ ارتبكت، وضحكت محاولة تدارك الأمر: _مش قصدي والله... يعني عبد الرحمن اللي قصادنا. لوّح خالد بيده لينهي الحديث، ثم اتجه بنظره إلى أخته: _خديجة موافقة عليه... أقوله إيه؟ رفعت خديجة عينيها إلى والدتها، وكأنها تنتظر منها القرار. فقالت فاتن بهدوء: _اللي فيه الخير يقدمه ربنا يا ابني. قوله ييجي، أنا عايزة أتكلم معاه ونحط النقط على الحروف. قطب خالد جبينه: _قصدك إيه يا ماما؟ نظرت إلى ابنتها، ثم عادت إليه: _مفيش يا ابني... يعني ترتيبات أي جواز. مش دي الأصول؟ أومأ متفهمًا: _أيوه، فهمت. ثم نهض وهو يحسم الأمر: _خلاص ماشي. اعملي حسابك نعزمهم على الغدا يوم الجمعة، ونتكلم في كل حاجة. اتجه إلى غرفته، نظرت جيهان الى خديحة المبتسمة لوالدتها، ثم لحقت بخالد سريعًا. دفعت الباب خلفها، وما إن أغلقته حتى قالت بنبرة عتاب مدللة: _الله الله يا خالد... بقيت تاخد قرارات من غير ما ترجعلي ولا حتى تعرفني؟ التفت إليها، وقبل أن تكمل، جذبها إلى صدره باشتياق: _قرارات إيه يا بت؟ دي إنتِ وحشتيني. ابتسمت متدللة، وأخذت تعبث بياقة قميصه: _يا سلام يا أخويا... وحشتك؟ وأنا ولا على بالك؟ وبقيت توافق على حاجات وأنا آخر واحدة أعرف. ابتسم وهو يضمها إليه: _أنا؟ إمتى دا حصل؟ رفعت عينيها إليه، ثم اقتربت منه هامسة، وكأنها تلقي في أذنه فكرةً تعرف جيدًا كيف تجعله يصغي إليها: _زي خطوبة أختك دي.. فين حبيبتك من دا كله ابتعد قليلًا ينظر إليها باستغراب. _مش فاهم تابعت بنبرة ساخرة: _بقى عايز خديجة، اللي تقول للقمر قوم وأنا أقعد مكانك، تجوزها واحد ميكانيكي؟ اتجننت يا خالد؟ قطب جبينه: _مالك يا بت؟ ماهو الواد كسيب، وشاطر، وغير كده محترم. ابتسمت، ثم طبعت قبلة سريعة على وجنته وهمست: _بس فيه الأحسن منه... واللي يخلينا نطلع على وش الدنيا. تغيرت ملامحه: _قصدك مين؟ سحبت يديه وأجلسته، ثم جلست على ساقيه تحاوط عنقه بذراعيها، وقالت بدلال وهي تبتسم: _ابن معلم الميكانيكي.. يعني سيدك وسيده انعقد حاجباه: _قصدك مين؟ مروان؟ ضحكت بخفة، وراحت تزين له الحديث بكلماتها، تارةً تمدحه، وتارةً تذكر له حاله، حتى بدأ تردده يتراجع شيئًا فشيئًا.. تدلل باغراء انثى تستخدم اسلحتها جيدًا بعد فترة، كانت تستند إلى صدره، تسرد له ماحدث : _يوم ما كنت رايحة لماما، هو كان في الورشة، ورايح شغله وقف العربية وطلب يوصلني للموقف، خديجة كانت معايا وقتها علشان الشنطة كانت تقيلة وقالت هتوصلني للموقف، فهو لما وقف وطلب يوصلني، هي مشيت، سألني عليها. فقلت له إنها أختك. ومن ساعتها وهو كل يوم يتصل ويسأل. اعتدل خالد قليلًا، ونظر إليها بجدية: _ويتصل بيكي ليه يا جيهان؟ وليه مقاليش؟ ابتسمت بثقة: _اصبر بس... هو كان عايز يجس نبض. ماهو برضه مش قليل، وخايف يترفض. صمت خالد لحظة، ثم قال بعفوية: _نرفضه ليه؟ تجمدت ابتسامتها للحظة، ثم اعتدلت في جلستها بارتباك: _آه... لا، مش قصدي. يعني... دي الأصول. ظل خالد صامتًا، يفكر فيما قالته، ثم تمتم: _بس أنا اديت عبد الرحمن كلمة. انتفضت جيهان كأنها لُدغت: _يعني قلت له موافق؟ _أيوه... وقلت له هشاور خديجة. نهضت من مكانها دفعة واحدة، وأخذت تدور في الغرفة، وقد بدأت ملامح الضيق تظهر على وجهها. ثم توقفت فجأة.استدارت إليه، وقالت بنبرة حاسمة: _خلاص، لو سألك قوله خديجة لسه بتفكر. صمتت لحظة، ثم رفعت إصبعها وكأن فكرةً خطيرة خطرت لها للتو: _ولا أقولك... اقتربت منه، وانحنت قليلًا وهي تبتسم ابتسامة غامضة: _استنى... أنا هقولك تعمل إيه. نظر إليها خالد: _إيه اللي بتخططي له يا جيهان؟ اتسعت ابتسامتها.. وصعدت الفراش بجواره _تعالى اقولك سر، بغرفة خديجة، وقفت أمام المرآة تعدّل وضع حجابها، تمرر أناملها فوق أطرافه بعناية في تلك اللحظة، دلفت والدتها إلى الغرفة، وقالت بحنان: _حبيبتي، معاكي فلوس ولا أطلب من أخوكي؟ التفتت إليها خديجة، وابتسمت ابتسامة لم تصل لعيناها: _معايا شوية يا ماما... ادعي لي بس أتقبل في الشغل. اقتربت منها والدتها، وربتت على كتفها: _إن شاء الله تتقبلي يا حبيبتي. اهو أي حاجة تسليكِ لحد ما النتيجة تظهر. أومأت خديجة بحماس: _أيوه، هما الأول بيدونا قرص تعليمي عن الأطفال، وبعد كده بيعملوا اختبارات. المؤسسة دي كبيرة أوي يا ماما، ونفسي أشتغل فيها. ابتسمت الأم، ورفعت يديها بالدعاء: _ربنا يوفقك يا بنتي، ويكتب لكِ فيها الخير. اتجهت خديجة إلى حقيبتها اليدوية، ارتدتها على كتفها، ثم عادت إلى والدتها، وطَبعت قبلة حانية على وجنتها. _يلا... اتأخرت. احتضنتها والدتها للحظة: _ربنا يوفقك يا حبيبتي... ويجبر خاطرك، ويفتح لكِ أبواب الخير من حيث لا تحتسبي. ابتسمت خديجة، ثم خرجت. خرجت وقلبها يحمل حلمًا صغيرًا بحجم العالم... كانت تتمنى أن تفتح لها الحياة ذراعيها أخيرًا، أن تمنحها فرصةً تثبت بها نفسها، وأن تبدأ طريقًا جديدًا لا يحمل من الماضي إلا ما تعلمته منه. لكنها لم تكن تعلم أن يومها الذي خرجت إليه بأحلامها، سيحمل إليها ما لم تستعد له.. كان واقفًا بشرفة منزله بيده سيجارته كعادته يتحدث بهاتفه، لمحها وهي تغلق باب المنزل وتتحرك للمغادرة، انهى المكالمة سريعًا، ثم اتجه الى رقمها يهاتفها، ارتفع رنين هاتفها بحقيبتها، فتحت الحقيبة واخرجته، وجدت اسمه ينير الشاشة كما ينير قلبها، التفتت تنظر الى منزله، وجدته بالشرفة اشار بعينه للهاتف ان ترد عليه تابعت طريقها وهي تجيب _السلام عليكم ورحمة الله توقفت انفاسه للحظة وهو يستمع اليها _وعليكم السلام ورحمة الله، رايحة فين دلوقتي _عندي مقابلة شغل، ادعي لي _ادعي لك... يعني مكنش ينفع تبعتي وتقولي انك خارجة _معلش ياعبد الرحمن، نسيت او... قاطع حديثها غاضبًا _نستيني ياخديجة تجمدت بتحركها _ايه اللي بتقوله دا _استنيني هاجي اوصلك، وبعد كدا مفيش اي مشوار من غير مااعرف _عبد الرحمن مفيش داعي للكلام دا، وبعدين احنا لسة مفيش بينا حاجة رسمي، هتخرج معايا بنائًا على ايه _بنائا على انك تخصيني ياخديجة، بناء على وعودنا، ولا كان كلام وبس _عبد الرحمن... ممكن نتكلم بعدين _لا.. قولت استني هوصلك _وأنا قولت لا، مينفعش، لما تبقى خطيبي ومكتوب كتابنا يبقى اعمل كما يحلو لك _دا اخرك ياخديجة _لو سمحت ياعبد الرحمن، انا نازلة انترفيو، ادعي لي ربنا يوفقك _ان شاء الله مش هتتقبلي ياخديجة قالها وأغلق الهاتف، نظرت للهاتف بذهول، ثم لاحت ابتسامة ناعمة على وجهها، وتحركت بطريقها وحديثه مازال يداعبها كنسيم الصباح صمتت تسب نفسها _اتجننتي خلاص، دا قفل السكة في وشك وبيدعي عليكي رد قلبها وكأنه رافض اي حديثًا سوى النبض _بس بحبه ومجنونة بحبه وغيرته وصلت إلى الطريق العام، توقفت تنتظر سيارة تقلّها إلى موقف السيارات. مرت دقائق...ثم أخرى. كانت تنظر إلى ساعتها بين الحين والآخر، حتى توقفت أمامها سيارة فارهة. فُتح زجاجها، وظهر مروان. _آنسة خديجة... إزيك؟ أومأت له باقتضاب دون حديث. ترجل من السيارة، واقترب منها خطوة، مشيرًا إلى سيارته: _لو عايزة تروحي أي مكان أنا تحت أمرك. هزت رأسها برفض: _لا، شكرًا... أنا هستنى. زمان أي عربية هتعدي. نظر إلى الطريق، ثم عاد إليها: _يعني ينفع كده؟ توقفي لوحدك في طريق زي ده، واللي رايح واللي جاي يبص عليكِ؟ انزعجت من حديثه، وتراجعت خطوة: _لا شكرًا، أنا كده مرتاحة. لو سمحت امشي، علشان وقفتك معايا مش صح. ظل يراقبها لحظات، ثم أخرج هاتفه واتصل بخالد. _إزيك يا خالد؟ أنا عتبان عليك... يعني ينفع أكون معدي، وأشوف الآنسة خديجة على الطريق مستنية عربية وأنا موجود؟ كان خالد يستمع إليه، بينما كانت جيهان إلى جواره تتابع الحديث باهتمام. اقتربت من زوجها وهمست: _كلمها... وقول لها لو مش هتروح معاه، ترجع ومفيش شغل. التفت إليها خالد بذهول، وكأنه لم يفهم ما الذي تقصده. لكزته بخفة، وأشارت إلى الهاتف: _كلمه. عاد خالد إلى الهاتف: _طيب يا مروان... اديني خديجة. ثم أضافت جيهان من بين أسنانها: _وهددها... وخليك ناشف معاها. تردد خالد للحظة، ثم رفع صوته: اقترب مروان من خديجة التي كانت قد ابتعدت عن السيارة، تنظر إلى ساعتها بضيق، فقال: _خالد عايز يكلمك. التفتت إليه باستغراب: _خالد مين؟ ابتسم وهو ينظر إليها: _أخوكي. أخرجت هاتفها على الفور، وابتعدت عنه عدة خطوات: _شكرًا، معايا تليفوني. ضغطت على زر الاتصال: _نعم يا خالد؟ جاءها صوته غاضبًا: _اسمعيني يا بت، لو مش هتخلي مروان يوصلك، ارجعي على البيت ومفيش شغل. واقفة بقالك ساعة، واللي رايح واللي جاي يبص عليكِ ليه يا أختي؟ فرحانة بمعاكسة الناس؟ شهقت خديجة من شدة الصدمة: _خالد! إيه اللي بتقوله ده؟ _سمعتيني ولا لأ؟ يا تركبي مع مروان... يا ترجعي. ضغطت على شفتيها، تحاول ابتلاع غضبها ودموعها: _لا... هرجع. قالتها وأغلقت الهاتف بعنف. ارتجف جسدها من الغضب، وشعرت بقهرٍ يعصف بصدرها. لم تكن تريد شيئًا سوى أن تعمل... أن تعتمد على نفسها... أن تثبت أنها تستطيع أن تصنع لنفسها طريقًا بعيدًا عن كل من يقرر عنها. وفجأة، ارتفع رنين هاتفها برقم غريب. ترددت، ثم أجابت: _ألو؟ جاءها صوت امرأة: _خديجة حسن عبد ربه؟ _أيوه... أنا. مين؟ _إحنا من مؤسسة (...)، منتظرين حضرتك للإنترفيو. تجمدت في مكانها.. للحظات، لم تستطع حتى الرد. هاهي الفرصة التي انتظرتها... الفرصة التي خرجت من أجلها بقلبٍ ممتلئ بالأمل، تقف الآن أمامها. _أستاذة خديجة؟ معايا؟ رفعت عينيها، فوقعت على مروان المتوقف غير بعيد عنها. ثم تذكرت كلمات خالد... وعرفت أنها إن عادت الآن، ربما خسرت الفرصة. أخذت نفسًا عميقًا وقالت: _نص ساعة وأكون في المؤسسة بإذن الله. أغلقت الهاتف، ثم اتجهت نحو سيارة مروان.. فتح لها الباب الأمامي، لكنها تجاوزته واتجهت إلى الباب الخلفي. وقالت بهدوء حازم: _شكرًا لحضرتك... بس مينفعش أركب قدام. ثم أضافت وهي تفتح الباب: _هعتبرك تاكسي بتوصلني. أشار لها بابتسامة، فهزت رأسها دون حديث، وصعدت إلى المقعد الخلفي. في اللحظة نفسها... كان عبد الرحمن يقود دراجته البخارية، وخلفه أخوه، متجهًا به إلى مكان درسه. رفع عينيه بصورة عابرة...فوقعت على خديجة.تقف أمام سيارة مروان. تتحدث معه. ثم...تفتح باب السيارة. وتستقلها.. تباطأت حركة يده على مقود الدراجة، وكأن شيئًا في داخله توقف فجأة. لم يسمع ضجيج الطريق... ولا صوت المحركات من حوله... فقط رأى خديجته... تركب سيارة رجلٍ آخر. تجمدت ملامحه، وانطفأت الابتسامة التي كانت لا تزال عالقة على شفتيه قبل ثوانٍ. لم يعرف لماذا شعر بهذا الاختناق. ولماذا بدا له الطريق فجأة أضيق من أن يتنفس فيه. أما قلبه...فكان أكثر صدقًا منه. صرخ بالغيرة قبل أن يفهمها عقله، ورفض المشهد قبل أن يعرف الحقيقة. خفض عينيه لحظة، ثم رفعهما نحو السيارة التي بدأت تتحرك. وتساءل بصمتٍ موجع: هل كنتُ أتوهم أنها لي وحدي؟ فالعاشق لا يحتاج إلى خيانةٍ كي يتألم... يكفيه مشهدٌ ناقص، ونصف حقيقة، وقلبٌ يحب أكثر مما ينبغي. وأحيانًا... لا يق\تل الحبَّ شيءٌ كالمشهد الذي تراه العين، بينما يجهل القلب ما وراءه. "اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك" كانت تتابع الطريق بعينين تلمعان بالدموع، تحاول أن تحبس انهيارها خلف جفنيها، بينما كان قلبها يضج بالوجع من فعل أخيها، وطعنه لها أما الآخر، فظل يراقبها من مرآة السيارة، يلتقط ارتجافة شفتيها ونظراتها الهاربة، حتى حمحم محاولًا كسر ذلك الصمت الثقيل. _ إنتِ رايحة فين؟ لم تجبه في البداية، وكأنها لم تسمعه، فعدّل وضعية المرآة قليلًا، ثم قال بنبرة أكثر هدوءًا: _ عايز أعرف بس علشان أعرف الطريق. جاء ردها مقتضبًا، باردًا كبرودة المسافة التي تحاول أن تصنعها بينهما: _ نزلني الموقف وبس، وشكرًا لحضرتك. _ أوصلك للمكان اللي عايزة تروحيه. التفتت إليه بلحظة، ثم أشاحت بوجهها سريعًا. _ شكرًا... طريقنا مش واحد. _ بس... التفتت إليه سريعًا، وقد نفد صبرها: _ لو سمحت وقف العربية، وصلنا الموقف خلاص. _ اسمعيني بس... لكنها لم تمنحه فرصة. فجأة فتحت باب السيارة وهي لا تزال تتحرك، فارتفع صوته بفزع، وضغط على المكابح سريعًا حتى توقفت السيارة. _ يا خديجة! استني! لكنها لم تلتفت حتى. هبطت من السيارة بخطوات متعجلة، ومسحت دموعها بطرف أصابعها، ثم أسرعت نحو السيارة التي ستقلّها إلى وجهتها، وكأنها تهرب من كل شيء.. استقلت السيارة، وما إن أُغلق الباب خلفها حتى أطلقت زفرة طويلة، كأنها تستعيد الهواء الذي سُلب من رئتيها طوال الدقائق الماضية. أخرجت هاتفها، واتصلت بوالدتها. وما إن سمعت صوتها حتى انهارت. _ شوفتي يا ماما خالد عمل إيه؟ نهضت فاتن سريعًا من مكانها، وقد انتفض قلبها على صوت بكاء ابنتها، وجلست تستمع إليها وهي تقص عليها ما حدث، وكل كلمة كانت تزيد النار اشتعالًا في صدرها. _ يعني اللي المفروض خطيبي طلب مني يوصلني وأنا رفضت، يقوم يركبني مع واحد معرفوش؟ غير إن سمعته زبالة زيه! أغمضت فاتن عينيها لحظة، وكأنها تحاول أن تستوعب ما فعله ابنها. _ اهدي يا حبيبتي... امسحي دموعك. إنتِ فين دلوقتي؟ _ راكبة العربية، مستنية لما تخلص. _ طيب يا حبيبتي متزعليش نفسك. أكيد هو مايقصدش يضايقك... يلا استعدي لشغلك، وأنا هتصرف مع خالد. _ حاضر يا ماما. أغلقت فاتن الهاتف، وظلت للحظات تنظر أمامها بصمت، ثم وضعت كفها فوق صدرها، وكأن الغضب أثقل قلبها. _ ليه يا ابني كده؟... ليه؟ بعد فترة دلفت جيهان إلى الغرفة دون استئذان. رفعت فاتن عينيها إليها بضيق: _ إنتِ إزاي تدخلي كده من غير ما تخبطي؟ قهقهت جيهان بسخرية،وهي تستدير لتخرج: _ وأنا هخبط ليه؟ نايمة مع جوزك، ما أنا عارفة إنك لوحدك... قال أخبط! المهم ام عبد الرحمــــــــن برة، معرفش بتحلم بينا ولا ايه قالتها، خرجت دون أن تنتظر ردًا. ظلت فاتن ترمقها بنظرات غاضبة، ثم زفرت بضيق، وأسندت يدها إلى طرف الفراش قبل أن تتجه إلى خزانتها، وتسحب عباءتها. في الخارج، جلست جيهان في مواجهة حسناء على الأريكة، تهز ساقها بلا مبالاة، وعلى شفتيها ابتسامة ناعمة تخفي خلفها شيئًا لم تطمئن إليه حسناء. فقالت : _ ماقولتيش يا خالتي، إيه خير على الصبح كده؟ إنتِ حلمتي بينا ولا إيه؟ ابتسمت حسناء مجاملة: _ أبدًا يا بنتي، حماتك كلمتني وعايزة نشرب الشاي مع بعض. رفعت جيهان حاجبها: _ قولتيلي حماتي؟ آه آه... عرفت. ثم اقتربت منها قليلًا، وخفضت صوتها: _ والله يا خالتي أنا مش عارفة أقولك إيه، بس ماتزعليش مني... كل شيء قسمة ونصيب. عقدت حسناء حاجبيها، وقد بدأ القلق يتسلل إليها. _ تقصدي إيه يا بنتي؟ اقتربت جيهان وجلست إلى جوارها، ثم قالت بنبرة تبدو حنونة، لكنها كانت تحمل بين طياتها سمًّا بطيئًا: _ بصي، ربنا عالم أنا بعزك إزاي، إنتِ والباشمهندس عبد الرحمن... بس سمعت إن حماتي بتقول لخالد: "إنت هتوافق كده من غير ما نملي شروطنا عليهم؟ لازم نطلب ونطلب. بنتنا أجمل بنت في الحتة، وهو حِياله ميكانيكي، وكمان مالوش لا شقة ولا غيره، ده عايل بيته كمان." اتسعت عينا حسناء قليلًا، لكنها ظلت صامتة. فأكملت جيهان الى أن قالت حسناء _ ليه يا بنتي؟ هو عبد الرحمن وحش؟ ده أي بنت في الدنيا تتمناه. ثم ضحكت بخفة: _ آه والله يا خالتي، أنا مستخسراه يتجوز من الحتة دي أصلًا. ما تشوفي له بنت من بنات الأكابر، يستاهل واحدة منهم... ده كفاية عيونه العسلي، هدوبهم كلهم! لم تعرف حسناء لماذا شعرت بالنفور منها. لم تكن تعرفها من قبل، ولم يحدث بينهما ما يبرر ذلك الشعور، لكن كلماتها بدت لها كااسم في العسل وقبل أن ترد، وصلت فاتن، وألقت السلام. _ يا دي النور! نورتي يا أم عبد الرحمن. نهضت حسناء مرحبة بها بابتسامة صادقة: _ البيت منور بأهله. عاملة إيه يا أم خالد؟ _ الحمد لله يا حبيبتي. ثم التفتت فاتن إلى جيهان: _ ضيفتي خالتك أم عبد الرحمن يا جيهان. _ لا يا حبيبتي، مش عايزة حاجة. اقعدي بس، من زمان ماقعدناش مع بعض. جلست فاتن إلى جوارها: _ مشاغل والله يا فاتن. إنتِ عارفة عمر ثانوية عامة، وعبد الرحمن بيطلع من الصبح ما بيرجعش غير بالليل. ابتسمت فاتن: _ ربنا يبارك لك فيهم يا رب. ثم التفتت إلى جيهان: _ قومي اعملينا شاي يا بنتي. ابتسمت جيهان ونهضت: _ عيوني يا ماما. دلفت إلى الداخل، بينما ظلت فاتن تراقبها حتى اختفت عن أنظارها. ثم التفتت إلى حسناء وقالت بنبرة صادقة: _ اعذريني إني بعت لك، ما بقدرش أمشي... يخرب بيت السكر وسنينه، وكمان الضغط، يكفيكي شره. ربتت حسناء على يدها: _ ولا يهمك يا حبيبتي، إحنا أخوات. ومتأكدة إنك لو تقدري مش هتتأخري. ابتسمت فاتن: _ ربنا يكرم أصلك. ثم ساد صمت قصير، قبل أن تقول فاتن بجدية: _ بصي يا ست أم عبد الرحمن... اللي أوله شرط آخره نور. أومأت حسناء: _ أيوة، أكيد. تنفست فاتن بعمق، ثم قالت: _ دلوقتي عبد الرحمن قعد مع خديجة امبارح، وقال لها إنه عايز يتجوزها في الشقة هنا. وأنا معنديش مانع... عبد الرحمن قبل أي حاجة ابني، وربنا يعلم بعزه زيه زي خالد ابني. ابتسمت حسناء بحب: _ ربنا يبارك لك فيه يا فاتن. _ اللهم آمين. ثم تابعت، وقد أصبحت نبرتها أكثر جدية: _ دلوقتي عمر ما شاء الله شاب، وإنتِ عارفة قد إيه هو محترم، وعارفة تربيتهم كويس... بس الأصول أصول يا حسناء. أومأت حسناء: _ أيوة طبعًا. _ ماتزعليش مني، أنا مش موافقة إن خديجة تتجوز معاكم في نفس الشقة.. لو مش عايز يوضب الدور اللي تحت، ياخدلها شقة ايجار قريبة من هنا، حتى لو في نفس الشارع، معنديش مانع. إنما في نفس الشقة... ماتزعليش مني. والله مش تشكيك في حد، بس الناس ما بترحمش، وأنا عايزة بنتي تدخل بيتها مرفوعة الراس، محدش يقدر يقول كلمة عليها. ابتسمت حسناء، وقد شعرت بالراحة تجاه صراحتها: _ لا طبعًا، حقكم. وعبد الرحمن لما قالي كده، أنا رفضت أصلًا..بس الدور الأرضي مش هينفع خالص،انا اصلا اتفقت مع عبد العاطي يأجره،وهو قال هيحوله محلات،مينفعش يافاتن، ارضي وعبده مش هيرضى، هو شاري شقة في مكان اسمه إيه ياختي؟ والله ما عارفة جيل الأيام دي بيقولوا عليه إيه! ضحكت فاتن: _ هاي كلاس. ضحكت حسناء: _ أيوة هو ده! وإن شاء الله أوعدك إن بنتك تدخل لوحدها. إحنا عندنا أغلى من خديجة. أمسكت فاتن يدها: _ ربنا يكرم أصلك... وده اللي منتظراه منكم. ثم ابتسمت بحنان: _ وأنا إن كان عليّا أوصلها لك لحد باب البيت، ماهو عبد الرحمن ابننا وغالي علينا برضه. اتسعت ابتسامة حسناء، وامتلأت عيناها بلمعة فرح لم تستطع إخفاءها: _ يعني أفهم من كلامك يا فاتن إنكم موافقين؟ ضحكت فاتن: _ طبعًا! هو أنا هلاقي راجل لخديجة في ربع ابننا؟ ربنا يتمم فرحتنا على خير. رفعت حسناء كفيها إلى السماء، وخرج الدعاء من قلبها قبل شفتيها: _ يا رب... يا رب يا فاتن. هيفرح أوي، إنتِ ماتعرفيش هو بيحبها قد إيه. ابتسمت فاتن، وقالت _ ربنا يسعدهم يا رب... ويكتب لهم الخير، عند خديجة عند خديجة كانت تنتظر موعد دخولها، ارتفع رنين هاتفها، اخرجت الهاتف واجابت _ايوة ياعبد الرحمن _لما تخلصي هتلاقيني قدام المؤسسة _تمام... قالتها واغلقت الهاتف تنظر الى شاشته بتنهيدة _انت اللي مصبرني على اللي بيحصل معايا نظرت امامها بشرود، حتى صدح اسمها بالمكان دلفت للداخل، لبعض الدقائق، ثم خرجت وهي تحمل ابتسامة الغد، رفعت الهاتف وتوقفت بمكانا هادئ _ماما... قبلوني، شافوا السي في، ومنتظرين الشهادة، بس هشتغل بعقد مؤقت لحد نتيجتي، انا فرحانة اوي _حبيبتي يابنتي الف مبروك، وعلشان فرحتك تكمل، ام حبيب القلب كانت هنا، ويعتبر اتفقنا على كل حاجة _بجد ياماما _بجد يانور عين ماما، ربنا يسعدكم يابنتي يارب _ماما انا بحبك اوي _اكتر من حبيب القلب ياديجة _اكتر من الدنيا كلها ياماما _يابت... صمتت تبتسم ثم قالت _حبك حاجة وعبد الرحمـــــــــن حاجة تانية ياماما _والله ياست خديجة، اتجرأنا اهو، وبقينا نقول كلام في الحب _طب خلاص بقى، لازم اقفل _خلي بالك من نفسك _ماما... _ايوة حبيبتي... صمتت للحظات ثم همست _النهاردة انا مبسوطة، ممكن اطلب طلب _قولي حبيبتي _عبد الرحمــــــــن جه تحت، مشفتوش بس هو كلمني صمتت فاتن امام سعادة ابنتها، الى أنا همست برجاء _ماما _اسمعيني حبيبتي، انا مش بشك فيكي ولا فيه، بس مينفعش _خمس دقايق بس ياماما _من غير مايقرب ولا يمسك حتى ايدك ياخديجة _شكرا ياماما... قالتها. اغلقت الهاتف، اتجهت إلى الخارج، وقلبها يخفق بسعادةٍ عارمة، كأنها طفلة صغيرة حصلت لتوّها على جائزة كانت تحلم بها. وما إن تجاوزت الباب الرئيسي حتى وقعت عيناها عليه. كان واقفًا إلى جوار دراجته البخارية، يتكئ بذراعه عليها، وعيناه معلقتان بالباب وكأنه ينتظر ظهورها منذ دهر. وما إن لمحها حتى استقام قليلًا، وظلت عيناه تتفحصانها في صمت، من رأسها إلى قدميها فستانٌ بلون الأوف وايت، تتناثر عليه فراشات صغيرة من اللون ذاته، وحجابٌ أزرق زاد ملامحها رقةً وهدوءًا. بدت له كحورية هبطت من عالم آخر... ولِمَ لا؟ وهي حورية قلبه التي سرقت منه نبضه، ثم تركته عاجزًا عن استعادته. وصلت إليه بابتسامة مشرقة، وقالت بدلالٍ لم تستطع إخفاءه: _قول مبروك بقى يا سيدي. ظل صامتًا للحظات، وعيناه معلقتان بها، حتى مد يده فجأة نحو الخوذة، والتقطها ثم مدها إليها. _البسي دي. نظرت إلى الخوذة باستغراب، ثم رفعت عينيها إليه. _ألبس دي ليه؟ مش فاهمة. اقترب منها خطوة، ثم وضع الخوذة فوق رأسها بنفسه، وانحنى قليلًا حتى همس بجوار أذنها: _البسي علشان هوصلك. رفعت رأسها إليه سريعًا، وقد انعقد حاجباها بدهشة. _أركب فين يا عبد الرحمن؟ لم يجبها. صعد إلى الدراجة، ثم التفت إليها بنظرة جانبية، وأشار بعينيه إلى المقعد خلفه. _مش هنتظر كتير... ولا المكنة مش عجباكي؟ والعربيات المرسيدس هي الحلوة؟ توقفت أنفاسها. قبضةٌ باردة اعتصرت قلبها فور أن فهمت ما يرمي إليه. _إنت تقصد إيه؟ رفع حاجبه، وصوته يحمل غيرةً حاول عبثًا أن يخفيها: _اركبي يا خديجة. _بس... قاطعها بحدة: _ما هو هتركبي يعني هتركبي، حتى لو بالغصب. اتسعت عيناها بذهول، وكأنها لم تتوقع أن تسمع منه تلك الكلمات. _عبد الرحمــــــــن! إنت بتقول إيه؟ إزاي بس أركب معاك وإحنا... التفت إليها بعينين يشتعلان غيرةً وعتابًا. _وإحنا إيه؟ صمتت.. اقترب منها أكثر: _وكان هو إيه علشان تركبي مع غريب عربيته، وفي نفس الوقت أنا أطلب منك أوصلك وترفضي؟ هزت رأسها بسرعة، وتقدمت نحوه خطوة، تتوسله بعينيها قبل كلماتها: _الموضوع مش كده... إنت متعرفش إيه اللي حصل. ابتسم ابتسامة موجوعة _اللي أعرفه إن حبيبتي رفضت إني أوصلها، وركبت مع راجل غريب... واحد معروف بسمعته السيئة. _أنا اتغصبت، واتخيرت يا عبد الرحمن. جاء رده سريعًا، كأنه كان ينتظرها: _حلو...ثم نظر إليها بثبات. _وأنا كمان بغصب عليكي وبخيرك. تجمدت أمامه. _واختاري. شهقت، والغضب امتزج بالألم في عينيها. _بس إنت مش كده! هبط عن الدراجة في لحظة، واتجه إليها بخطوات سريعة، ثم أمسك بذراعيها _عندك أقدر أقلب شيطان، سمعتي؟ ارتجفت عيناها نحوه. _ومن وقت ما قلتلك إني بحبك... يبقى كل حاجة انتهت. اقترب منها، وصوته خرج عميقًا، ممتلئًا بغيرة رجلٍ فقد قدرته على التظاهر بالهدوء: _بقيتي ملكي. ظلت تحدق به، والذهول يشل كلماتها. _عبد الرحمــــــــن... الناس بتبص علينا. التفت حوله لحظة، ثم عاد إليها دون اكتراث: _ميهمنيش الناس والزفت. أشار إلى الدراجة. _هتركبي ولا أمشي؟ أغمضت عينيها للحظة، تحاول أن تجمع شتات قلبها. صعد عبد الرحمن إلى الدراجة، وأدار محركها، لكنّه توقف قبل أن ينطلق. بينما هي كانت واقفة مكانها، مترددة بين الخوف والضيق والغيرة التي لم تعترف بها حتى لنفسها، شعرت بقلبها يدفعها نحوه. اقتربت بجسد مرتجف، ثم صعدت خلفه. في اللحظة التي استشعر فيها وجودها خلفه، ارتجف قلبه بسعادة حاول جاهدًا إخفاءها. التفت بنصف رأسه إليها. _امسكي فيا... هتوقعي. همست بصوتٍ مرتعش: _عبد الرحمن... استدار إليها بنصف جسده، فتعلقت عيناه بعينيها، اللتين تجمعت فيهما الدموع. تغيرت ملامحه للحظة. هدأت غيرته، لكن وجعه ظل حاضرًا. _يلا يا خديجتي... ثم قال بصوت أكثر هدوءًا: _ممكن اللي بعمله ده يكون عقاب ليكي، بس صدقيني... أنا بتعاقب أضعافه. ابتلعت غصتها. _وعقابك ده علشان إيه؟ ثبت عينيه عليها. _علشان متديش فرصة لأي حد، أيًّا كان، إنه يقرب من مملكتي. انحنى قليلًا، يتأمل عينيها اللتين هربتا إلى الأرض. ثم قال بصوتٍ امتزج فيه العشق بالغيرة: _إنتِ مملكتي الخاصة يا خديجة... واللي يقرب منها، مش هاضمن رد فعلي. رفعت عينيها إليه، فوجدته قريبًا إلى الحد الذي أربك نبضها. فقالت بصوتٍ خافت يحمل عتابًا موجعًا: _هتمشي؟ ولا هتفضل تبرر الغلط؟ ثم أضافت، وكأنها تذكره بما يؤلمها أكثر: _افتكر إنّي خُنت ثقة أمي. استدار عنها حتى لا يرى الحزن في عينيها، وحتى لا يضعف أمام نبرة صوتها. ثم مد يده إلى الخلف، وأمسك بكفيها، وسحبهما برفق وأحاطا بخصره. _امسكي جامد. تجمدت للحظة.. وانتفض جسدها بالكامل من فعلته _عبد الرحمــــــــن لو سمحت مينفعش كدا؟ ردَّ دون أن يلتفت إليها، بينما قبضت يداه على مقود الدراجة بثبات: _امسكي كويس، مش هاكلك... علشان متقعيش. ولازم تتعودي على كده. أغمضت عينيها، وما إن تحرك فجأة حتى اندفع جسدها إلى الخلف، ثم للأمام فارتطمت به دون إرادة منها، واضطرت أن تُريح جبهتها على ظهره، بينما تشبثت أصابعها بقميصه في ارتباك ظل يقود بصمت، والهواء يصفع وجهه، بينما الغيرة تعصف برأسه بعنف. يعلم أنه أخطأ.. بل يعلم أن ما فعله جرحها. لكنه لم يعرف كيف يسيطر على ذلك الشعور المجنون الذي اشتعل داخله منذ أن رآها تركب مع رجل آخر... لم يحتمل الفكرة، ولم يحتمل أن يرى غيرته ضعيفة أمام عينيها، فخرجت منه القسوة بدلًا من الاعتراف بالخوف.. وصل إلى شاطئ البحر. أوقف الدراجة، وترجل عنها سريعًا، ثم ابتعد بضع خطوات، تاركًا لها مساحة. لكنها ظلت مكانها.. لم تتحرك. كانت تحدق في البحر بعينين جامدتين، و أخرج هاتفه، وزفر زفرة طويلة قبل أن يجري اتصالًا. وما إن أتاه صوت فاتن حتى قال: _إزي حضرتك يا ست الكل؟ _أهلا يا ابني، عامل إيه؟ _الحمد لله... ماما كلمتني، وقالت لي على اللي دار بينكم. وأنا موافق على كل شروطك يا أمي. ارتجف قلب فاتن فرحًا، وكأن كلماته أكدت لها ما كانت تتمناه منذ البداية. _بجد يا عبد الرحمن؟ ابتسم رغم توتره: _هاخد خديجة ونجيب الدبل، ويوم الجمعة بإذن الله هنلبسها ونكتب الكتاب. ضحكت فاتن بحنان، ثم قالت: _والكلام ده ينفع يا عبد الرحمن في التليفون يا ابني؟ _آسف يا أمي، بس عايز أنجز... وهي معايا دلوقتي. قولت نعدي على الصايغ ونجيب الدبل. صمت لحظات فاستمع الى صوت فاتن: _معلش يا ابني، ليها أخ كبير. لازم تقعد معاه وتتفقوا، مينفعش كده. ده أنت ابن أصول، وإحنا مش هنمشي حاجة من ورا أخوها. مرر عبد الرحمن كفه في شعره بعصبية، وأغمض عينيه لحظة. كان يعرف أنها محقة... يعرف أن اندفاعه لم يكن له ما يبرره. لكن ما حدث منذ قليل أخرج أسوأ ما فيه. _آسف... معرفش إيه اللي حصل لي. ابتسمت فاتن بحنان، وقد فهمت أكثر مما قال: _معلش يا حبيبي، عذراك. يلا ركب خديجة وخليها ترجع على البيت قبل ما أخوها يرجع. التفت إليها من بعيد، فوجدها جالسة أمام البحر. _خديجة معايا يا خالتي. _ما أنا عارفة، علشان كده بقولك ركبها وخليها ترجع. صمت لحظة، ثم قال برجاء: _أنا هرجعها، متقلقيش عليها. هتتأخر كمان نص ساعة... بعد إذنك. شدينا مع بعض وعايز أراضيها. جاءه صوت فاتن محذرًا: _عبد الرحمــــــــن يا ابني... _بعد إذن حضرتك، لازم أقفل. هنتكلم لما أرجع. أغلق الهاتف قبل أن يمنحهل فرصة للرفض ظل واقفًا للحظات، ثم اتجه إليها. اقترب ببطء، وجلس على الرمال إلى جوارها، تاركًا بينهما مسافة صغيرة. لم تنظر إليه. كانت عيناها معلقتين بالبحر، لكن دموعها كانت تفضح أن قلبها لم يكن يرى شيئًا سوى ما حدث بينهما. حمحم ثم قال بصوت خافت: _ممكن أكون كنت عنيف في ردي... لم تجبه.. ابتلع غصته وأكمل: _بس أنا راجل دغري يا خديجة، واللي يقرب من... التفتت إليه فجأة، كأن كلماته أشعلت بداخلها ما كانت تحاول إخماده. _أنا مش ملك حد... سمعتني؟ تجمد جسده، فتابعت بصوت مرتجف، لكنه حاسم: _ومش من حقك تتعامل معايا كأني حاجة بتاعتك علشان بتحبني! نهضت، ونفضت الرمال عن ثيابها بيد مرتعشة. نهض خلفها فورًا: _خديجة قاطعت حديثه، تشير إليه بغضب حارق _النهاردة أثبت لي إن الرجالة كلها واحدة. _خديجة... قالها من بين اسنانه ارتفع صوتها، وصاحت غاضبة _خالد خيرني بين شغلي وإني أركب العربية... وإنت خيرتني بين قلبي وأخلاقي! تقدمت نحوه خطوة، وعيناها ممتلئتين بالدموع، ووجهها يحمل خيبة رجل لم تتوقع يومًا أن يؤلمها. _النهاردة أثبت لي إني بلا أخلاق يا بشمهندس! أطبق على ذراعيها : _اسكتي متغلطيش مسحت دموعها سريعًا، وكأنها غاضبة من نفسها لأنها سمحت له برؤيتها ضعيفة. _لآخر لحظة كنت بقول إنك مستحيل تعمل كده... .. بس طلعت غلطانة اقتربت حتى أصبحت أمامه مباشرة، ثم رفعت عينيها إليه. _إنت مش أمين يا عبد الرحمن. توقفت أنفاسه. وكأن الجملة لم تصل إلى أذنيه وحدهما، بل اخترقت صدره واستقرت في قلبه. _معرفتش تأمن على قلبي... ولا على ثقتي فيك. اهتز صوتها أكثر: _وأنا كنت مؤمنة بيك أكتر من نفسي. صمت.. لم يجد كلمة واحدة يرد بها. تابعت وهي تبكي: _كنت فاكرة إنك لما تحبني هتكون أمان ليا... مش خوف منك.، مش تحطني في اختيار بينك وبين مبادئي. اقترب منها غريزيًا: _كلامك دا هنتحاسب عليه بعدين رفعت يدها تمنعه. _خلاص... لا بعدين ولا قابلين خرجت الكلمات ضعيفة، لكنها كانت أشد عليه من الصراخ. _خلصنا. حدق بها غير مستوعب. _إيه؟ _الراجل اللي يخيرني بين قلبي وأخلاقي... ميلزمنيش. انهمرت دموعها بغزارة، وانخفض صوتها حتى أصبح أشبه بهمسة مكسورة: _أنا حبيتك يا عبد الرحمن... بس مش لدرجة أخسر نفسي علشانك. انحنت تحمل حقيبتها، ثم استدارت. خطت خطوة واحدة. فصاح خلفها دون وعي: _خديجة! توقفت... ورغم انكسارها منه، الا أنها تمنت أن يطمئنها ويعتذر لكنه لم يستطع أن يقول شيئًا. كل الكلمات التي كان يريد أن يقولها اختفت.. كل تبرير.. كل اعتذار. لم يبقَ في رأسه سوى جملة واحدة تتردد كأنها حكم نهائي: أنت مش أمين. رحلت بخطوات مترنحة، ودموعها تنهمر دون توقف، بينما ظل واقفًا في مكانه، يراقب ابتعادها، غير مصدق لما استمع اليه بعد فترة وصلت الى منزلها، قابلتها والدتها باابتسامة بشوشة، اومأت برأسها ورسمت ابتسامة _مبروك حبيبتي خرجت جيهان وبيدها طبقا من الحلويات _حمد الله على السلامة، ايه قبلتي في الشغل لم ترد عليها، نظرت لوالدتها _ماما... أنا مصدعة، ممكن أنام شوية ربتت على كتفها _ادخلي حبيبتي اعتدلت جيهان واقفة _الله ومين هيعمل الغدا استدارت الى جيهان _هجيب اكل لامي، انت اطبخي لجوزك قالتها واتجهت الى غرفتها واغلقت الباب خلفها تكتم شهقاتها، اليوم انهارت احلامها مع الرجل الذي سكن قلبها منذ سنوات استمعت الى طرقات على باب الغرفة، ازالت دموعها سريعا، واتجهت تنزع ثيابها وهي تقول _بغير هدومي ياماما دفعت جيهان الباب ودلفت للداخل، تجمدت خديجة تلملم كنزتها تداري جسدها المكشوف _هو انت مش هتتعلمي الاحترام امتى، اطلعي برة عايزة اغير اتجهت جيهان بنظرها لجسدها الذي كشف امامها، وشعرت بالغيرة تحرقها _بتبصي على ايه، اطلعي برة خرجت سريعا، واتجهت لغرفتها تدور حول نفسها _والله ياست خديجة، ماشي والله لاندمك على جمالك دا، اصبري علي بعد عدة ساعات، ارتفع رنين هاتفها كانت غارقة في نومٍ عميق، كأنها تهرب فيه من كل ما أثقل قلبها، حتى بدا الرنين بعيدًا عنها، إلى أن تكرر فأجبرها على فتح عينيها بصعوبة. مدّت يدها تتحسس الهاتف، ثم أجابت دون أن تنظر إلى هوية المتصل. — ألو... خرج صوتها ناعسًا، مثقلًا بآثار النوم. في الطرف الآخر، توقفت أنفاس عبدالرحمن للحظات. أغمض عينيه، وكأن صوتها وحده أشعل داخله شوقًا لم يكن مستعدًا لمواجهته، وتمنى للحظة لو كانت أمامه، لا يفصل بينهما هاتف ولا مسافة. سبّ نفسه في سرّه على ما شعر به، ثم استغفر ربه ومسح وجهه بكفه، قبل أن يخرج صوته الرجولي خافتًا، يحمل اعتذارًا صادقًا: — آسف... مكنش قصدي أزعلك. اعتدلت بنصف جسدها، وما إن التقطت صوته حتى اتسعت عيناها. — عبدالرحمن؟! — نعم... سكتت لحظة، وكأنها لا تزال تحاول استيعاب الأمر. ثم قالت بنبرة يغلب عليها النعاس والدهشة: — هو أنا بحلم ولا إنت بتتصل بيا؟ ارتسمت ابتسامة رغماً عنه، لكنه أخفى ضحكته وقال بنبرة مشاكسة: — ليه الأستاذة بترد ومتعرفش بتكلم مين؟ إزاي بتردي على حد من غير ما تشوفي مين بيتصل؟ اعتدلت جالسة، وسحبت الغطاء حولها بضيق، وقد عادت إليها عصبيتها من جديد. — خلصت كلامك؟ يعني متصل علشان تتعصب عليا ؟ لم يجبها، فاشتدت نبرتها: — لو مش عايز حاجة، هقفل علشان أكمل نوم... وامسح رقمي من عندك، زي ما أنا... بترت كلماتها حين وصل إليها صوت أنفاسه الثقيلة عبر الهاتف. صمتت، ثم قالت بقلق خافت: — سكّت ليه؟ جاءها صوته بعد لحظات، أهدأ هذه المرة: — خديجة... — نعم ؟ — أنا متصل علشان أقولك إني بعتذر لك على اللي حصل. تنفست ببطء، ثم أجابته دون تردد: — وأنا مش قابلة اعتذارك. ابتسم رغمًا عنه، وقال بثقة تحمل شيئًا من العشق: — لا... هتقبلي يا خديجتي. هتقبلي اعتذار فارس قلبك، لأني مش ههون عليكِ. تسارعت دقات قلبها بعنف، حتى شعرت أن قلبها نفسه قد فضحها. ابتلعت ريقها، وحاولت أن تخفي ارتباكها: — عبدالرحمن... — أنا بحبك يا خديجة. سكنت أنفاسها. وتابع بصوت أكثر صدقًا، وكأنه يخرج الكلمات من أعمق موضع في قلبه: — وبغير عليكي... يمكن رد فعلي يضايقك، ويمكن ساعات مبعرفش أتحكم في عصبيتي، بس ده من حبي ليكي. من خوفي عليكي... ومن خوفي أخسرك. أطرقت برأسها، رغم أنه لا يراها، ثم قالت بهدوء: — مهما كان حبك ليا يا عبدالرحمن، ده ميديكش الحق إنك تخيرني بينك وبين أي حاجة... أنا مش عايزة أحبك وأنا حاسة إني محاصرة. وصلت كلمتها إليه، فصمت لحظة قبل أن يقول بنبرة مختلفة تمامًا، حاول بها أن يبدد ثقل الحديث: — تمام يا ديجة... أنا دلوقتي زعلان، ولازم تصالحيني. خرجت منها ابتسامة رغماً عنها، رغم محاولتها إخفاءها. — هفكر... وأشوف هقدر أسامحك ولا لأ. شهق باعتراض مصطنع: — نعم يا أختي؟! بقولك أنا اللي زعلان! ضحكت بخفوت، وقد قلب الأدوار عليها بمهارة: — معلش... تعيش وتاخد غيرها. انطلقت ضحكته من الطرف الآخر، فضحكت هي أيضًا، للحظات بدت فيها مشاكلهما الصغيرة أبعد ما تكون عن قلبيهما. ثم هدأ صوته وسألها: — احكيلي عملتي إيه في المقابلة؟ بدأت تقص عليه ما حدث، تحكي له تفاصيل المقابلة وما دار فيها، وهو يستمع إليها باهتمام، يسألها من وقت لآخر، حتى شعرت لأول مرة منذ ساعات أن صدرها قد خفّ من ثقل الغضب اتجاه لكن فجأة...انفتح باب الغرفة. التفتت خديجة، فتجمدت ابتسامتها في مكانها. حين وجدت والدتها تقف عند الباب بوجه شاحب، وملامحها مضطربة، وكأن شيئًا انتزع الدم من وجهها دفعة واحدة. نهضت خديجة بفزع: — ماما... مالك؟ اقتربت والدتها منها وجلست على حافة الفراش، تتنفس بصعوبة. — هاتيلي دوايا بسرعة يا خديجة... تغير وجه خديجة في لحظة. — حاضر يا ماما، حاضر. وجاءها صوت عبدالرحمن من الهاتف: — خديجة؟ في إيه؟ لم تجبه. ألقت الهاتف جانبًا، ثم أسرعت نحو غرفة والدتها، لتجد جيهان هناك، واقفة في حالة ارتباك لم تهتم خديجة بوجودها. اندفعت نحو الأدوية، وأخذت ما طلبته والدتها، ثم عادت إليها مسرعة. — ماما... حبيبتي، اهو الدوا. أشارت والدتها إلى الدواء، لكن الكلمات خانتها. وضعت خديجة الحبة تحت لسانها، ثم رفعت الهاتف بسرعة واتصلت بأخيها. ولكن لا رد. ارتجفت أصابعها وهي تعاود الاتصال، ثم ألقت الهاتف على الفراش واقتربت من والدتها أكثر، تحتضن وجهها بين كفيها. — ماما... اقتربت منها أكثر، وقد بدأ الخوف يلتهم ملامحها: — ماما، افتحي عيونك... ارتفع صوتها مرتجفًا: — مامااا! ثم التفتت إلى جيهان تصرخ: — يا جيهان! يا جيهان! في الخارج، كانت جيهان تدور في المكان بقلق، وجسدها يرتجف، تحاول أن تبدو متماسكة بينما قلبها يضرب صدرها بعنف. جلست متأففة، وهمست في ضيق: — يا ترى الست الكركوبة دي سمعتني... لكنها توقفت حين وصل إلى مسامعها صوت خديجة. نهضت دفعة واحدة، وانتفض جسدها كله، وقد اتسعت عيناها بذعر، تخشى أن تكون فاتن قد أخبرت خديجة بكل شيء. خطت للخارج بحذر، وجدت خديجة تحتضن رأس والدتها وتبكي، ثم اتجهت الى هاتفها، سحبته سريعا، ورفعته — عبدالرحمن... الحقني، ماما قاطعة النفس! لم تمر سوى دقائق معدودة حتى كان عبدالرحمن بمنزلها، بصحبته الطبيب. انحنى الطبيب يفحص والدتها بعناية، ثم كتب لها بعض الأدوية، قبل أن يرفع عينيه إلى خديجة التي كانت تقف أمامه بوجهٍ شاحب، تنتظر منه كلمة تطمئن قلبها. — لحد الصبح، لو فضلت على نفس الحال، لازم تتحجز في المستشفى. كانت الجملة كفيلة بأن تهدم ما تبقى من تماسكها. نظرت خديجة إلى والدتها، تحاول أن تستوعب كيف تحولت حالتها في ساعات قليلة من امرأة تتحدث معها إلى جسد ساكن لا يجيبها. جلست إلى جوارها، أمسكت كفها البارد بين يديها، وأغرقتها بالقبلات، بينما انهمرت دموعها بلا توقف. — حبيبتي يا ماما... ردي عليا. ارتجف صوتها، وانحنت تقبّل يدها مرة أخرى. — أنا هموت من الخوف عليكي... وضعت رأسها بجوار رأس والدتها، ثم أحاطتها بذراعيها، تبكي بحرقة كطفلة فقدت آخر ما يؤمنها في هذا العالم. — ماما... ردي عليا، لو سمحتي... قوليلي إنك سامعاني. توقف عبد الرحمــــــــن عند العتبة. لم يستطع أن يخطو خطوة واحدة. كان المشهد أمامه قاسي لما تشعر به حبيبته؛ خديجة التي لطالما حاولت أن تبدو قوية، جالسة بجوار والدتها بهذا الانهيار، ودموعها تغرق وجهها، ويداها تتشبثان بها ابتلع غصته واقترب منها. — خديجة... رفعت رأسها نحوه، ومسحت دموعها سريعًا، ثم عادت بعينيها إلى والدتها. — معرفش إيه اللي حصل... كانت كويسة. جلس قريبًا منها، وقال محاولًا أن يثبت صوته: — متعيطيش... إن شاء الله هتبقى كويسة. هزت رأسها، وارتفعت شهقاتها — معنديش غيرها يا عبدالرحمن... توقفت أنفاسه. اقترب منها خطوة، وقد غاب عنه كل شيء سوى دموعها. — بطلي عياط... بتوجعي قلبي. أغمضت عينيها، وانسابت دموعها على وجنتيها، وهمست بانكسار: — دي أمي يا عبدالرحمن... دي كل حياتي. هموت لو حصلها حاجة. ارتجف قلبه من عبارتها، فمال نحوها سريعًا: — اشش... أوعي تقولي كده. أنا موجود، وإن شاء الله هتقوم بالسلامة. مد يده ومسح دموعها بطرف أصابعه رفعت عينيها الباكيتين إليه. — قولي إنها هتقوم بالسلامة... طمّن قلبي. نظر إلى عينيها طويلًا، ثم قال: — خديجة، إنتِ مش طفلة... اجمدي كده. شهقت وهي تنظر إلى والدتها الغائبة عن الوعي فلم يجد أمامه سوى أن يضم رأسها إلى صدره. — بس بقى... أنا هنا. مش هسيبك. ومتأكد إن مامتك هتقوم بالسلامة. وما إن شعرت بذراعيه حولها حتى انهارت أكثر. رفعت ذراعيها تتشبث بسترته، تقبض عليها بأصابع مرتجفة، تبحث عن الأمان ومن يراها من بعيد، لظن أنها تحتضنه... لكنها في الحقيقة كانت تحتضن آخر خيطٍ يمنعها من السقوط. — آآآه... خرجت منها شهقة موجوعة. _خديجة وبعدين معاكي فجأة...انفجرت في الخارج صرخات جيهان. — كده يا خديجة؟! مكنش العشم يا بنت حسن! تجمدت خديجة مكانها.. حين استمعت الى حديث جيهان رفع عبدالرحمن رأسه.. مبتعدا للخارج فصاحت جيهان بصوت أعلى، مشبعًا بالاتهام والفضيحة: — كده بقى يحصل منك كده؟! إنتِ وعبدالرحمن؟! اتجه عبدالرحمن نحو الباب، وعقد حاجبيه، قبل أن يخرج مسرعًا. وما إن ظهر أمام المنزل حتى وجد جيهان تصرخ وسط تجمعٍ من أهل البيت والجيران، تشير إلى الداخل بجنون. — تعالوا شوفوا الست خديجة! موتت أمها بعد ما شفتها في وضع مخل مع الباشمهندس! تعالت الهمهمات.. وهم ينظرون الى عبدالرحمن الذي خرج من المنزل للتو شهقت جيهان واضعة يدها على صدرها: — يا عيني عليكي يا حماتي! ثم صرخت بأعلى صوتها: — الحقني يا خالد! الحق أمك يا خالد! خرجت خديجة من الغرفة على إثر الضجة، وما إن وقعت عيناها على التجمع، الواقفون يرمقونها بنظرات مشمئزة، حتى تجمد الدم في عروقها. لم تفهم.لم تستوعب.. كلمات زوجة اخيها _ياترى جاي لك ليه في نص الليالي وعارف اخوكي مش هنا نظرت خديجة بفزع إلى الوجوه المحيطة بها، ثم إلى جيهان، قبل أن تعود بعينيها إلى عبدالرحمن. الذي نزل درجة من درجات السلم واتجه ناحية جيهان وووو نكمل بكرة "اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك " بقلم سيلا وليد وصل عبد الرحمن إلى جيهان، وخطواته تحمل غضبًا مكتومًا، وعيناه تنطقان بما عجز لسانه عن قوله. توقف أمامها، وثبّت نظره عليها، ثم خرج صوته حادًّا كالسيف: _ أنتِ بتقولي إيه؟ ارتبكت للحظات، لكنها سرعان ما تماسكت، ورفعت الهاتف في وجهه، قائلة بصوت مرتجف من الغضب: _ بتنكر؟! لو مش مصدقني، شوف الصور بنفسك! أنا كنت عارفة إنك هتكذبني! اشتعلت عيناه، وقاطعها بصوت هادر: _ اخرسي! ثم اقترب منها خطوة، وأضاف من بين أسنانه: _ أنا مش مستني منك إنك تعرفيني أخلاقي! التفت إلى التجمع المحيط بهم، وقد بدا الغضب على ملامحه، لكن صوته ظل ثابتًا، يحمل وجع رجل وجد نفسه مضطرًا للدفاع عن شيء لم يتخيل يومًا أن يُمسّ: _ إيه؟ صدقتوها؟! يعني أنا واحد بتاع كده؟! ثم أشار بيده نحو خديجة، التي كانت تقف شاحبة، عاجزة عن استيعاب ما يحدث. _ ودي... إزاي تظنوا فيها كده؟! إزاي مجرد صورة خلتكم تنسوا مين هي ومين أنا؟! عاد ببصره إلى جيهان، وكانت نظراته هذه المرة أشد قسوة، كأنها تحاول اختراق كذبها: _ أنا مش هرد عليكي... مش علشان مش قادر، علشان لو فضلت واقف أناقشك في حاجة زي دي، هقلل من نفسي. استدار حول الواقفين، يحاول أن يستعيد أنفاسه، ثم قال: _ خالتي فاتن وقعت من طولها، وخديجة كلمتني أجيب لها دكتور، بعد ما أخوها ما ردش عليها. وأكيد فيه منكم اللي شاف الدكتور داخل معايا. هز أحد الرجال رأسه سريعًا، وقال: _ أنا فعلًا شوفت عبد الرحمن وهو داخل، وسألته، قالي إن خالتي فاتن تعبانة. والله يا باشمهندس أنا ما صدقت اللي اتقال، وممكن الست جيهان تكون فهمت غلط. التفت إليه عبد الرحمن، وقال بهدوء أكثر إيلامًا من الصراخ: _ فيه حاجات مينفعش نفكر فيها صح ولا غلط... فيه حاجات مجرد إنك تفكر فيها في حد محترم، تبقى ظلمته. ثم اتجه نحو جيهان بخطوات واسعة، حتى وقف أمامها مباشرة، وغرس عينيه في عينيها: _ ولما أنتِ خايفة على حماتك بالشكل ده... مش كان الأولى تكوني جنبها بدل ما تكوني واقفة هنا بتتكلمي على الناس؟ قال أحدهم: _ بس ليه خديجة تتصل بيك أنتَ؟ اعذرنا يا ابني، مش بنشكك في أخلاقك، بس بنسأل. أجاب دون تردد: _ علشان خديجة خطيبتي. تعالت همهمات خافتة، فتابع بثبات: _ طلبت إيدها من أسبوع، والنهارده كنا بنجيب الدبل، وناويين نكتب الكتاب قريب. لو شايفين إن البنت لما تتعب أمها وتحتاج دكتور، تستنجد بخطيبها عيب أو حرام... احكموا إنتوا. شهقت جيهان، وقاطعته بحدة: _ محصلش يا عبد الرحمن! أنتَ طلبت إيدها آه، بس إحنا رفضناك! سقطت كلماتها كحجر في بئر عميق. طالعها بصمت مريب، وهو ثابت في مكانه، وكأن الجملة أصابته في موضع لم يكن مستعدًا أن يُمسّ أمام الناس. انقبض فكه، وتشنجت أصابعه حتى ابيضّت مفاصلها، وضغط على شفتيه بقوة، يكبح غضبًا كان على وشك أن يفلت منه. كان يستطيع أن يرد. كان يستطيع أن يفضح ما حدث. لكن كرامته منعته أن يحوّل الأمر إلى مهاترة أمام الجميع. وقبل أن ينطق، جاءت حسناء مسرعة، بعدما سمعت أصواتهم من الخارج. _ إيه؟ مالكم؟! إيه اللي بسمعه ده؟! تلفتت حولها، ثم وقعت عيناها على ابنها، وعلى خديجة الواقفة خلفه، وعلى جيهان التي كانت لا تزال ممسكة بالهاتف. اقتربت أكثر، وقد بدا الاستنكار واضحًا على وجهها: _ عبد الرحمن؟! ثم التفتت إلى الواقفين: _ بقى عبد الرحمن اللي البلد كلها بتشهد له بشهامته ورجولته وأخلاقه، يتقال عليه الكلام ده؟! وبعدين نوارة الحتة، بنتنا اللي اتربت قدام عينينا، نرميها بالباطل كده؟! ثم استدارت نحو جيهان: _ مالك ومال ولادي يا جيهان؟! مش كنت عندكم الصبح، واتفقت مع حماتك على خطوبة الولاد؟! رفعت جيهان ذقنها وقالت ببرود: _ ومن إمتى يا خالتي الكلام بيكون مع النسوان؟ ابتسمت حسناء ابتسامة قصيرة، وقالت: _ من يوم ما شفنا خلقتك يا جيهان. شهقت بعض النساء، بينما كتم آخرون ضحكاتهم. لكن حسناء لم تلتفت لأحد، ورفعت صوتها حتى وصل إلى الجميع: _ اللي شاكك في أخلاق ولادي يفضل واقف! ثم تابعت بحزم: _ بس قبل ما تشكوا فيهم... وقبل ما ترموا كلام على بنات الناس، اتقوا ربنا. السمعة مش لعبة، والكلمة اللي بتطلع من بقك ممكن تكسّر إنسان عمره كله. ثم استدارت ولوحت بيدها للجميع: _ يلا... كل واحد يروح بيته. بدأ التجمع يتفرق، وبقيت جيهان واقفة مكانها، تحمل الهاتف وكأنها لا تزال متمسكة باتهامها. انتظرت حسناء حتى غادر الجميع، ثم اقتربت منها، وقبضت على ذراعها بقوة، ودفعتها إلى الداخل. _ ممكن أفهم ليه عملتي كده؟! نزعت جيهان ذراعها بعصبية، ومدت الهاتف أمامها: _ شوفي بنفسك! ابنك المحترم والهانم وهما في أحضان بعض، وبعدين تعالي زعقيلي! نظرت حسناء إلى الهاتف، ثم إلى جيهان، وكأنها للحظة لم تصدق ما تسمعه. أما جيهان، فلم تنتظر ردها، واستدارت ودلفت إلى الداخل وهي تشتعل غضبًا. _ يخرب بيتك... ولية قرشانة! قالتها حسناء، وهي تلتفت إلى عبد الرحمن: _ إيه ده يا عبد الرحمن؟ ليه تدي فرصة لواحدة زي دي تتكلم كده؟ فتح فمه للرد، لكنه فجأة استمع إلى صوت ارتطام شيء خلفه. التفت سريعًا، وشهق حين وجد خديجة غارقة في الظلام. _ خديجة! اقتربت حسناء هي الأخرى، وقالت بفزع: _ اسم الله عليكي يا بنتي! انحنى عبد الرحمن وحملها بين ذراعيه، ودلف بها إلى الداخل. وجد جيهان تجلس على الأريكة وتهز ساقيها، فنظر إلى خديجة التي يحملها بين يديه، ثم إلى والدته الواقفة خلفه. قالت جيهان بسخرية: _ أهو كهن البنات اشتغل... مالها المحروسة؟ وضعها عبد الرحمن بهدوء فوق الأريكة. _ خديجة... قالها وهو يربت على وجنتيها بخفة. _ خديجة، افتحي عيونك. صاحت حسناء: _ ما تجيبي حاجة نفوّق البنت! واقفة كده ليه؟ سحب عبد الرحمن والدته بعيدًا، ورفع رأس خديجة قليلًا، ثم أخذ يربت على وجنتها برفق. _ ديجة... فوقي. وصلت جيهان بزجاجة العطر، فتوقفت تنظر إلى جلوسه بجوارها ولهفته عليها. اقتربت منه، وجلست بجواره على طرف الأريكة. _ أنا هفوقها... قالتها وهي تنحني ناحية خديجة، ثم نثرت العطر على وجهها. نهض عبد الرحمن من مكانه، وعيناه على خديجة التي بدأت ترفرف أهدابها، متأوهة. في تلك اللحظة، علا هاتف جيهان بالرنين، فتحركت نحوه، بينما توجهت حسناء بجوار خديجة. _ أنتِ كويسة يا بنتي؟ فتحت عينيها، وأخذت تدور برأسها كالتائهة، إلى أن وقعت عيناها على والدتها، فتذكرت ما صار. اعتدلت وهي تبكي. _ ماما... أمسكتها حسناء، وقالت: _ اهدي حبيبتي، على مهلك. مامتك كويسة. بكت خديجة بشهقات متقطعة: _ عايزة أشوف أمي... أمي. انحنى إليها عبد الرحمن، وقد آلمه بكاؤها. _ خديجة، بصيلي. هزت رأسها بالرفض وبكت. _ امشي يا عبد الرحمن، لو سمحت. أنا آسفة على اللي حصلك بسببي. جلس على عقبيه أمامها. _ طمنيني عليكي. رفعت رأسها، وعيناها الباكيتان تهزان رأسها. _ مش كويسة. جلست حسناء بجوارها، وسحبتها إلى أحضانها. _ مامتك هتكون كويسة، حبيبتي. أنا هدخل أشوفها، وأنتِ قومي اغسلي وشك كده، واستعيدي نفسك. وبالنسبة للي حصل، متقلقيش، أنا هتصرف. ثم أشارت ناحية عبد الرحمن: _ وعبد الرحمن هيتصرف مع خالد لما ييجي. أومأت خديجة دون أن تنطق. رمقت حسناء ابنها وقالت: _ قوم روح أنتَ ارتاح، وأنا هفضل معاها. كانت عيناه على وردته التي بدأت تذبل أمامه. _ خديجة، مش عايزك تشيلي هم وتخافي وأنا موجود. _ أنا عايزة أطمن على أمي، أهم حاجة دلوقتي. قالتها واعتدلت واقفة. نهض من أمامها، وربتت حسناء على كتفها قائلة: _ إن شاء الله هتكون كويسة، حبيبتي. رفعت خديجة عينيها إليه. _ شكرًا يا عبد الرحمن. _ بتشكريني على إيه يا خديجة؟ على إني جنبك؟ وأمك أمي. خطت خديجة خطوة وهي تستند إلى حسناء، واتجهت إلى الداخل بجوار والدته، بينما ظل يراقبها بصمت مؤلم. مضت الليلة ثقيلة، وكأن عقارب الساعة قد فقدت قدرتها على الحركة. وظل الحال كما هو؛ مرض ينهش جسد فاتن، وخوف يلتف حول قلب خديجة حتى كاد يخنق أنفاسها. بعد ساعات، جاء الصباح بنوره، لكنه لم يحمل معه سوى رجاء معلّق بالله. كانت حسناء قد غلبها التعب، فغفت فوق المقعد القريب من الفراش، بينما ظلت خديجة جالسة على الأرض إلى جوار والدتها، تحتضن كفها بين كفيها، وتضعه على وجنتها تارة، وتقبله تارة أخرى. وفجأة... رفرفت أجفان فاتن ببطء. انتفض قلب خديجة، واعتدلت في جلستها وهي تحدق بها. _ ماما؟! فتحت فاتن عينيها بصعوبة، ثم تحركت شفتاها بصوت واهن: _ خد... يجة... انحنت خديجة عليها في اللحظة ذاتها، وأغرقت جبينها بالقبلات، وانهمرت دموعها دون قدرة على إيقافها. _ حبيبتي... حاسة بإيه؟ وجعك فين؟ قوليلي بس. ظلت فاتن تحدق بها، ثم همست باسم عبد الرحمن من بين شفتيها، متقطعًا: _ عبد... الرحمن... توقفت خديجة للحظة، ثم انحنت أكثر لتسمعها. _ عبد الرحمن يا ماما؟ أومأت فاتن بصعوبة. _ عبد الرحمن... يا خديجة... مسحت خديجة دموعها سريعًا، وقالت محاولة طمأنتها: _ عبد الرحمن في بيته يا ماما... كان هنا وجابلك الدكتور، واطمن عليكي قبل ما يمشي. استيقظت حسناء على أصواتهن، ففتحت عينيها ونهضت سريعًا، واتجهت إلى الفراش. _ فاتن... حمد لله على سلامتك يا حبيبتي. رفعت فاتن عينيها إليها، ولم تقل سوى: _ عبد الرحمن... كلمي عبد الرحمن ييجي. قطبت حسناء جبينها، ثم نظرت إلى خديجة. _ أمك عايزة عبد الرحمن؟ احتضنت خديجة كف أمها وقبلته، ثم قالت: _ حبيبتي، أنتِ حاسة بإيه؟ أجيبلك الدكتور؟ رفعت فاتن يدها بصعوبة، وكأنها تريد إسكاتها. جلست حسناء إلى جوارها، بينما توقفت خديجة عن الكلام. همست فاتن: _ حسـناء... كلـمي عبد... الرحمن... اتسعت عينا حسناء، وظلت تنظر إليها غير مستوعبة. _ مامتك بتقول إيه يا حبيبتي؟ مسدت خديجة على شعر والدتها بحنان. _ حبيبتي... عايزة إيه؟ جاءها الرد ضعيفًا، لكنه واضح: _ عبد الرحمن... رفعت خديجة رأسها إلى حسناء. _ بتقول عبد الرحمن. ابتسمت حسناء رغم قلقها، وقالت بثقة: _ عبد الرحمن ابني؟ دقيقة واحدة ويكون هنا. وضعت يدها في جيب عباءتها، ثم تذكرت هاتفها. _ نسيت التليفون في البيت... اتصلي بيه يا خديجة. نظرت خديجة إلى والدتها بحيرة. _ عايزاه في إيه يا ماما؟ زمانه نزل شغله... قوليلي أنتِ عايزة إيه وأنا أبلغه. لكن فاتن لم تجبها إلا بكلمة واحدة، وكأنها تستنجد بها: _ عبد الرحمن... يا خديجة. في تلك اللحظة، انفتح الباب. دلف خالد وخلفه جيهان. _ ماما... إيه اللي حصل؟ ثم وقعت عيناه على أخته، فانقلب القلق في وجهه إلى غضب أعمى. _ عملتي إيه في أمك يا بت؟! انتفضت خديجة من مكانها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ _ معملتش حاجة يا خالد! مراتك هي اللي فهمت الموضوع غلط! تقدمت جيهان خطوة، وقالت ببرود: _ خالتي أم عبد الرحمن، ممكن ما تدخليش بينا؟ التفتت إليها حسناء بحدة. _ كده يا خالد؟ الله يكرم أصلك يا ابني. ثم اتجهت إلى فاتن، وربتت على كتفها بحنان. _ الحمد لله اطمنت عليكي يا فاتن... هبعتلك عبد الرحمن. صاح خالد بصوت غاضب: _ وتبعتي عبد الرحمن ليه يا خالة؟ أنا موجود. ومش هعدي اللي حصل على خير، وعايز أطمن على أمي. التفتت حسناء إليه، وقد اشتعل الغضب في عينيها. _ بقولك يا خالد، قطع لسان أي حد يتكلم على ابني كلمة. وعيب تشك في أختك وجارك من كلام مراتك! قلتلك مراتك فهمت غلط، وبعدين هنروح بعيد ليه؟ ثم أشارت إلى فاتن: _ أمك ربنا يقومها بالسلامة، اسألها بنفسك... أهي قدامك. اقتربت منها، وانحنت عليها قائلة بصوت أكثر هدوءًا: _ اعذريني يا فاتن، بس إلا ابني. أنا مربياه على الحلال والحرام قبل ما أربيه على الأصول. وعارفة إنك تعبانة، بس لازم أعرف منك إيه اللي حصل، علشان ما أسمحش لحد يظلم ابني. ثم التفتت إلى خديجة لحظة، وكأنها تمنحها وعدًا صامتًا بالحماية. _ عرّفي ابنك ومرات ابنك إيه اللي حصل يا فاتن. ثم استقامت وغادرت، وهي تتمتم: _ بعد إذنكم... وألف سلامة عليكي يا فاتن. دارت فاتن عينيها في الغرفة ببطء، حتى استقرتا على جيهان. تعلقت عيناها بعينيها، وتذكرت كلماتها التي سمعتها قبل أن تفقد وعيها. طالعتها جيهان بارتباك، ثم أسرعت تقول: _ ألف سلامة عليكي يا حماتي... عارفة إنك بتحبي خديجة، بس لازم تعرفيها الصح من الغلط. واحكي اللي حصل لخالد علشان تحمي خديجة. ثم اقتربت منها قليلًا، وأضافت بنبرة تحمل سمًّا خفيًا: _ لازم تحميها... آه... أصل ولاد الحرام كتير. ارتجف قلب فاتن. وانتقلت عيناها إلى ابنتها. _ عبد الرحمن... اقترب خالد من والدته. _ ماما... إيه اللي حصل؟ وليه وقعتي من طولك؟ دنت جيهان من خالد، ووقفت إلى جواره تراقب فاتن. همست فاتن بصوت بالكاد يُسمع: _ عبد الرحمن... رفع خالد رأسه نحو خديجة، وقد اشتعلت عيناه. _ هي حصلت إنك تقابليه في البيت؟ عمل إيه الواد ده يا بت؟ تجمدت خديجة في مكانها. واتسعت عيناها، وشعرت وكأن جسدها كله قد أصابه الشلل. التفتت إلى والدتها، غير مصدقة أن كلماتها تُفهم بهذه الصورة. _ ماما... أنتِ عايزة عبد الرحمن؟ لكن خالد لم يمنحها فرصة. اندفع نحوها، وأمسكها من شعرها بعنف. _ إيه يا بت؟ قلة الحيا والأدب دي؟! وكمان بجحة وبتجيبي سيرته قدامي؟! والحيوان التاني عامل نفسه محترم! صرخت خديجة وهي تحاول تخليص شعرها من قبضته: _ خالد! سيب شعري! أنا معملتش حاجة! لكنه كان قد فقد السيطرة على نفسه، يجرها بعنف، وتخرج من فمه أبشع الكلمات، بينما كانت هي تحاول أن تبتعد عنه. بقلم سيلا وليد _ والله لأطين عيشتك وعيشته! تابعت فاتن خالد وهو يسحب أخته بعينين مرتجفتين، عاجزة عن استيعاب ما يحدث أمامها. فانحنت جيهان نحوها، وقالت بسخرية باردة: _ ألف سلامة عليكي يا حماتي... يا ترى عايزة الشهم النبيل ليه؟ ثم ابتسمت ابتسامة لاذعة. _ عايزة تجوزيه بنتك؟ تراجعت قليلًا، وقالت باحتقار: _ تؤ... يا حماتي، مش معقول أتحملك وأتحملها ببلاش. لازم تدفع زي ما إحنا دفعنا وعلمناها. اعتدلت، ورمقت فاتن بنظرة ساخرة، ثم خرجت من الغرفة. _ كفاية يا خالد! قالتها فاتن بصوت ضعيف لم يصل سوى لجيهان، لكنه خرج محملًا بكل ما تبقى فيها من قوة. التفتت جيهان إليها قبل أن تخرج، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة، وقالت بشماتة: _ كفاية ليه؟! خليها تتعلم الأدب. فاكرة إن اللي عملته هيتدفن والناس هتنسى؟! لأ... خليها تدوق شوية من اللي تستاهله. عندها انهمرت دموعها، وحاولت الاعتدال. وضعت يدها على الفراش، وتشَبثت بطرفه، ثم نهضت بصعوبة، وكأن جسدها المنهك يرفض أن يطاوعها. لم تكن تفكر في نفسها... كانت تريد إنقاذ ابنتها. خطت خطوة، ثم أخرى، حتى وقعت عيناها على هاتف خديجة الموضوع بالقرب منها. مدت يدها إليه بصعوبة، والتقطته، واستندت بجسدها إلى الجدار، وهي تلهث من شدة ما بذلته من جهد. شعرت بألم يفتك بصدرها، ورغم ذلك لم تهتم. بحثت عن الرقم بأصابع مرتجفة، ثم ضغطت زر الاتصال. لحظات... وجاءها صوته: _ نعم يا خديجة؟ مامتك كويسة؟ أغمضت فاتن عينيها، وارتجفت شفتاها. _ عبد الرحمن... أجاب عبد الرحمن بصوت مذعور: _ خالتي فاتن؟ حضرتك كويسة؟ حاولت الإجابة، لكن أنفاسها خانتها، كما خانها جسدها. _ خد... يجة... ثم انقطع كل شيء. سقط الهاتف من يدها، وهوى جسدها إلى الأرض، غارقة في ظلام دامس. في الخارج، سحبت جيهان خالد بعيدًا عن خديجة. _ قلتلك كفاية! مش عايزين فضايح! لازم تخرس أي حد يتكلم. نهضت خديجة بصعوبة، ودموعها تنساب على وجهها، ثم نظرت إلى جيهان بنظرة لم تحمل خوفًا، بل وجعًا واحتقارًا. _ أنتِ حرباية... وشيطانة. ربنا ينتقم منك. استدار خالد وصفعها بقوة. تدلى وجهها إلى الجانب من شدة الصفعة، وبقيت للحظات لا تستوعب أن اليد التي لطالما احتمت بها يومًا، هي ذاتها التي آلمتها الآن. رفعت عينيها إليه ببطء. لم تبكِ هذه المرة... ابتسمت ابتسامة موجوعة، وقالت: _ شكرًا... ارتجف صوتها: _ يعني هستنى منك إيه؟ أنتَ شكيت في أختك اللي أنتَ مربيها... وصدقت كلام مراتك. مسحت دموعها بيد مرتعشة. _ أنا فوضت أمري لربنا فيك... وفي مراتك. توقف خالد للحظة. تسلل الندم إلى عينيه، وكأنه رأى للمرة الأولى حجم ما فعله. لكن جيهان أسرعت تقول: _ اتمسكني يا بت، علشان ما يعاقبكيش يا قليلة الأدب! استدار إليها خالد بعصبية: _ جيهان... اخرسي! لكن خديجة لم تعد تسمع شيئًا. أزالت دموعها بعنف، ثم ركضت نحو الغرفة التي تركت فيها والدتها. فتحت الباب... وتوقفت. ثانية واحدة فقط. ثم خرجت صرختها، شقت سكون المنزل كله: _ مــــــــاماااااااااااااااااااا! كانت فاتن ملقاة على الأرض بلا حراك. اندفعت خديجة إليها، وسقطت على ركبتيها، واحتضنت رأسها بين ذراعيها وهي تصرخ باكية: _ ماما! ماما ردي عليا! لكن فاتن لم تجب. هزت خديجة كتفيها بجنون: _ ماما، افتحي عينيكي... علشاني! ثم شهقت وهي تنظر إلى وجه والدتها الشاحب: _ ماما... ركض خالد على صراخ خديجة. وبعد دقائق، كانت سيارة الإسعاف تنقل فاتن إلى المستشفى. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بقلم سيلا وليد بعد قليل خرج الطبيب من غرفة العناية، فانتفض خالد من مكانه واتجه إليه سريعًا، بينما كانت خديجة تقف خلفه، وجهها شاحب وعيناها معلقتان بالطبيب. _ماما عاملة إيه يا دكتور؟ تنهد الطبيب، ثم أشار لهما بالجلوس. _والدتك عندها مشكلة في القلب، وإغماءها الأخير مش مجرد هبوط أو إرهاق زي ما كنا متوقعين. تجمد خالد في مكانه. _مشكلة في القلب؟! أومأ الطبيب بهدوء. _عملنا لها رسم قلب وإنزيمات قلب، وبعدها الإيكو، والنتيجة وضحت إن عندها ضيق وانسداد شديد في الشرايين التاجية، وكفاءة عضلة القلب نفسها منخفضة. ابتلع خالد ريقه بصعوبة. _يعني إيه كفاءة عضلة القلب منخفضة؟ _يعني القلب مش بيضخ الدم بالكفاءة الطبيعية. النسبة عند والدتك حوالي خمسة وثلاثين في المية، وده أقل من الطبيعي بشكل واضح. وضعت خديجة يدها على فمها، بينما سأل خالد بصوت مرتجف: _والحل إيه يا دكتور؟ صمت الطبيب للحظات قبل أن يقول: _الحل الأفضل في حالتها هو جراحة تحويل مسار للشرايين التاجية... عملية قلب مفتوح. شهقت خديجة من خلفه، بينما ظل خالد يحدق بالطبيب وكأن الكلمات لم تصل إلى عقله بعد. _قلب مفتوح؟! _أيوه. _طب والقسطرة؟ مش ممكن تعملوا دعامة وخلاص؟ هز الطبيب رأسه. _في حالات معينة بنقدر نعالج الانسداد بالدعامات، لكن حالة والدتك مختلفة. الانسدادات عندها متعددة ومكانها مش مناسب للعلاج بالقسطرة بالشكل اللي يدي نتيجة آمنة وطويلة المدى. عشان كده الجراحة هي الخيار المطروح بقوة. خفض خالد رأسه، ثم رفع عينيه إليه بسرعة: _يعني العملية هتنجح؟ لم يجب الطبيب فورًا. ذلك الصمت وحده كان كافيًا ليزرع الرعب في قلبه. _أنا مش هكدب عليك يا أستاذ خالد... العملية ممكن تتعمل، لكن حالة والدتك مش سهلة. _ليه؟ _عندها سكر وضغط، وعضلة القلب ضعيفة، وده بيزود خطورة الجراحة والمضاعفات بعدها. لازم كمان نقيّم وظائف الكلى والرئة ونضبط السكر والضغط قبل العملية قدر الإمكان. ارتجفت شفتا خالد. والعملية دي مكلفة اجاب الطبيب: العملية محتاجة تجهيزات وفريق جراحة قلب وعناية مركزة، وتكلفتها مش قليلة يا أستاذ خالد، خصوصًا إن حالة والدتك محتاجة متابعة دقيقة بعد العملية. خالد بقلق: يعني في حدود كام يا دكتور؟ الدكتور: الإدارة المالية هي اللي تقدر تحدد الرقم النهائي بعد ما نعرف كل التفاصيل، وأنا مش حابب أقولك رقم مبدئي ويطلع مختلف. لكن لازم تحسب حساب تكلفة كبيرة، خصوصًا لو احتاجت فترة أطول في العناية المركزة. خرجت خديجة من غرفة الطبيب بخطواتٍ متعثرة، كأنها لا تعرف إلى أين تتجه، ولا ماذا تفعل بعد أن سمعت ما لم يكن قلبها مستعدًا لسماعه. عملية قلب...نسبة خطورة مرتفعة... والدتها قد لا تحتمل... ترددت الكلمات في رأسها كأنها مطارق تضرب عقلها بلا رحمة. هل يُعقل أن يأتي اليوم الذي تستيقظ فيه ولا تجد أمها إلى جوارها؟ هل يُعقل أن تفقد المرأة التي كانت لها أمًا، وأبًا، ووطنًا كاملًا؟ انهمرت دموعها بغزارة، وأسرعت تمسحها بيد مرتجفة، لكنها كانت أكثر من أن تُخفى. وفجأة... جاءها صوته من خلفها، ذلك الصوت الذي لطالما كان قادرًا على أن يهدئ اضطراب قلبها بمجرد أن تسمعه. _خديجة! توقفت في مكانها والتفتت إليه سريعًا. كان عبدالرحمن يقف أمامها، وما إن وقعت عيناه على وجهها الغارق بالدموع حتى تغيرت ملامحه، واقترب منها بخطوات سريعة. _مامتك عاملة إيه؟ لم تجبه. ظلت تحدق به بعينين تائهتين ماذا تقول له؟ هل تخبره أن أمها قد ترحل؟ هل تقول له إنها للمرة الأولى تشعر أنها طفلة صغيرة، خائفة من أن تفقد اليد التي ظلت تتشبث بها طوال عمرها؟ ارتجفت شفتاها، ولم تستطع الكلام. فقال برفق: _خديجة... بصيلي. رفعت عينيها إليه. وفي اللحظة نفسها، لمح أثر أصابع واضحًا على جانب وجهها، وقد تلون موضع الضربة بلونٍ قاتم. تجمدت ملامحه. _إيه اللي في وشك ده؟ أسرعت بوضع يدها فوق موضع الصفعة، وخفضت عينيها. _اتخبطت في الحيطة. ظل ينظر إليها للحظات. لم يصدقها. لكنه لم يضغط عليها، رفع يده بهدوء إلى حجابها، وجمع بعض خصلات شعرها التي بعثرتها الحركة تحت الحجاب، ثم عدّل طرفه برفق.. كانت يداه حانية عليها بقدر حبه، طالعها بنظرة تخصها ومازال اطراف ححابها بين أصابعه _ظبطي شعرك...متخليش حاجة منه تبان نظرت إليه بصمت. قال وهو يثبت عينيه في عينيها: _ومش عايزك تقلقي... أنا موجود. كانت كلمتان فقط. لكن قلبها المكسور تلقاهما كأنهما طوق نجاة أُلقي إليها في بحرٍ هائج. ازداد ارتجاف جسدها. _عارف نفسي في إيه؟ قالتها بصوتٍ مختنق بالبكاء. اقترب منها خطوة، وكأن قلبه فهم قبل أن يسمع. _في إيه؟ هزت رأسها، ودموعها تتساقط بلا توقف. _نفسي... توقفت الكلمات في حلقها. وضعت يدها على صدرها، ثم قالت بصعوبة: _نفسي أعيط في حضنك... وأحس إن مفيش حاجة وحشة هتحصل. أغمض عبدالرحمن عينيه للحظة، وكأنه يقاوم رغبته في أن يضمها إليه رغم كل ما حولهما. ثم قال بصوتٍ خافت: _وأنا نفسي أضمك أوي... فتح عينيه ونظر إليها بحنان. _بس خلاص... هانت. مامتك هتقوم بالسلامة، وإحنا هنعدي كل ده. انفجرت في البكاء. _يارب يا عبدالرحمن... يارب. وقبل أن يضيف كلمة... جاء صوت خالد من خلفهما، مشحونًا بالغضب: _ده إيه الفجر اللي فيكم ده؟! خلاص مفيش شوية دم؟! التفت عبدالرحمن إليه ببطء. _إيه اللي بتقوله ده يا خالد؟ اقترب خالد منه بخطوات غاضبة، ولم يمنحه فرصة أخرى للكلام. قبض يده، وسدد لكمة مفاجئة إلى وجهه. ترنح عبدالرحمن خطوة إلى الخلف. تجمد في مكانه.. لم يستوعب ما حدث. رفع يده ببطء إلى موضع الضربة، ثم نظر إلى خالد في ذهول، وكأن عقله يرفض تصديق أن الرجل الذي أمامه ضربه دون مقدمات. اقترب خالد منه، وأشار إليه بتهديد: _لو شوفتك صدفة قدامي... هموتك. ظل عبدالرحمن ثابتًا مكانه للحظات، وعيناه لا تفارقان خالد. لم يكن غضبه من الألم... بل من الإهانة، ومن الظلم الذي وقع عليه فجأة دون أن يفهم سببه. ثم قال بصوتٍ منخفض، لكنه حاد: _الكلام ده لمين يا خالد؟ _امشي من هنا يا عبدالرحمن. ثبت عبدالرحمن عينيه عليه. _أنا بسألك... الكلام ده لمين؟ لكن خالد لم يجبه، واكتفى بنظراتٍ مشتعلة بالغضب. في تلك اللحظة، وصل مروان مسرعًا، فانتقلت عيناه بين خالد وعبدالرحمن وخديجة. _خالد... إيه اللي حصل لطنط فاتن؟ ثم اقترب من خديجة _طمنيني والداك كويسة، متقلقيش عليها هنقلها احسن مستشفى اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك اقترب مروان من خديجة، محاولًا أن يطمئنها، وقال بنبرة هادئة: ـ متقلقيش... أنا اتصلت بالمستشفى الخاص، وهيجوا ينقلوها. وهتدخل أحسن مستشفى. خرجت كلماته أمام عبد الرحمن، الذي ظل واقفًا في مكانه، يرمقه بصمت غريب... صمت لم يكن يحمل امتنانًا ولا اعتراضًا، بل شيئًا مبهمًا أثقل من أن يُقال. لم تجبه خديجة، وكأنها لم تسمع شيئًا من الأساس. تحركت بخطوات مرتجفة حتى بلغت المقعد، ثم جلست عليه، وأسندت رأسها بين كفيها، تحاول أن تمنع نفسها من الانهيار. التفت مروان إلى خالد، وربت على كتفه: ـ خالد، متقلقش... أنا معاك. نظر إليه خالد بتأثر: ـ شكرًا يا أستاذ مروان. ابتسم مروان وهز رأسه نافيًا: ـ أستاذ إيه بس؟ أنا زي أخوك. رفع خالد عينيه إلى عبد الرحمن، الذي ظل صامتًا، كأن شيئًا حوله لم يعد يعنيه، ثم قال بإعجاب: – ابن أصول... وقدّها. لم يلتفت عبد الرحمن إليه، ولم يرد حتى بكلمة. كل ما فعله أنه تراجع بخطوات بطيئة، حتى وصل إلى حيث تجلس خديجة. جلس إلى جوارها، وظل للحظات ينظر إلى وجهها الشاحب، إلى عينيها اللتين غمرتهما الدموع، وإلى ارتجاف أصابعها وهي تقبض عليها فوق حجرها. رفعت خديجة عينيها إليه، وما إن التقت عيناها بعينيه حتى انهارت مقاومتها: ـ أنا خايفة على ماما أوي يا عبد الرحمن. ظل ينظر إلى عينيها الحزينتين، ثم قال بصوت خافت، لكنه ثابت: ـ قولي يا رب يا خديجة. انهمرت دموعها، وأراحت رأسها إلى الخلف: ـ يااارب... أنتَ أحن من أي عبد يااااارب. اقترب منها قليلًا، وصوته يحمل رجاءً أكثر مما يحمل نصحًا: ـ خديجة... علشان خاطري، بلاش تضعفي كده. أغمضت عينيها، لكن دموعها لم تتوقف، بل انحدرت على وجنتيها بصمت. هنا تمنى أن يضمها ويزيل دموعها، ويربت على قلبها. جاء خالد ووقف أمامهما، وقال بصرامة: ـ قومي خليكي جنب أمك... وأنتَ روح يا عبد الرحمن. كفاية فضايح لحد هنا. رفع عبد الرحمن عينيه إليه، وقد تبدلت ملامحه: ـ فضايح إيه يا خالد اللي بتقولها دي؟ اقترب خالد منه خطوة، ثم قال بحدة لأخته: ـ خديجة، ياريت تحترمي نفسك وتخليه يمشي. رفعت خديجة عينيها إليه، ثم قالت بصوت متعب: ـ خالد، إيه اللي بتقوله ده؟ انحنى خالد وأطبق على ذراعها بعنف: ـ متخلنيش أتغابى عليكي. أبعد عبد الرحمن كفي خالد عن خديجة، وقال بغضب: ـ مالك يا جدع أنتَ؟ أنا عامل حساب للعِشرة اللي بينا. ـ شوف مين اللي بيتكلم... امشي من هنا يا عبد الرحمن. أبعد عبد الرحمن نظراته عنه، وكأن الكلمات لم تعد تعنيه، وكأنه استنفذ ما بداخله من طاقة للدخول في جدال آخر. مرر يده على وجهه، ثم قال ببرود يخفي خلفه اضطرابًا عاصفًا: ـ أنا مش جاي لك أصلًا... ولا تفرق معايا. تقدم خالد خطوة أخرى، وقد اشتعل الغضب في عينيه: ـ أنا مش عايزك يا أخي. أنتَ إيه؟ مش فاهم إن وجودك هنا مش مرغوب فيه؟ ارتجف قلب خديجة من حدة الكلمات، فنهضت سريعًا، ترمق شقيقها بنظرة عتاب، ثم اتجهت إلى عبد الرحمن، وكأنها تحاول أن تنقذه من معركة لا تخصه: ـ روح يا عبد الرحمن... أنا كويسة. التفت خالد إليها بانفعال: ـ وأنتِ بتقولي له كويسة ليه؟! لكن عبد الرحمن لم يمنحه فرصة أخرى. أمسك بكفي خديجة، وسحبها معه بعيدًا عن خالد، وهو يقول دون أن يلتفت إليه: ـ ماشي يا خالد. تحركت خلفه، لكن خطواتها كانت أثقل من أن تواكب قلبها. كانت تشعر أن شيئًا ما يُنتزع منها، وأن تلك اللحظة لا تشبه أي لحظة أخرى مرت بينهما. توقفت فجأة. ـ عبد الرحمن... توقف، ثم استدار إليها ببطء. تعلقت عيناه بعينيها، وفي تلك اللحظة بدا كأنه نسي كل شيء حوله، حتى كرامته التي طالما جعلها س\لاحه. اقترب منها خطوة، وقال بصوت خرج مثقلًا: ـ خديجة... أنا مستعد أدوس على الدنيا كلها علشان نظرة واحدة من عيونك. اختنق صوته للحظة، ثم تابع: ـ أنا بحبك. انهمرت دموعها، وارتجفت شفتاها بابتسامة موجوعة: ـ كفاية وجودك جنبي يا عبد الرحمن. اقترب أكثر، واحتوى وجهها بين راحتيه، وكأن ملامحها أصبحت ملاذه الأخير. حدق في عينيها طويلًا، وكأنه يحفظهما في ذاكرته خوفًا من يوم قد يُجبر فيه على الابتعاد. ـ عايزك تتأكدي من حاجة واحدة... ابتلعت ريقها وهي تنظر إليه. ـ أنتِ خديجة الخاصة بعبد الرحمن... ومستعد أرمي نفسي في النار علشان خاطر العيون دي. ارتجف قلبها، وابتسمت من بين دموعها محاولة أن تخفف عنه: ـ لو قصدك على خالد... هو معذور، مراته مالية دماغه. هز رأسه ببطء، ولم تفارق عيناه عينيها: ـ أنا مش قصدي على حد. اقترب أكثر، حتى أصبح صوته همسًا لا يصل إلا إليها: ـ أنا بعرفك إنك خديجتي... الخاصة بعبد الرحمن. احفظي الكلمتين دول، وحافظي على قلبي. توقف لحظة، ثم قال بنبرة امتزج فيها الحب بالخوف: ـ أنتِ في كفة... والعالم كله في كفة. متخليش كلام خالد يضعف قلبك، ولا تخلي أي حد يخليكي تشكي في مكانك عندي. تعلقت عيناه بعينيها، وكأنه يبحث فيهما عن وعد ينقذ قلبه: ـ اوعديني يا خديجة... ـ اوعديني إن خديجة هتفضل لعبد الرحمن... وهتفضل خاصة بيه. نظرت إليه بتيه، وقد بدأت تشعر بقبضة غريبة تعتصر صدرها. ـ أنتَ ليه بتقول كده يا عبد الرحمن؟ عندك شك فيا؟ تغيرت ملامحه... ولم يجب. فقد كان أضعف من أن يكذب عليها، وأشد خوفًا من أن يخبرها بما يدور في رأسه. نظر إليها طويلًا، وكأن عينيه تلتهمان تفاصيل وجهها للمرة الأخيرة، وكأن قلبه يستشعر شيئًا لا يملك له اسمًا. ثم خرج السؤال من بين شفتيه مكسورًا: ـ خديجة... أنتِ بتحبيني زي ما بحبك؟ ارتبكت من نظراته وقربه، وشعرت بيديه تحيطان بخصرها دون أن ينتبه إلى مدى اقترابه منها. تراجعت قليلًا، وهمست: ـ عبد الرحمن... ابعد لو سمحت. وكأن كلماتها أعادته إلى نفسه. ابتعد فورًا، وأرخى يديه، ثم خفض عينيه إلى الأرض في اعتذار صامت، وقد بدت عليه صدمة من نفسه قبل أن تكون منها. اقتربت منه خديجة، ورفعت كفيها إلى ذراعيه: ـ متقلقش من خالد... هو أصلًا قال لماما إنكم تيجوا علشان تتفقوا. بس ماما تعبت... لما تخف إن شاء الله كل حاجة ترجع زي ما كانت. رفع عينيه إليها، يشعر بأن كلماتها لم تكن كافية لقلبه. ـ خديجة... سكت لحظة، ثم قال بصوت خافت: ـ بتحبيني بجد؟ نظرت إليه بقلب يرتجف بالنبض. هل يسأل بالفعل؟ ابتسم ابتسامة باهتة، وكأنه فهم صمتها بطريقة أخافته: ـ ممكن أسمعها منك؟ وقبل أن تجد كلماتها طريقًا إلى شفتيها، جاء صوت جيهان من خلفهما، كالسوط: ـ ياااه... ده إيه التربية دي يا ست خديجة؟! أمك بتموت وإنتوا واقفين هنا في أحضان بعض؟! التفتت خديجة بفزع، وقبل أن تستوعب ما حدث، أمسكت جيهان بذراعها وسحبتها بعيدًا عنه. ـ امشي من هنا يا ابن الناس! أمك بتقول إنك محترم! لم يلتفت عبد الرحمن إلى إهانتها. لم يهتم... كانت عيناه على خديجة وحدها. تقدم، وأمسك بذراعها برفق ليحررها من قبضة جيهان، ثم قال لها بصوت ثابت يخفي غضبًا هائلًا: ـ عارفة لو مش في الظروف دي... كنت رديت عليكي. ثم تركها، واتجهت عيناه إلى خديجة. وفجأة تبدلت ملامحه. هدأ كل شيء فيه أمام دموعها. اقترب منها قليلًا، وقال بصوت خافت: ـ خلي بالك من نفسك. تعلقت عيناها به. ـ وعلشان خاطري... بلاش تعيطي. ارتجف صوته: ـ دموعك بتحرقني يا خديجة. قالها وهو ينظر إليها لثوانٍ طويلة، وكأنه لا يريد أن يتركها، قبل أن يجبر نفسه على الابتعاد. أما جيهان... فبقيت واقفة في مكانها، تحدق فيهما، وقد اشتعلت في صدرها نيران الغيرة. وغيرتها تهمس لها بالنيران: ماذا بها ليعشقها هكذا؟ إنه يذوب بها عشقًا... ظلت تتابع نظراته لخديجة، وآه من نظراته التي لم يمنحها عبد الرحمن لأحد سوى خديجة؛ نظرة رجل بدا وكأن العالم كله يسقط من حوله، ولا يبقى في عينيه إلا حبيبته. تحرك عبد الرحمن بضع خطوات، لكن شيئًا ما بداخله أجبره على التوقف فجأة. استدار ببطء... فوجد عيني خديجة معلقتين به. كانت تتابعه بدموع صامتة، تحمل في نظراتها رجاءً موجعًا؛ كأنها تتوسل إليه دون كلمة واحدة: لا تتركني. تعلقت عيناه بعينيها، وبقي الاثنان للحظات طويلة عاجزين عن الحركة، كأن كل ما بينهما من حب وعتاب وخوف اختصرته تلك النظرة. لم يحتج أي منهما إلى الكلام... فهي كانت تقول له بعينيها إنها ما زالت تريده، وهو كان يقرأ في عينيها ما يكفي ليحطم قلبه. لكن يد جيهان سحبتها من ذراعيها، وأجبرتها على التحرك. تحركت خديجة معها، إلا أن عينيها ظلتا معلقتين به حتى غاب عن ناظريها. وحين اختفى عبد الرحمن عن بصرها، شعرت وكأن شيئًا انتُزع من صدرها. تحركت بخطوات ثقيلة إلى أن وصلت إلى خالد ومروان. رفع خالد عينيه إليها، وقال بنبرة متعمدة الهدوء: ـ أستاذ مروان هينقل ماما، وهتعمل العملية. نظرت إليه خديجة، ثم إلى مروان، ولم تجد في حلقها سوى كلمة واحدة: ـ شكرًا... أمسك خالد بذراعها، وأبتعد بها قليلًا، ثم قال بصوت خافت لكنه قاطع: ـ اسمعيني كويس... قبل ما ننقل ماما، مروان مستعد يوديها تعمل العملية في أي مكان في العالم. ضيقت خديجة عينيها، وكأنها لم تفهم ما الذي يريده منها تحديدًا: ـ ليه بيعمل كده؟ ارتسمت على وجه خالد ابتسامة باردة: ـ أيوة... شاطرة. ده المفيد. دلوقتي حياة أمك في إيدك أنتِ. تراجعت خطوة، وقد بدأ الخوف يتسلل إلى قلبها: ـ مش فاهمة. اقترب منها خالد أكثر، ثم قالها بلا رحمة: ـ مروان عايز يتجوزك. خرجت منها شهقة مكتومة، كأن الكلمات لم تصطدم بأذنيها فقط، بل انغرست في صدرها كنيران أحرقت ما تبقى من أمانها. ـ أنت بتقول إيه يا خالد؟! مستحيل... ده يحصل! أنا مخطوبة! ـ مخطوبة إيه يا بت؟ هتصدقي الواد عبد الرحمن؟ ده بتاع كلام وبس. هزت خديجة رأسها بعنف، وانهمرت دموعها دون توقف: ـ لا... مستحيل. أنا مش موافقة! أنا مخطوبة لعبد الرحمن... ومش موافقة على اللي بتقوله. قبض خالد على ذراعها وسحبها بعيدًا عن مروان، حتى ابتعد بها إلى أحد الممرات الخالية. وحين أصبحا وحدهما، دفعها بقوة نحو الجدار. ارتطم ظهرها به، فانتفض جسدها، ورفعت عينيها إليه بخوف. انحنى خالد نحوها وقال بصرامة قاسية: ـ اسمعيني كويس... حياة أمك في إيدك أنتِ، وبس. شهقت وهي تبكي: ـ يا خالد... قاطعها بحدة: ـ واللي اسمه عبد الرحمن ده... تنسيه. اتسعت عيناها: ـ لأ... ـ سمعتي ولا لأ؟! ارتجف جسدها كله: ـ إياكي أسمع اسمه تاني على لسانك. فاهمة؟ لم تستطع الرد. كانت دموعها وحدها تجيب عنه. فهي لم تكن تبكي خوفًا على نفسها... بل كانت تبكي لأنها وُضعت أمام اختيار قاسٍ بين قلبها الذي اختار عبد الرحمن، وأمها التي كانت حياتها معلقة بخيط رفيع. في تلك اللحظة، وصل مروان إليهما: ـ خالد، يلا... عربية الإسعاف تحت، وبيجهزوا طنط فاتن. استدار خالد نحوه، ثم قال: ـ جاي يا مروان. أما خديجة، فبقيت ملتصقة بالجدار، تحاول أن تستوعب الكارثة التي سقطت فوق رأسها دفعة واحدة. ❈-❈-❈ مر يومان... يومان ثقيلان كأنهما عامان. وما زالت فاتن حبيسة غرفة العناية المركزة، تتشبث بالحياة خلف ذلك الباب المغلق، بينما ازدحمت أروقة المشفى بالأقارب والأحباب. لكن فاتن لم تكن تشعر بأحد. وخديجة... كانت تجلس بالساعات أمام باب العناية، بعينين ذابلتين من كثرة البكاء، لا تعرف أيهما يؤلمها أكثر؛ خوفها على أمها، أم الخوف من اليوم الذي قد تضطر فيه إلى خسارة حبيبها. وفي الخارج، كان خالد يتحدث إلى جيهان قبل أن يغادر: ـ جيهان، هنزل الشغل ساعتين. خلي بالك من ماما، وعينك على خديجة. وأضاف بلهجة صارمة: ـ ولو اللي اسمه عبد الرحمن ده ظهر هنا... ممنوع يقرب منها. فاهمة؟ أومأت جيهان بصمت، بينما انصرف خالد. ❈-❈-❈ وبعد ساعات... في الورشة... كان عبد الرحمن منهمكًا في إصلاح إحدى السيارات، بينما وقف خالد إلى جواره يرش بعض السيارات. دخل أحدهم، وألقى السلام، ثم اقترب من خالد: ـ ألف سلامة على والدتك يا خالد. ـ الله يسلمك يا أستاذ مازن. ـ عرفت اللي حصل، ومراتي راحت تزورها، وزعلانة على خديجة أوي. هي عاملة إيه؟ خفض خالد عينيه للحظات: ـ زعلانة على أمها والله. هز مازن رأسه بأسى: ـ آه والله... ربنا يشفيها ويقومها بالسلامة. ثم ابتسم وقال: ـ خديجة أختك دي نوارة المكان... أدب وجمال وأخلاق. ربنا يرزقها بابن الحلال. الصراحة البنت خسارة تقعد في مكان زي ده. لو لي ولد، مكنتش هسيبها أبدًا. ضحك خالد وقال: ـ خلاص... نصيبها جه يا أستاذ مازن. ـ والله؟ ألف مبروك يا ابني! متنساش تدعينا على الفرح. لم يسمع عبد الرحمن سوى كلمات متقطعة: "خديجة... نصيبها جه... ألف مبروك." توقفت يده عن الحركة. رفع رأسه ببطء، لكن علي كان قد اتجه إلى السيارة التي أصلحها. ـ أستاذ مازن، العربية خلصت. اقترب الرجل منه وربت على كتفه: ـ تسلم يا عوف، إيدك تتلف في حرير يا ابني. ـ الله يكرم أصلك يا أستاذ مازن. غادر الرجل الورشة، وعاد الصمت بين عبد الرحمن وخالد. ظل عبد الرحمن واقفًا للحظات، ثم التفت إليه: ـ خالتي فاتن عاملة إيه؟ أجابه خالد دون أن ينظر إليه: ـ كويسة. ثم اتجه نحو إحدى السيارات. راقبه عبد الرحمن لحظة، قبل أن يتمتم: ـ خالد... توقف خالد، والتفت برأسه فقط: ـ نعم؟ اقترب عبد الرحمن منه حتى وقف أمامه مباشرة. ـ مفيش حاجة حصلت من الكلام اللي سمعته. مقدرش أضر خديجة بأي سوء. صمت لحظة، ثم تابع بصوت أكثر اضطرابًا: ـ خديجة كلمتني... لما أنتَ... رفع خالد يده في وجهه، قاطعًا كلامه: ـ مش عايز أسمع حاجة يا عبده. رمقه عبد الرحمن بذهول: ـ إيه؟ ـ ابعد عننا... ربنا يسهل لكَ. ظل عبد الرحمن ينظر إليه لثوانٍ، وكأن عقله يرفض تصديق ما يسمعه. ثم قال بصوت خافت، لكنه يحمل وجعًا واضحًا: ـ أبعد إزاي يا خالد؟ اقترب خطوة أخرى: ـ أنا طلبت إيد أختك، وفي حكم المخطوبين. ثبت خالد عينيه عليه، بينما قبض عبد الرحمن يده بقوة، كأنه يحاول السيطرة على القلق الذي بدأ ينهش صدره. ـ أنا بحب خديجة، وداخل البيت من بابه... أنتَ عارف ده كويس. لكن خالد ظل ينظر إليه ولم يجبه. وصمته كان أبلغ من أي كلمة. شعر عبد الرحمن أن هناك شيئًا يُنتزع منه في الخفاء... شيئًا يخص خديجة. شيئًا يخاف أن يكون أكبر من قدرته على مواجهته. رفع خالد عينيه إليه: – بس يا ابن الناس، علشان تبقى على نور... خديجة اتخطبت، وفي أقرب وقت هتتجوز. وهي وافقت خلاص، وبلغتني أقولك الكلام ده. وزي ما أنتَ سمعت من أستاذ مازن، خديجة تتقال بالدهب يا عبد الرحمن، وفيه اللي عرف قيمتها وعايز يعيشها ملكة. وأي واحدة عاقلة مكانها، إيه اللي يخليها تسيب العز والجاه وتتجوز واحد حي الله بياخد آخر الشهر عشرة آلاف جنيه؟ لكزه خالد بخفة في صدره: ـ مبقوش يأكلوا عيش حاف يا عوف، وكمان عايز تقعدها مع أمك وأخوك. يا أخي، ده لو قعدت من غير جواز خالص أحسن لها... توقفت أنفاس عبد الرحمن... لم يتحرك... لم يرمش حتى. وكأن الكلمات لم تصل إلى أذنه، أو ربما وصلت... لكنها كانت أقسى من أن يستوعبها عقله في لحظتها الأولى. اتسعت عيناه قليلًا، وانسحب الدم من وجهه، بينما ظل ينظر إلى خالد وكأنه ينتظر منه أن يضحك ويخبره أن ما قاله مجرد كذبة. لكن خالد لم يفعل. في تلك اللحظة فقط، شعر وكأن الأرض قد انشقت تحت قدميه. خديجة... خديجته التي كان قلبه قد اختارها دون استئذان... أصبحت لغيره. ارتجف تنفسه، وتراجع بجسده إلى الخلف دون وعي، بينما راحت الكلمات تتردد داخل رأسه كضربة متكررة: "اتخطبت... وهتتجوز." ـ بس ده مش كلام رجالة يا خالد. ألقى خالد الخرقة التي بيده، ثم أشار إليه بتحذير: ـ مكنش فيه كلام أصلًا. البنت بقت ملك لواحد تاني. لو ترضاها على نفسك، اجري وراها. ـ مستحيل... مستحيل خديجة توافق. أكيد هددتها. طالعه خالد بتهكم: ـ خليك عايش في دور الواد اللي مفيش منه اتنين. ظل عبد الرحمن في مكانه يتابع تحركه بصمت مريب، ودقات قلبه تضرب صدره بعنف. نزع ثياب العمل وتحرك إلى الخارج سريعًا. راقبه خالد إلى أن صعد دراجته البخارية. اتجه خالد إلى هاتفه، وقام بمهاتفة خديجة. ❈-❈-❈ عند خديجة، كانت تجلس أمام والدتها تحتضن كفيها. ـ ماما حبيبتي، كده يا ماما؟ تستسلمي للمرض؟ أنا تعبانة يا ماما. لو سمحتِ، متعمليش فيا كده... هموت من غيرك. وضعت رأسها على صدر والدتها، وضمتها بذراعيها: ـ ماما، كفاية نوم بقى. افتحي عيونك. بنتك بتموت من غيرك. اصحي وشوفي خالد عايز يموتني يا ماما، بيخيرني بين قلبي وبينك. اعتدلت تنظر إلى سكون جسد والدتها: ـ لو طلبتي روحي، مش هتأخر عنك يا حبيبة قلبي. مستعدة أضحي بحياتي، بس... بس عبد الرحمن يا ماما، مش هقدر. طب أقوله إيه؟ أقدر على الدنيا من غيره إزاي؟ النهارده تاني يوم مشفتهوش ولا كلمني. حاسة إني مش عايشة يا ماما. مسدت على خصلات والدتها: ـ علشانك أبيع نفسي والله. أنا مش زعلانة، بس قلبي وجعني أوي. بحبه أوي يا ماما. لو بعدت عنه هموت. اقتربت من صدر والدتها مرة أخرى: ـ هموت من غير عبد الرحمن يا ماما... اصحي وانقذي بنتك. في تلك اللحظة، ارتفع رنين هاتف خديجة. نظرت إليه، وأزالت دموعها، ثم رفعته: ـ أيوة. ـ عبد الرحمن لو جالك، تقولي له كل شيء قسمة ونصيب، وإنك بتفكري في مصلحتك. ـ مش هقدر يا خالد. خالد، لو سمحت، بلاش تموتني كده. خد قرض من البنك، ولا أقولك بيع البيت. ـ قرض إيه يا بت؟ وبيع إيه؟ أمك لازم تعمل العملية في أقرب وقت. القرض عايز شهور، والبيت مين هيشتري بيت قديم في حي قديم في الوقت ده؟ ـ خالد، أنا مش هقدر. أنا مش عايزة مروان ده. ـ خلاص... اتصلي بتاكسي ورجعي أمك البيت، واستني لما روحها تطلع. اللي عندي قولته. قالها وأغلق الهاتف. هوى الهاتف من بين يديها على الأرض، وظلت تهز رأسها بفزع، غير مصدقة لما حدث. ❈-❈-❈ بالخارج... كانت جيهان تجلس بجوار مروان. ـ عملت اللي طلبته بالظبط، وخديجة هتبقى مراتك قبل شهر. لازم تتمم اتفاقنا. حك ذقنه وهو ينظر إليها: ـ تمام... بس بعد كتب الكتاب. ـ لا يا حبيبي، متزعلش مني يا مروان. اللي أوله شرط آخره نور. الست بتموت جوه، وكان المفروض البنت تتخطب لأحسن جدع في الحتة، وفي الآخر تقولي بعد كتب الكتاب؟ يفتح الله يا أخويا. ـ وأنتِ هتعملي إيه لو رفضت يا جيهان؟ ـ لا، هعمل كتير. اقتربت منه، تتلاعب بزر قميصه: ـ هقول لخالد الحقيقة كلها، وأنتَ عارف بقى لو خالد عرف، هيجوز أخته من الصبح لعبد الرحمن. ـ مش هيقدر، لأن أمها بتموت. انحنت أكثر عليه: ـ لو على الفلوس، من الصبح أجمع له الفلوس. عندنا شاليه لو اتباع يجيب حق العملية وزيادة، بس خالد اللي ناسيه، غير البيت وفلوس جهاز خديجة. ـ عايزة إيه يا جيهان؟ ـ زي ما اتفقنا، خمسة مليون باسمي في البنك، ونص الورشة يتكتب باسم خالد. ثم تابعت: ـ نيجي بقى لمهر العروسة... أحسن فيلا في إسكندرية باسمها هي وأخوها برضه، وخمسة مليون كمان. ـ حيلك حيلك... ليه؟ هتجوز السفيرة عزيزة؟ ـ أحسن يا خويا. ده أنتَ هتتجوز قمرين، مش قمر. ولو مش مصدق... لحظة. فتحت الهاتف وبحثت عن صور خديجة التي التقطتها لها أثناء تبديل ثيابها من خلف الباب، فقد خرجت وتركت جزءًا من الباب مفتوحًا حتى تستطيع التقاط الصور. وضعت الهاتف في يده. ـ شوف الجمال ده واستمتع، وأكيد في حالتك بتحب حاجات زي كده. نظر مروان إلى صور خديجة بنظرات شهوانية، وظل يحدق فيها، بينما كانت تتابعه بانتصار. فجأة سحبت الهاتف من بين يديه. ـ كفاية كده، أصل سمعت إنه حرام. طالعها بنظرة غاضبة: ـ ابعتي لي الصور دي. أفلتت ضحكة صاخبة، ووضعت ساقًا فوق الأخرى: ـ وأنا هستفاد إيه يا ميرو؟ ـ أنتِ مش معقولة. انحنت عليه، مستندة إلى كتفه: ـ بقولك جمال يتحط على الجرح يا ميرو، وأنا عارفة إنك بتحب الأصناف دي. بس بقولك إيه، لما يحصل المراد، براحة على البت، لتموت في إيدك. يعني مش من أول مرة. فهمها تاتا، وادعي تبقى خبرة تحت إيدك. سحبها بقوة من ذراعها، يهمس بهسيس مرعب: ـ عارفة لو مكتبتش عليها خلال أسبوع، هعمل فيكي إيه؟ مطت شفتيها وهزت رأسها: – لا... ده البت عملت مفعول عاااالي. ما قلت لك: ادفع تاخد. دفعها بعيدًا ونهض، وعيناه عليها،اوقفته بكلماتها: ـ جهز فستان الفرح، ولازم يكون من باريس. فرح في أفخم فندق في إسكندرية. ـ إنما شهر العسل، كفاية عسلك. قالتها وتحركت خطوة، لكنها توقفت حين وجدت اقتراب عبد الرحمن منهما. ـ العريس القديم وصل يا ميرو. ـ هو عبد الرحمن كان الـ... التفت إليه وهزت رأسها بغمزة: ـ لو هنقارن، هيكتسح بصراحة... بس يلا، المنفعة تحكم. وصل إليهما، يتلفت حوله: ـ خديجة فين؟ توقف مروان وسأله: ـ أنتَ سبت الورشة ليه؟ لم يرد عليه. تحرك إلى النافذة الزجاجية، فوجدها تجلس بجوار والدتها، فاتجه إلى الباب. توقفت أمامه جيهان: ـ رايح فين؟ أظن خالد قالك كل شيء قسمة ونصيب. ـ امشي من قدامي، أنا على آخري. ـ مالك يا عبد الرحمن؟ ما تهدى. رفع عينيه إليها. ـ مش غريبة يا مروان تبقى هنا وخالد في الورشة؟ ـ لا، مش غريبة يا حبيبي، لأنه مع خطيبته. تمتمت بها جيهان بصوت مرتفع: ـ مروان... ـ آه... مروان خطب خديجة، وفرحهم الأسبوع الجاي. طالعها باشمئزاز: ـ أنتِ كذابة. طالعته وهي تهز نفسها: ـ مش هرد عليك... خطيبها يرد عليك. ـ أنا مش فاهم حاجة. قالها عبدالرحمن وتحرك نحو الغرفة، لكن جيهان منعته حين وقفت أمامه: ـ اهدى يا بشمهندس، هبعت لك خديجة. يمكن لما تسمع منها ترتاح. قالتها ودخلت. دلفت إلى الداخل، فوجدت خديجة ما زالت على حالتها. اقتربت منها: ـ ديجة... عبده برة. اطلعي قولي له: كان فيه وخلص. رفعت خديجة عينيها إليها باشمئزاز وكره: ـ أنا بكرهك. توقفت أمامها، وغرست عينيها في عيني جيهان: ـ ربنا ينتقم منك يا بعيدة. في لحظة واحدة، سحبتها من حجابها بقوة: ـ اسمعيني يا بت. أمك بتودع، وأنا بس اللي موجودة. هتقلي أدبك، وديني لأفضحك وأخليكي زي الكلبة، ما تساويش ربع فرانك. رفعت هاتفها وفتحت الصور: ـ شايفة الجمال؟ شهقت خديجة، وهي ترى صورها بجسدها العاري على هاتفها. سحبتها جيهان بقوة إليها، وهمست في أذنها: ـ خمس دقايق والصور دي تبقى مالية السوشيال. ومش بس كده، هقول إن عبد الرحمن هو اللي مصورك. وفين بقى لما تثبتي؟ تكوني اتقلتي من أخوكي، أهو أخلص منكم إنتوا الاتنين. هتطلعي تقولي للبقف اللي برة إنك اتخطبتي ومش عايزة تكملي معاه، فكرتي في مصلحتك ومش عايزة تشوفيه تاني، وإلا وديني هعمل اللي قلته. وخلي الحليوة أبو عيون عسلية ينفعك. اقتربت أكثر وتابعت بسم: ـ أول واحد هيرميكي أصلًا بعد ما الكل يتفرج على الجمال الرباني. قالتها وخرجت، بينما ظلت خديجة متوقفة في مكانها، لا تستوعب ما استمعت إليه، تهز رأسها بعنف، غير مصدقة أن زوجة أخيها تفعل بها ذلك. ❈-❈-❈ لم تمضِ سوى دقائق معدودة حتى خرجت خديجة من غرفة والدتها، فوجدته واقفًا في الخارج، يستند بظهره إلى الحائط. وما إن وقعت عيناه عليها حتى اعتدل سريعًا، ونظر إليها كأنه لا يستوعب عقله ما يراه. يا الله... كيف استطاعت الأيام أن تفعل بها كل هذا؟ بدت وكأنها ذبلت في يومين فقط؛ انطفأ بريق وجهها، وشحبت ملامحها، ولم يبقَ فيها سوى تلك البراءة التي لم تستطع قسوة الحياة أن تنتزعها من روحها. اقترب منها بخطوات سريعة، وعيناه لا تفارقان وجهها: ـ خديجة... أنتِ كويسة؟ توقفت أمامه، لكن عينيها هربتا منه دون إرادة، واستقرتا على جيهان الواقفة إلى جوار مروان، تتلاعب بهاتفها. ثم عادت بنظرها إليه. ـ آه... أنا كويسة. اقترب عبد الرحمن أكثر، حتى أصبح أمامها مباشرة، وتأمل وجهها بعينين لم تستطيعا إخفاء قلقهما: ـ بس أنا مش شايف كده. رفعت خديجة عينيها إليه... وليتها لم تفعل. فبمجرد أن التقت عيناها بعينيه، شعرت أن كل ما حاولت دفنه بداخلها خلال الساعات الماضية عاد دفعة واحدة. ظلت تنظر إليه طويلًا... تتشبث بتفاصيل وجهه، وكأنها تحفظه للمرة الأخيرة، وكأن عينيها تريدان أن تأخذا منه ما يكفيها من الذكريات لتعيش به بعده. تأملت عينيها... ملامحه... حتى ارتجافة شفتيه وهو ينتظر إجابة منها. ثم ابتسمت. ابتسامة موجوعة، ربما كانت تودعه بها... حتى إذا تذكرها يومًا، لا يتذكر دموعها وانكسارها، بل يتذكر تلك الابتسامة التي منحته إياها وهي تخفي خلفها قلبًا ينهار. ـ لا... أنا كويسة. شكرًا لسؤالك. جاء صوت جيهان من الخلف، باردًا، كأنه يتعمد تمزيق آخر خيط يجمعهما: ـ خديجة، قولي للبشمهندس إن كل شيء قسمة ونصيب... أصله مش مصدق. عقد عبد الرحمن حاجبيه، وانتقلت عيناه بينها وبين خديجة: ـ ليه مش مصدق؟ هو كان حصل حاجة في الأول؟ اتسعت عيناه، واقترب منها خطوة أخرى: ـ خديجة... أنتِ بتقولي إيه؟ ابتلعت غصتها، وحاولت أن تجعل صوتها ثابتًا، رغم أن كل حرف كان يمر فوق قلبها كحد الس\كين: ـ ربنا يسعدك مع اللي تستاهلك يا عبد الرحمن... مالناش نصيب مع بعض. تجمد في مكانه، كأن الكلمات لم تصل إلى أذنيه دفعة واحدة، بل كانت تتساقط داخله ببطء، وكل كلمة منها تهدم شيئًا كان يظنه ثابتًا إلى الأبد. ـ مالناش نصيب...؟ كررها بصوت خافت، يحاول إقناع نفسه أن ما سمعه ليس حقيقيًا. لكن جيهان لم تمنحه حتى فرصة لالتقاط أنفاسه: ـ عرفيه كمان إنك تستاهلي اللي يقدرك... مش ياخدك ويدفنك جنبه. اختنق صوت خديجة، وانخفضت عيناها للحظة، ثم عادت لتنظر إليه. كان الألم في عينيه أقسى من أن تحتمله. ـ زي ما قالت لكَ. في لحظة، اندفع عبد الرحمن نحوها، وأطبق على ذراعيها بقبضة مرتجفة، لا تعرف إن كانت من الغضب أم الخوف: ـ بطلي هبل! ومتسمعيش كلام حد... بصيلي كده. اقترب بوجهه منها، يبحث في عينيها عن خديجة التي يعرفها: ـ قوليلي إن اللي بسمعه ده مش حقيقي. ارتعشت شفتاها، لكنها لم تستطع الإجابة. فدفع مروان يده بعيدًا عنها واقترب منه: ـ إيه يا عبد الرحمن؟ مش مالي عينك؟ لكن عبد الرحمن لم يلتفت إليه حتى. كان كل عالمه قد انحصر في خديجة وحدها. أما هي، فرفعت عينيها إلى مروان، ثم إلى جيهان التي اقتربت منهما. وفي اللحظة التي شعرت فيها أن الحقيقة ستفضحها إن بقيت صامتة أكثر، مدت يدها ببطء... وضعت كفها داخل كف مروان. ثم قالت، وهي تكاد تختنق بكل حرف: ـ أنا ومروان هنتجوز يا عبد الرحمن... عقبالك. توقفت أنفاسه. أغمض عينيه ببطء، كأن كلماتها لم تكن كلمات، بل سهامًا من نار اخترقت صدره دفعة واحدة. حبيبته، بل عشقه... مع رجل آخر. نطق بها عقله، بينما رفض قلبه حتى مجرد تخيلها. فتح عينيه من جديد، فوجد يدها ما زالت متشبثة بكف مروان. ظل يحدق فيها... ثم رفع عينيه إلى وجهها. وانزلقت دمعة حارقة فوق وجنتها، فارتجف قلبه أمامها، رغم كل ما حاول إخفاءه. نظرت إليه نظرة تمنت أن يفهمها، وهي تتمنى أن تلقي بنفسها بين ذراعيه... أن تصرخ فيه: خُدني واهرب بي من هنا. كانت تريد أن تخبره أن كل كلمة قالتها كذبة، وأن قلبها لم يختر سواه، وأنها مستعدة لأن تواجه العالم كله ما دام هو بجوارها. لكن صورة والدتها الملقاة على فراش المرض حضرت أمام عينيها... فخرس قلبها. وفي المقابل، لم يرحم مروان قلب عبد الرحمن. فأحاط خصرها بذراعه، وجذبها إليه أكثر، حتى أصبحت تحت ذراعه، وكأنه يتعمد أن يضع أمام عينيه حقيقة لا يستطيع احتمالها. تجمد عبد الرحمن. حدق في ذراع مروان حول خصرها، ثم في وجه خديجة الذي تحول إلى البرود. كان المشهد أكبر من قدرته على الاحتمال. تراجع خطوة إلى الخلف... ثم أخرى. ظل ينظر إليها لثوانٍ طويلة، وكانت عيناه تقولان ما عجز لسانه عن قوله: _ لماذا فعلتِ بي هذا؟ أما هي، فكانت تنظر إليه بعينين تستغيثان به، رغم أنها هي من طلبت منه الرحيل. لكنه استدار فجأة، وغادر المكان بخطوات سريعة، كأنه يهرب من عدو يطارده... بينما بقيت خديجة مكانها، تتابع ظهره بعينيها حتى اختفى. وما إن غاب عن ناظريها، حتى انهارت ابتسامتها. تحاول أن تمنع قلبها من الخروج خلفه... لكن قلبها كان قد رحل معه بالفعل. مساء اليوم ذهب خالد الى منزل عبد الرحمــــــــن ابنك لو مبعدش عن اختي، هخليه يعفن في السجن، وانتِ عارفة اقدر اعملها مبقاش ليهم نصيب مع بعض، خليه يحترم الجيرة، انا عملت خاطرة للجيرة وجت لك لحد هنا خرج عبد الرحمــــــــن على صوت خالد _عايز إيه ياخالد _اسأل أمك... _امي... طيب اسمعني ياابو الرجولة، لو شوفتك قريب من بيتي هكسر لك رجلك، ويلا برة _عبد الرحمــــــــن ايه اللي بتقوله دا _اطلع برة... خرج عمر على صوت اخيه، اقترب من خالد _لو سمعت ياخالد امشي دلوقتي رمقهم خالد بنظرات مشمئزة، ثم غادر بينما دلف عبد الرحمــــــــن غرفته، اشارت حسناء الى عمر _الحقه حبيبي، حاول تهديه _حاضر ياماما بعد فترة طرقات على باب منزل عبد الرحمــــــــن ، وصل صديقه اليه _ايه ياعم، قولت هتيجي وملفتش _اسف .. _طيب عندي ليك عرض، اقعد اقوله ولا شكلك مش قابل كلام دخلت حسناء وهي تحمل القهوة _معقول ياعادل، تيجي لحد هنا وماتشربش القهوة جلس يربت على ساق عبد الرحمــــــــن الشركة اللي شغال فيها، طالبين مهندسين في كل الاقسام، والمرتب مغري اوي، ايه رأيك تجرب _يجرب ميجربش ليه قالتها حسناء الجالسة بمقابلتهم نفث رماد سجائره، وهو ينظر لوالدته _اسافر واسيبك انت وعمر، لا مستحيل طبعا _انت لسة شايفني عيل ياعبدالرحمن، انا بعد كام شهر هتخرج _ولو برضه انسوا قاطع حديثهم صوت زغاريد بالشارع، فتحت حسناء النافذة _ربنا يفرح الجميع يارب، ياترى الزغاريد دي جاية منين استمعت الى صوت احد الجيران _مبروك ياجيهان لخديجة، فرحت لها والله، الواد باين عليه حلو ومتريش نظرت جيهان لحسناء وقالت _هو من جهة حلو فهو قمر ١٤ ياخالتي، ومن جهة متريش، مش اقولك مهر بس فيلا ياختي معرفش فين معدي الخمسة مليون غير الدهب، والله البت خديجة ناصحة وحماتي دعت لها، البت ماصدقت، والصراحة تستاهل اصلها جميلة ماانت عارفة ردت الاخرى _هي تستاهل فعلا، جمال واخلاق، ربنا يسعدها يارب دخلت جيهان بينما ظلت حسناء تنظر للخارج ودموعها انسابت رغما عنها، على حظ ابنها في حبيبته، ازالتهم واستدارت سريعا _نورت ياعادل نظرت لابنها الذي شحب وجهه وتجمعت الدموع بعيناه، نهض وهو يقول بنبرة متقطعة _تعالى ننزل نتمشى ياعادل شوية اومأ عادل وهو ينظر لحسناء التي هزت رأسها بصمت باليوم التالي دلف عبدالرحمن الى الورشة، يبحث عن فاروق، قابله خالد لم ينظر اليه، فنادى الى احد الصبيان _المعلم فاروق مجاش هز الصبي رأسه وقال _هيجي بعد الضهر، وبيقولك انت لازم تخلص العربيتين دول، ومحدش يقرب منهم غيرك نظر للسيارات وقال له _لا.. لما يجي قوله عبدالرحمن ساب الورشة في تلك اللحظة وصل احد ملاك السيارات _يعني معلمك بيضحك علي _لا والله ياباشا، البشمهندس هيخلص لك العربية نظر الصبي لعبد الرحمــــــــن برجاء، سحب عبدالرحمن ملابس العمل من يده، وتحرك للداخل مضى اكثر من ساعتين، غادر خالد بعدما قال للصبي _انا رايح المستشفى، لو المعلم فاروق جه بعد فترة وصلت الى الورشة توقفت تراقبه ودموعها تنساب على خديها، سحبت اقدامها واتجهت اليه، الى أن اصبحت خلفه مباشرة _عايزة اتكلم معاك في موضوع مهم تجمدت يداه على مايفعله، ظل يواليها ظهره لدقائق، ثم استدار اليها ببطء تقابلت الاعين في عتاب مؤلم، حمحم وتراجع وهو يخرج سجائره، وأشعلها، وطالعها مقطب الجبين _موضوع زي ايه _هنتكلم كدا، في الشارع قدام اللي رايح واللي جاي نفث دخان سجائره، وهو يرمقها بثبات مصطنع _مش فاضي _بس الموضوع مهم ياعبد الرحمن _مفيش أهم من شغلي دلوقتي، روحي، وأنا لما افضى هكلمك، ولا أقولك كلمي خطيبك هيفيدك اكتر وخاصة متريش اقتربت منه ورفعت عيناها التي لمعت بطبقة من الدموع _شغلك أهم مني اومأ وهو ينفث سجائره بلا إكتراث _اه... اللي يخصني أهم من أي حد في الدنيا.. ومش عايز اضيع وقتي في حاجة متستهلش كانت تعلم سيكون رده قاسي، ولكنها اشتاقت اليه، اتت عله يجد لها حلا فيما يحدث معها، تريد ان تشكي له مافعلته جيهان، تريد ان تبكي في احضانه علها تجد مأمنها به، بعد أن منعتها بالجلوس مع والدتها بالمشفى سوى دقائق معدودة يوميا _عبدالرحمن لازم تسمعني _قولت لك مشغول... طعنها فوق ماتشعر به هزت رأسها وقالت _اسفة عطلتك يابشمهندس _عادي... تمتُم بها ودلف للداخل، بينما هي تجمد جسدها للحظات، تشعر أنها فقدت الحركة، وكأن قدميها التصقت بالأرض، سحبت اقدامها بصعوبة، تشعر بانخفاض انفاسها، تتحرك ببطء تتخبط بسيرها كطفلا يتعلم السير، ودموعها تفرش طريقها، تريد أن تصرخ، تريد ان تبكي بصوتا مرتفع، ولكنها تشعر وكانها داخل قبر، انفاسها ثقيلة وصلت إلى منزلها بصعوبة، فهوت على الدرج، على كفها، رأتها صديقتها من نافذة منزلها، سحبت حجابها، وركضت اليها _ خديجة، خديجة، مالك ياقلبي بسم الله، بسم الله لكن بترت حروفها _كنت فين ياغندورة، وسايبة البيت يضرب يقلب، حد قالك انا الخدامة بتاعتكم هبت حنان صديقة خديجة _انت مش شايفة حالتها، اتفي ربنا شوية نفخت الاخرى بتصنع بصدرها _ حوش ياحواش، والبعيدة بصفتها ايه امشي يابت انجري على بيتكم ولا انادي لابوكي يعلم على جسد مك زي المرة اللي فاتت رمقتها حنان باشمئزاز _انسانة بشعة، ربنا يخلصنا منك شهر انقضى مابين البكاء على والدتها التي دخلت غيبوبة بعد العملية، وعلى تحديد موعد زفافها... جاء يوم مماتها، دلفت جيهان بفستان زفافها ألقته على الفراش تشير اليها _الميكب ارتست جت برة، مادام رافضة كوافير، امك ماتت ياختي عيشي حياتك قالتها وخرجت تغلق الباب خلفها، بينما ضمت خديجة ساقيها تضع رأسها فوقهما وذهبت بذكريات أجمل أيامها مع والدتها مرة، ومع حبيبها مرة مدت يدها للهاتف، وقامت بفتحه على رسائله تتلمسها بدموعها، كأن كل حرف بها بماء الذهب همست اسمه _عبد الرحمــــــــن... ياريتك تيجي وتخطفني، أنا بموت حبيبي شهقة اخرجتها تضع كفيها على فمها تمنع صوت أنينها _يلا خديجة، يلا علشان والدتك _يارب ماطولش رقدتها مضت الساعات سريعا الى أن جاء موعد عقد القران، ارتفعت الزغاريد بالخارج، ولكن كانت تستمع اليها وكأنها صوت عويل صارخ، حتى أنها دعت ربها أن يصيبها بالصمم او العمى _يارب... اللهم إني مغلوب فانتصر توقفت تنظر الى نفسها بالمرآة بفستان زفافها، رأت وكأنها ترتدي كفنها، تبسمت حين تمنت ذلك _كفن... يارب اجعله كفني دلفت حنان تنظر اليها بدموع حبيسة _زي القمر ياديجة تهكمت على كلماتها ولم تعلق، رفعت الحجاب على الفستان خطت حنان تنظر الى الفستان الملقى على الفراش، ثم الى الفستان الذي ترتديه _ليه مالبستيش فستانك حبيبتي _كفاية علي الكفن دا ياحنان، التاني تقيل وفيه حاجات مينفعش نلبسها وندفن بيها. بكت حنان وسحبتها للاحضانها، لتبكي معها هي الاخرى _حنان قولي له الحقيقة، عرفيه اني مبعتوش زي ماهو فاكر، قولي له يعيش سعيد ويكمل حياته. احتوت وجهها _خلاص انسي وفكري في نفسك، عبد الرحمــــــــن عاقل وهيتفهم، لازم تنسيه ياخديجة علشان تعيشي _ومين قالك عايزة اعيش، يارب اموت، ياريتني مكان امي مش حاسة بحاجة دلفت جيهان _المأذون وصل ياعروسة لم تكمل جملتها حين وجدتها ترتدي فستان ابيض بسيط وحجاب بنفس اللون _والله... احسن اهو غالي عليكي اصلا، سبيه ابعته لاختي خسارة فيكي لم ترد عليها، تحركت للخارج بجوار حنان عند عبد الرحمــــــــن نهض عبد الرحمن بتكاسل، وكأن جسده أثقل من أن يحمله. كانت أصوات الموسيقى والزغاريد تتعالى من الخارج، تخترق جدران المنزل وتصل إليه كأنها سكاكين لا تهدأ. خرج إلى غرفة المعيشة، فوجد والدته جالسة على مقعدها، تحرك مسبحتها بين أصابعها، وتتمتم بأذكارها. رفعت عينيها إليه، وما إن رأته حتى لمعتا بالدموع. – أنتَ صحيت يا حبيبي؟ أومأ دون كلام، ثم ألقى بجسده المنهك فوق الأريكة. – لو فيه أكل يا ماما... هاتيلي أكل. نهضت والدته سريعًا، تحاول أن تخفي ارتجاف صوتها. – عيني يا نور عيني. تحركت إلى المطبخ، وما إن أدارت ظهرها له حتى خانتها دموعها. كانت تعرف... تعرف لماذا استيقظ ابنها اليوم بهذا الوجه الشاحب، ولماذا لم يسأل حتى عن مصدر تلك الأصوات التي تهز الحي. أما هو... فنهض واتجه إلى شرفة منزله. وقف بها طويلًا، وعيناه معلقتان بالأنوار التي تزين المنزل المقابل. منزلها... اليوم تُزف لغيره... اليوم ستصبح زوجة لرجل آخر. اليوم، سيقف الجميع حولها يهنئونها، بينما سيقف هو في مكان بعيد، يحاول أن يقنع قلبه أن الفتاة التي أحبها لسنوات لم تعد له. ابتلع غصة حارقة... اليوم سيدفن حيًّا. انفلتت دمعة من عينه، فمسحها سريعًا، وكأنه غاضب من نفسه لأنها فضحت ضعفه. استند بظهره إلى جدار الشرفة، ورفع عينيه إلى السماء. لم يطلب منها شيئًا... لم يعترض على قدره. فقط ناجى ربه بصمت: – يا رب... اشفِ قلبي من حبها، لو كان حبها مش مكتوب لي. أغمض عينيه. في تلك اللحظة نفسها، دوّت الزغاريد. فتح عينيه، لكن صوتهن هذه المرة لم يصل إلى أذنيه فقط... بل ذبح شيئًا داخله. ضغط كفه على صدره، كان قلبه بالفعل يتألم. بعد قليل، عادت والدته تحمل الطعام. وقفت خلفه، ثم قالت بحنان حاولت أن تجعله طبيعيًا: – تعالى كل يا حبيبي... خالك اتصل وعايزك ضروري. أومأ لها، جلس أمام الطعام، والتقط بضع لُقيمات، حاول أن يبتلعها... ولكنّه فشل. كان حلقه مغلقًا بالحزن. ترك الطعام، ونهض. – هروح أشوف خالي. نظرت والدته إلى الطبق. – ماكلتش يا ابني. ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة. – شبعت. أخذ سترته من مكانها، وخرج. كان يمشي بصعوبة، وكل خطوة تقربه من منزلها كأنها تقوده إلى جرحه بقدميه. حتى توقف أمام بيتها... رفع عينيه إلى الأنوار، ولم يتحرك. أما والدته، فكانت تراقبه من بعيد، والدموع تملأ عينيها. وضعت يدها على صدرها، وهمست: – يا رب يعوض عليك يا حبيبي... بالأحسن منها، ويجبر قلبك. بينما هو لم يفكر طويلًا. ربما كان يبحث عن شيء لا يعرف اسمه... ربما كان قلبه يريد أن يراها للمرة الأخيرة. أو ربما كان القدر هو من ساقه إلى هنا. دلف إلى منزلها. شهقت والدته، وسحبت حجابها سريعًا، ثم تمتمت: – يا رب... عدي الليلة دي على خير. أما هو... فما إن خطا إلى الداخل، حتى توقف مكانه. وصل إلى مسامعه صوت المأذون: – بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير. تعالت التهاني من حوله. – مبروك يا عرسان! – ربنا يسعدكم! – ألف مبروك! كانت الأصوات تتداخل حوله، لكنه لم يسمع منها شيئًا. واقفًا كالغريب وسط الجميع... رفع عينيه ببطء... فرآها. العروس... في ثوبها الأبيض. المرأة التي أحبها حتى ظن أن قلبه خُلق من أجلها. والآن... أصبحت زوجة لرجل آخر. وفي تلك اللحظة، تسللت رائحة عطره إليها... توقفت عن الابتسام... ارتعشت أنفاسها، وكأن قلبها عرفه قبل عينيها. رفعت رأسها. وحين التقت عيناها بعيني عبد الرحمن... سقط كل شيء من حولها. لم تعد تسمع تهنئة... ولا موسيقى... ولا زغاريد. فقط هو... هو وحده. تسللت دمعة حارقة من عينيها، وانفلت اسمه من بين شفتيها مرتجفًا، متقطعًا كأنها تستنجد به: – عبد... الرحمن... تجمد هو الآخر... وتعلقت العينان ببعضهما البعض. نظر إليها وداخله يصرخ: إن كانت قد اختارت غيره... فلماذا كانت تنظر إليه وكأنها تبكي فراقه؟ "اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك" توقّف عبدالرحمن عن السير، وكأن قدميه خانتاه فجأة، واستدار إليها. رفع عينيه نحو خديجة، وكانت نظراته إليها كافية لأن تق/تلها لو كانت النظرات تق/تل... نظرات رجل رأى أمام عينيه آخر ما كان يتمنى أن يراه. لقد أصبحت ملكًا لغيره. هل يُعقل؟! بالأمس فقط كانت تلهو معه بالعشق، وكانت كلماته تجد طريقها إلى قلبها، واليوم أصبحت زوجة لرجل آخر! اشتعلت الأسئلة في رأسه رغمًا عنه... هل ستنام الليلة بين ذراعيه؟ هل سيغازلها بالكلمات التي كان يظن يومًا أنها خُلقت له؟ هل سيناديها باسمها بذلك الحنان الذي كان يختبئ خلفه شوقه كله؟ هل سيقول لها: خديجتي؟ ابتلع غصته بصعوبة، وظلت عيناه معلقتين بعينيها اللتين طالما مات فيهما عشقًا. لكنه لم يرَ دموعها. أو ربما رآها... ورفض أن يصدقها. كان قد رسم في رأسه صورة أخرى لها، صورة قاسية لا تشبهها؛ خديجة سعيدة بزواجها، سعيدة لأنها ستصبح سيدة قصر، كما سمع من البعض. فأقنع نفسه أن تلك السعادة هي السبب في أنها تركته بهذه السهولة. رأته جيهان، فلكزت خالد بمرفقها وأشارت بعينيها نحوه. التفت خالد إليه... وفي اللحظة التي وقعت عيناه عليه، شعر بشيء يقبض على قلبه حتى كاد يخنقه. لأول مرة يرى عبدالرحمن بهذه الصورة. واقفًا بينهم بجسدٍ حاضر، وروحٍ تبدو كأنها تُنتزع أمام عينيه. ثم التقت عيناه بخديجة... ففهم.. لم تكن تلك نظرات رجل جاء ليبارك. كانت نظرات رجل يحاول أن يدفن حبًا ما زال حيًّا بداخله. تجمّد خالد للحظات. هل ظلم أخته حين أجبرها على هذا الزواج؟ وهل ظلم عبدالرحمن حين صدّق كلامًا لم يكن يحتاج إلى دليل كي يكذّبه؟ كيف خدعه الشيطان وصوّر له أن عبدالرحمن يمكن أن يكون بالصورة التي اتهمه بها؟ وهو الذي تربّى معه... يعرف أخلاقه، يعرف رجولته، ويعرف جيدًا أنه لم يكن يحتاج إلى صور ولا حكايات كي يعرفه. عبدالرحمن الديب... شاب المنطقة الذي يعرفه الجميع. نهض خالد ببطء، ثم تحرك نحوه. كل خطوة كانت أثقل من سابقتها، والندم ينهش صدره حين رأى ملامح الرجل الذي ظلمه. توقّف أمامه. خرج صوته خافتًا، مكسورًا بالندم: _عبدالرحمن... رفع عبدالرحمن عينيه إليه، فالتقط خالد دموعًا محتجزة خلفهما، دموع رجل يقاتل بكل ما أوتي من قوة حتى لا تسقط أمامهم. نظر إليه عبدالرحمن للحظات... لحظات قليلة فقط، ثم قال بصوت مختنق، لكنه خرج حادًا كالسيف: _ما دعتنيش ليه يا خالد؟... ده حتى إحنا جيران. ثم انحرفت عيناه نحو خديجة. كانت واقفة أمامه، عاجزة حتى عن رفع عينيها إليه، تخشى أن تفضحها دموعها. فقال، وكأنه يتعمد أن يزيد المسافة بينهما: _والأستاذة... زيها زي أختي. كانت الكلمة كافية لتغرز خنجرًا في قلبها. ثم ابتسم ابتسامة باهتة لا حياة فيها: _على العموم... مبروك. وقبل أن يكمل، لمح والدته تندفع نحوه. _عبدالرحمن... استدار إليها، فوجدها تهز رأسها برفض، كأنها ترجوه بعينيها ألا يكمل. لكنه لم يستطع. استدار مرة أخرى نحو خديجة، واقترب خطوة. ثم قال، وهو يثبت عينيه في عينيها: _مبروك يا أستاذة خديجة... بالرفاء والبنين. خرجت الكلمات من بين شفتيه، لكنها لم تصل إليهما كتهنئة... كانت نيرانًا. حرقت جوفه هو قبل أن تحرق قلبها. رفعت خديجة عينيها إليه...وليتها لم تفعل. فما إن التقت عيناها بعينيه حتى انهارت كل محاولاتها للصمود، وانسابت دموعها رغما عنها... رآها... رآها تبكي... لكن كبرياءه المجروح أقنعه أنها دموع امرأة تجيد التمثيل. كور قبضته حتى ابيضّت مفاصله، ثم قال، وعيناه لا تفارقان عينيها: _رغم إنكم ما عزمتنيش... وأنا كنت ناوي أشهد على العقد بنفسي، بس مش مشكلة. صمت لحظة، ثم ابتسم ابتسامة موجوعة: _بكرة أنا أدعيكم. شهقة مكتومة أفلتت من بين شفتيها. نظرت إليه بعينين ترجوانه أن يتوقف، وكان صوتها غائبًا، لكن عينيها صرختا بما لم تستطع قوله: يكفي... أرجوك. أنا أتألم مثلك. لا تزيد وجعي... فأنا لم أعد أحتمل. أما هو... فأدار وجهه عنها، قبل أن تفضحه دموعه. لأن الرجل الذي جاء ليبارك لها زواجها... كان في الحقيقة يقف أمام المرأة التي أحبها، ويودّع قلبه للمرة الأخيرة.. _مبروك همس بها، ثم استدار سريعًا، وكأن بقاءه ثانية أخرى أمامها سيجعله ينهار أمام الجميع تحرك متخبط الخطوات، لا يعرف إلى أين يذهب، ولا ماذا يفعل بكل ذلك الألم الذي ينهش صدره. كانت دموعه تسبقه... دموع رجلٍ مثله، كانت أكبر فضيحة يمكن أن يراها من يعرفه. ركض... ركض كمن يهرب من شيء يطارده، بينما كانت والدته تراقبه بعينين غارقتين في الدموع. ماذا فعل ابنها حتى يصل إلى هذه الحالة؟ كيف لرجلٍ كان دائمًا سندًا لغيره أن يصبح الآن بهذا الضعف؟ قلبه ينهار...وجسده يتحرك بلا روح، كأنه ترك حياته أمام عيني خديجة. ظل يبتعد بخطوات متعثرة، تارةً يكاد يسقط، وتارةً يستعيد توازنه، ثم يسرع من جديد، والدموع تنهمر من عينيه دون أن يحاول حتى إخفاءها. لم يعد يعنيه أن يراه أحد. لم يعد يعنيه شيء. حتى وصل إلى مكانٍ منعزل على الشاطئ، بعيدًا عن أعين الجميع. توقف... ظل واقفًا أمام البحر، يحدّق في الأمواج التي كانت تتكسر بعنف فوق الشاطئ، وكأنها تعكس الفوضى التي تعصف بداخله. ثوانٍ...ثم دقائق... وهو لا يتحرك... فقط يحدّق. كأن البحر وحده يستطيع أن يفهم شيئًا من وجعه. وفجأة...خرجت منه صرخة. صرخة رجلٍ لم يعد يحتمل. صرخة خرجت من أعمق نقطة في روحه، محمّلة بكل ما كتمه من حب، وكل ما ابتلعه من قهر، وكل ما حاول أن يبدو قويًا أمامه. حتى بدت الأمواج وكأنها اضطربت لصوته، فارتفعت بعنف واصطدمت بالشاطئ كأنها تجيبه. ثم هوى على ركبتيه. لم الرجل الذي دخل المكان منذ دقائق. لم يعد الرجل الذي وقف أمام الجميع متماسكًا، يبتسم رغم احتراق قلبه. كان الآن مجرد إنسانٍ مكسور... طفلًا فقد أمه، ولا يعرف كيف يعود إلى حضنها. انحنى بجسده، ودفن وجهه بين كفيه، وانفجرت دموعه بلا رحمة. بكى...بكى كما لم يبكِ من قبل. بكى على حبٍ ظن أنه سيظل له. على امرأةٍ كان يراها وطنه، فإذا بها تصبح فجأة وطنًا لرجلٍ آخر. ضرب بقبضته الرمال، ثم رفع وجهه إلى السماء، وخرج صوته مبحوحًا من شدة الاختناق: _ يا رب عاد يبكي، وكأن السؤال نفسه لم يجد له إجابة. _ليه؟ ثم انحنى من جديد، يضم صدره بيدٍ مرتجفة، يحاول أن يمنع قلبه من السقوط خارج جسده. كان يبكي كطفلٍ فقد أمه... ويبكي كرجلٍ فقد المرأة الوحيدة التي أحبها. وللمرة الأولى... لم يخجل من دموعه.. لأنه لم يعد يملك شيئًا يخسره.. عند خديجة ارتفعت اصوات الموسيقى، وبدأت الفتيات تتراقصن عليها، نهضت جيهان التي شعرت بالسعادة تغمر قلبها، بعدما رأت انهيارهما سحبت كفيها _قومي ارقصي ياعروسة، ايه يابت الليلة ليلتك قالتها وهي تنظر اليها بشماتة، ولكن خديجة سحبت كفيها بعنف، ثم صرخت بها أمام الجميع _ابعدي عني مش عايزة ارقص _جيهان... صاح بها خالد واشار اليها بالابتعاد _مالكيش دعوة بيها حاوط مروان خسر خديجة _خلاص ياخديجة، اللي انت عايزاه، مش ضروري ترقصي ابعدت كفه عنها، ونظرت اليه _وانت كمان متنساش نفسك، اظن بينا اتفاق اقترب وحاوط جسدها بيده الاثنين وسحبها يتراقص على الموسيقى _اتفاق ايه بس ياديجا، انا بقيت جوزك توقفت عن الحركة _بس احنا متفقناش على كدا سحبها اكثر حتى أصبحت بأحضانه _ممكن نتكلم في بيتنا، لاني هموت واروح دلوقتي انتفض جسدها، ابتعدت عنه سريعا وهي تقول _عايزة اروح اشوف امي اومأ برأسه _هنروح نشوفها ياستي، وبكرة الصبح هيكون اشهر دكتور من المانيا عندها مش دا شرطك _شكرا... قالتها وابتعدت تجلس تنظر للمكان الذي كان متوقفا به عبد الرحمــــــــن... مضت فترة الى ان رحل الجميع ولم يتبقى سوى صديقتها واخيها وزوجته واخيها جلست حنان بجوارها _حبيبتي همشي محتاجة حاجة رفعت عيناها اليها وقالت _هو خلاص كدا ياحنان، مبقاش فيه خديجة وعبدالرحمن ضمت يدها وقالت _مش أول ولاخر واحدة ياخديجة، جوزك شكله ابن حلال وبيحبك، انسي الماضي علشان تعيشي _تفتكري هقدر ياحنان، تفتكري االي زي عبدالرحمن يتنسي ربتت على ظهرها بحنان وقالت _اه حبيبتي هيتنسي، لازم يتنسي علشان قبل ماتكوني بقيتي ملك راجل تاني فهو حرام وضعت كفيها على صدرها _يارب انزع حبه من قلبي، يارب انزع حبه من قلبي طالعتها حنان بقلبًا يتمزق، ثم آمنت على دعوتها في تلك اللحظة وصلت جيهان اليها _يلا يا عروسة... علشان هنروح نبات معاكي، أخوكي عايز يطمن عليكي. انتفضت خديجة كأن يدها أحرقتها، ودَفعتها بعيدًا عنها حتى كادت جيهان تفقد توازنها. ثم صاحت أمام الجميع، وقد بلغ بها الاختناق حدّه: _ماتقربيش مني! تراجعت جيهان مذهولة، بينما اندفعت خديجة نحو أخيها، وأشارت إليها بيدٍ مرتجفة: _الست دي متقربش مني... سمعتني يا خالد؟! أنا بكرهها! شهقة جماعية ارتفعت في المكان. لم يعتد أحد أن يسمع خديجة تتحدث بهذه القسوة، لكنها لم تعد تملك رفاهية الصمت. صاحت جيهان بانفعال: _بقى كده يا خديجة؟! شايفين؟! احكموا بيني وبينها... من ساعة ما ظبطتها وهي بتعاملني كده! نهض مروان فورًا، واتجه إليها حتى وقف بينها وبين خديجة. _ابعدي عن مراتي. هي مادام مش عايزاكي، يبقى خلاص. رفعت جيهان حاجبها، ونظرت إليه باستفزاز بارد. _تصدق؟... إنت صح. ثم اقتربت من خديجة فجأة، وأمسكت ذراعها تضغط عليه بقسوة، وانحنت نحوها هامسة بين أسنانها: _مترجعيش تعيطي... وتقولي الحقوني. رمقتها خديجة باشمئزاز، ثم نزعت ذراعها من قبضتها واتجهت لداخل غرفتها نحو حقيبتها. انحنى خالد ليلتقطها عنها، لكنه توقف حين أوقفته بيدها. رفعت عينيها إليه... كانت نظرة واحدة فقط، لكنها جعلته يشعر وكأن أخته قت/لته بها. قالت بصوت مرتجف، لكنه واضح: _مراتك صورتني وأنا بغير... وكانت بتهددني بفضيحة علشان أتجوز اللي كتبلك نص الورشة ورصيد في البنك، يا ابن أمي وأبويا. تجمد خالد مكانه. أما جيهان، فشحبت ملامحها للحظة. اقتربت خديجة من أخيها خطوة أخرى، وعيناها تلمعان بالدموع: _بس أنا ما وافقتش علشان كده. ابتلعت غصتها. _وافقت علشان أمي أولًا... وعلشان أرخصك قدام أبوك يوم الحساب يا خالد. اتسعت عينا خالد. _خديجة... لكنها لم تترك له فرصة. انسابت دموعها بغزارة، وصوتها انكسر للمرة الأولى: _توقف قدام أبوك وتقوله: أنا مش راجل يا بابا... معرفتش أحافظ على أمانتك. ارتجف جفنا خالد. _كل مرة تصرف فيها فلوس... افتكر إنك رخيص أوي، علشان الفلوس دي تمن أختك اللي دفنتها... وأخدت عزاها. _خديجة... إيه اللي بتقوليه ده؟! صرخته خرجت مبحوحة، كأن الكلمات أصابته في أضعف نقطة داخله. لكنها سحبت حقيبتها، واحتضنتها إلى صدرها، ثم استدارت بعينين غارقتين بالدموع تتجولان في أرجاء منزل والدها. ذلك البيت الذي لم يعد لها فيه سوى الذكريات. ثم التفتت إلى خالد. _احتفالك إنت والعقربة مراتك يبقى في بيتك... خدها وامشوا. توقفت لحظة، ثم قالت بصوتٍ حاسم رغم ارتجافه: _أنا عايزة أقفل بيت أبويا. انتفضت جيهان كالمجنونة، واقتربت منها: _بيت مين يا بت اللي تقفليه؟! إنتِ اتجننتي؟! رفعت خديجة عينيها إليها، ثم ابتسمت ابتسامة ساخرة موجوعة، قبل أن تعود بنظرها إلى خالد. _أبويا كان حاسس إنه أمّنني مع واحد مش راجل... علشان كده كتب الشقة دي باسمي. سقطت الكلمات على خالد كالصاعقة. ثم أشارت إلى جيهان دون أن تنظر إليها: _عرّف مراتك يا حنين... وخدها واطلع برّه. صرخت جيهان: _البت دي بتقول إيه يا خالد؟! لكن خالد لم يلتفت إليها. كان واقفًا كالمسمار في مكانه، وعيناه لا تفارقان أخته. كانت كلماتها تدور في رأسه كالمطارق: باعني...دفنني...مش أمين...مراتك صورتني... رفع عينيه ببطء نحو جيهان. هذه المرة لم تكن نظراته غاضبة... كانت نظرات رجل بدأ يشك في الحقيقة التي صدّقها دون أن يبحث عنها. حدّق في وجهها طويلًا، كأنه يحاول أن يجد فيه إجابة واحدة تنقذه من ذلك الشعور الذي بدأ يخنقه. اقترب منها خطوة. _مالك بتبصيلي كده ليه؟ صمت لحظة، ثم قال بصوت خافت: _أيه اللي بسمعه دا تلعثمت جيهان للحظة، فازدادت نظراته إليها شكًا... سحبته للداخل سريعا، واغلقت الباب خلفها _اسمعني قبل ماتحكم سحبت نفسا والقت كلمتها التي دوت كالقنبلة _عبدالرحمن غلط مع اختك، رفعت عيناها اليه سريعا، ولو مش مصدقني الليلة دخلتها، كلامي هيحكم، عارفة انك مش مصدق، خليها تثبت اني كذابة، انا قفشتهم وقولت لك قبل كدا مصدقتش، وامك لما مسكتهم مع بعض كدا، اتشلت، تفتكر امك هيحصل فيها كدا علشان سكر او ضغط قبضة عنيفة كادت تسحب انفاسه _مستحيل خديجة تعمل كدا، ولا عبد الرحمــــــــن، انت قولتي كان حضنها، وهي قالت انهارت علشان امها اقتربت منه وامسكت ذراعيه _طيب انا كدابة، مش الليلة دخلتها، قول لمروان عايز دليل شرف مراتي قبض على ذراعيها بعنف _انت اتجننتي، ايه اللي بتقوليه دا نفضت ذراعها بعنف _لا بقى... لازم تكذبني، يااما كدا، ياتطلقني ياخالد شهق يتطلع اليها بذهول، اومأت واقتربت تشير اليه _اه.. تطلقني، مش مراتك فيها الصفات الوحشة، مش بتقولك صورتها، اه صورتها لما كانت مع عبدالرحمن علشان يبقى دليل، وهددتها علشان خوفت عليك من الفضيحة، خوفت يقول عليك خروف ومعرفتش تربي اختك، كان لازم تتجوز مروان، واه خليته يكتب نص الورشة باسمك ياخالد، علشان دا حقك، مهرها كنت عايز تجوزها بدون مهر، انا لو وحشة كنت خليته يكتبها باسمي _خالد... احنا ماشيين غرست عيناها بعينيه، تشير الى الباب _يلا.. روح واقف ليه، روح لاختك وطلقني، علشان حاولت احافظ على سمعتك وسمعتها، واظن شفت عبدالرحمن بعينك النهاردة كان بيبص عليها ازاي ظل ينظر اايها للحظات ثم خرج، هدأت وتنفست بهدوء _يخربيتك يامروان، رحت قولت لها انك كتبت الورشة... اوووف، بس يارب تطلع زي ماعرفت وماتودنيش في داهية هنا تذكرت حين اوصلها منزل والدها، ورآه اخيها، وقام بتحيته والحديث معه قليلا وبعد مغادرته سألت اخيها _انت تعرف مروان منين ياجابر _مين ميعرفش مروان الحارث، دا مشهور _اااه علشان غني يعني اشعل سيجارته وقال _هو غني اه، بس بتاع بنات وكدا يعني كان بيروح الديسكو االي فيه البت صباح _استنى.. استنى.. ديسكو، ليه هو بيشرب ضحك اخيها وقال _بقولك بتاع بنات، تقولي بيشرب، اسألي صباح هي عرفاه اكتر مني، وبعدين تعالي هنا، ازاي تركبي معاه لوحدك حملت حقيبتها ودلفت للداخل _عادي ياجابر بعد عدة ساعات صعدت الى ابنة جارتها التي تعمل باحد الكباريهات بتقديم المشروبات _عاملة ايه يابت ياصباح _جيهان وحشتيني، يخربيتك، كل مرة بتحلوي يابت ضحكت جيهان واشارت لوالدتها _هكون احسن من امك يابت ازيك ياخالتي _ازيك ياجيهان، كويس انك جيتي، تعالي قولي رأيك الفستان دا احسن ولا دا _ايه ياخالتي مش عايزة تكبري خالص، على العموم البني احسن، ياترى السهرة فين _دا عمك فرح بنت صاحبة عمك مأمون، ومينفعش اروح معاه متبهدلة ضحكت جيهان وقالت _جننتي الراجل ياخالتي، سحبت صباح ودلفت بها للغرفة _عايزاكي في موضوع مهم، قبل ماجوز امك يرجع _خير ياجيهان _انت لسة شغالة في الكباريه يابت _لسة ياختي، ربنا ينتقم منه جوز امي _طيب اسمعيني كويس، عايزة اسألك عن واحد. بيروح عندكم شهقت صباح وقالت _اوعي يكون جوزك يامنيلة _ياريت ياختي، دا اخره حفلة طهور ضحكت صباح ولكزتها _يابت احمدي ربنا مش احسن ماعينه تيجي كدا ولا كدا _طب خليه يعملها كدا، وانا احط صوابعي كلها في ننن عنيه، المهم فيه واحد عندكم اسمه مروان الحارث، تعرفيه ضربت على صدرها شاهقة _يخربيتك... ودا عرفتيه ازاي _اهدي ياختي، انا بسأل بس، اصل فيه بنت عندنا في الشارع لفتت انتباه، فجابر قالي بيروح عندكم _لا لا.. بلاش، قولي لها تبعد عنه _ليه علشان بتاع بنات وكدا، الرجالة كلها في الاول كدا هزت رأسها وهمست اليها _لا.. دا راجل مش ولابد، مجنن بنات الديسكو، وطبعا محدش قادر يتكلم علشان الفلوس _اوعي يابت تكوني بتروحي معاه مصمصمت شفتياه، تهز ايدها _اروح فين ياختي، هو انا بتاعة كدا، حتى ولو، مستحيل اروح معاه ضيقت عيناها بتساؤل ليه دنت تهمس لها بعض الكلمات، فضربت جيهان على صدرها _يالهوي... انت متأكدة _اه والله، دا البت صاحبتي اللي شغالة معايا في نفس الصالة، راحت معاه ليلة كانت هتموت، لو تشوفي جسمها، دا حيوان ياجيهان، شغل حيوانات بالظبط، وقالها لو قولتي لحد هقطع لسانك، وهي مكنتش هتقول، بس شوفتها وهي بتحط كريمات وشكيت، وفضلت اتحايل عليها حكت لي _يعني هو سادي هزت رأسها وقالت ومش بس كدا، مالوش في الجواز شردت جيهان بكلماتها، وتذكرت حديثه عن خديجة _حلوة اوي اخت خالد، هي مرتبطة سألته _ليه بدور على عروسة ولا ايه صمت للحظات ثم اجاب، لو هي اه ليه مااتجوزش ولكنها رفضت قائلة _بس هي مش بتفكر في الجواز دلوقتي، تمتمت بها، رافضة زواج خديجة منه لغناه الفاحش، ولكن بعدما استمعت الى كلمات اخيها، بدأت تفكر بحديثه خرجت من شرودها على كلمات صباح _جيهان قولي للبنت دي ترفضه، بس من غير اسباب، حرام بنت تتجوز واحد زي دا نهضت وهي تهز رأسها _اه طبعا هقولها متقلقيش نهضت تقف بمقابلتها _اوعي الكلام اللي قولته يطلع برة، دا لو عرف معرفش ممكن يعمل ايه، كفاية على جوز امي ربتت على كفتها قائلة _متقلقيش حبيبتي، انا نسيت اصلا، كان لازم اسأل عليه، البنت يتيمة حرام خرجت جيهان من ذكرياتها على صوت خالد _مروان رفض اروح ابات معاه، قالي ميقلقش، ولو فيه حاجة هيتصل خرجت من غرفة خديجة واتجهت للخارج _متكلمنيش ولا لسانك يخاطب لساني، وتنام هنا في بيت امك، وانا هطلع شقتنا _بتقولي ايه ياجهان اتجننتي دفعته بعيدا عنها، وتصنعت البكاء بدلال _ابعد ياخالد، بعد الحب دا كله تشك فيا _جيهان اعقلي... ايه اللي بتقوليه دا دلفت لداخل المطبخ _هسبلك الاكل في المطبخ، بس ميهنش علي تفضل من غير اكل دلف خلفها وقال _جيهان مش قصدي، خديجة صعبت علي دفعته للخارج واشارت _طب روح لها، انا مستحيل اسامحك على شكك في _جيهان... هنا ارتفع رنين هاتفه، فخرج للرد، اتجهت الى المطبخ، واخرجت الحبوب التي تضعها له، وهي تقول _مااشوف يااستاذ خالد هتقضي الليلة ازاي وانت بعيد عني وضعت الطعام على سرفيس، وحملته للخارج، وضعته على الطاولة، في نفس اللحظة التي انهى الاتصال بها التفت اليها نظر للطعام ثم اليها _حمام كمان... ليلتنا فل إن شاءلله _لا ياحبيبي... كنت عاملة منه لاختك، وانا اللي مهتمية بيها، وشوف في الاخر عملت ايه سحبها من خسرها _يابت متبقيش قلبك اسود كدا جلس وجلست فوق ساقيه تطعمه الى أن انتهى، نظرت اليه وبدأت تتدلك عنقه بدلال، ثم طبعت قبلة وفوق شفتيه _تصبح على خير ياخلودتي قالتها ونهضت من فوق ساقيه متجهة الى غرفة خديجة، واغلقتها على نفسها _هشوف انا ولا انت ياخالد، مين اللي هيقدر على التاني عند خديجة وصلت الى المنزل الذي يقطن به مروان، دلفت للداخل، وشعرت بقبضة قوية تعتصر فؤادها دارت عيناها بالمكان، حتى وقعت على وقوفه وهو يضع كفوفه بجيب بنطاله وقالت _اوضتي فين اقترب منها وهو على حاله _اوضتك، هو فيه عروسة تبات ليلة فرحها بعيد عن جوزها استدارت اليه بكامل جسدها _انا اتفقت معاك، اديني وقتي لحد مااخد عليك، وانت وافقت _وقت قد ايه ياخديجة ارتبكت تسحب عيناها منه وقالت _معرفش... وقت مااحس بالامان معاك هز رأسه واشار الى الغرفة _تمام... خدي وقتك، الاوضة اللي على اليمين حملت حقيبتها وقالت _شكرا بقلم سيلا وليد مضى شهرا والحال كما هو، سوى افاقة والدتها من الغيبوبة، كانت تجلس بجوارها تطعمها الطعام الذي سمح به الطبيب، رغم حزن خديجة على زواجها، الا أن استيقاظ والدتها كان النور الذي اضاء حياتها مرة اخرى مررت وجهها على وجه والدتها الشاحب _حمد الله على سلامتك يااغلى من حياتي دمعة نزلت من أعين فاتن على الحزن الذي سكن أعين ابنتها، حاولت أن تنطق ولكنها فقدت النطق انحنت خديجة تقبل كفيها _مش مهم، المهم انك قدام عيوني ياماما، المهم حضنك الدافي قالتها وهي تتسلل الى أحضانها، فتحت جيهان باب الغرفة _جوزك وصل، يلا مش عايز يقعد رفعت فاتن نظرها اليها، اقتربت تطبع قبلة فوق جبينها _بكرة الصبح هاجي لك، وهفضل طول اليوم معاكي رفعت كفها بصعوبة تلمس يد ابنتها، لتنحني خديجة مرة اخرى تقبلها، ثم تحركت وعيناها على والدتها الى أن اختفت خلف الباب، توقفت أمام الممرضة التي تراعي والدتها بمنزلها _امي لو حصلها حاجة هموتك، سمعتيني جلست جيهان تتناول الفاكهة وهي تهز ساقيها _اسمعي كلام المدام، اصلها بتدفع الغالي اوي كل ليلة علشان تخدمي امها، مش بقيتي مدام برضه قالتها بضحكة صاخبة لم ترد عليها، تحركت للخارج مع اصوات الزغاريد التي تخرج من منزل عبد الرحمــــــــن، للحظة شعرت بأن انفاسها تسحب منها، الى أن استمعت احد الجيران _ألف مبروك ياعمر، الف مبروك يابني، عقبال الشهادة الكبيرة يارب خرجت حسناء ترد عليها _الله يبارك فيكي ياحبيبتي، تسلميلي ياام محمد _مبروك ياحسناء، عقبال لما تفرحي برجوع عوف يارب وقعت أعين حسناء على وقوف خديجة أمام سيارة مروان... رفعت عيناها الى حسناء التي دلفت للداخل واغلقت النافذة تحركت الى باب السيارة، وصعدت دون حديث... جلست بجواره في السيارة _هنسافر القاهرة الليلة، سبوع بنت اختي _مقدرش اسيب ماما كدا واروح في حتة قبض على ذراعها بعنف _ماهو علشان تصرفي على امك هتسافري معايا، ومش عايز الحجاب والقرف دا، بعت اجب لك فساتين، البسيها، _دا على ج/ثتي سمعتني _تمام... نروح ونشوف موضوع ج/ثتك دا انكمشت على نفسها بالسيارة ودمعت عيناها تنظر للخارج بعد خمس سنوات... خرجت خديجة من مدرستها بخطواتٍ تكاد تلامس الأرض من فرط سعادتها.... بقلم سيلا وليد اليوم لم يكن يومًا عاديًا... اليوم حصلت على الترقية التي تعبت من أجلها طويلًا، وسمعت أخيرًا كلماتٍ ظلت تتمنى سماعها منذ سنوات؛ كلمات جعلت قلبها يرفرف كأنها استعادت جزءًا من نفسها كانت قد أضاعته الأيام. ابتسمت لنفسها وهي تسير، ثم أخذت نفسًا عميقًا. كانت سعيدة...سعيدة جدًا. وللمرة الأولى منذ زمن، شعرت أن الحياة تمنحها شيئًا دون أن تنتزع منها شيئًا في المقابل. وصلت إلى الشارع الذي تقطن به، وما إن خطت خطوات قليلة حتى توقفت فجأة. صوت طفلة صغيرة اخترق المكان، وهي تبكي بحرقة وتنادي: _بابا... بابا التفتت خديجة، فرأتها تقف وحدها بجوار الرصيف، تمسح دموعها بقبضتيها الصغيرتين، وتلتفت حولها في خوف. اقتربت منها خديجة وانحنت أمامها، محاولة أن ترسم ابتسامة مطمئنة على وجهها. _الجميل بيعيط ليه؟ رفعت الصغيرة عينيها إليها، فازدادت شهقاتها. _عايزة بابا... بابا. تبدلت ملامح خديجة قليلًا، وجلست على ركبتيها أمامها، ثم أمسكت كفيها الصغيرتين بين يديها، وراحت تقبلهما بحنان. _طب بابا فين اشارت بيدها الصغيرة الى كل الاتجاهات،بضياع... مسحت خديجة دموعها ثم نظرت اليها باابتسامة حنونة _ الجميلة اسمها إيه؟ _سيليا. توقفت خديجة للحظة. _سيليا... _الله على جمال الأسم ابتسمت لها رغمًا عنها، وسألتها: _وبابا اسمه إيه يا سيليا؟ وقبل أن تجيب الصغيرة، جاءها صوت من خلفها... صوتٌ تعرفه... صوتٌ لو مرَّ عليها وسط آلاف الأصوات، لعرفته. _سيليا... تجمدت خديجة.. لم تتحرك. كأن جسدها فقد القدرة على الاستجابة. أما الطفلة، فما إن سمعت الصوت حتى رفعت رأسها، ثم أفلتت كف خديجة وركضت نحوه وهي تبكي: _بابا... بودي! تسارعت أنفاس خديجة. لا...مستحيل. استدارت ببطء شديد، وكأنها تخشى أن تصدق عيناها ما يخبرها به قلبها.... بقلم سيلا وليد كان هناك...عبد الرحمن. واقفًا خلفها، بأنفاسٍ متقطعة، وشعره مبعثر قليلًا، وملامحه تحمل آثار خوفٍ واضح... يبحث عن طفلته بجنون. خمس سنوات... خمس سنوات كاملة لم ترَ فيها وجهه. خمس سنوات حاولت خلالها أن تقنع قلبها بأنه صار ماضيًا، وأن اسمه لم يعد يعني لها شيئًا. لكن قلبها...بمجرد أن رأته، فضح كل الأكاذيب التي أخبرتها بها طوال تلك السنوات. ركضت سيليا إليه، فانحنى سريعًا وحملها بين ذراعيه، يضمها إلى صدره ويقبل رأسها بعصبية ممزوجة بالخوف. _كده تنزلي من غير ما تعرفيني؟! مين جابك هنا يا سيليا؟ رفعت الصغيرة يدها وأشارت خلفه بحماس بريء: _الآنطي دي. ابتسم عبد الرحمن تلقائيًا، وما زال يحتضن طفلته. _الآنطي دي؟ ثم استدار... وفي اللحظة التي وقعت فيها عيناه عليها...توقف كل شيء. لم يعد هناك شي يسمع او يراه، انقطع النفس ولم يشعر بنفسه، وهو يراها أمامه هي.خديجة. وقف ساكنًا، وكأن السنوات الخمس لم تكن سوى لحظة واحدة انقضت بين غمضة عين وفتحها. تعلقت عيناه بملامحها التي تغيرت قليلًا، لكنها ما زالت هي... بنفس العينين اللتين ظلتا تطاردانه في لياليه، وبنفس الملامح التي حاول بكل قوته أن يدفنها في ذاكرته، فلم يستطع. أما خديجة، فظلت واقفة مكانها. لم تستطع حتى أن تبتلع ريقها. كانت تحدق فيه وكأنها أمام حلمٍ تخشى أن تفتح عينيها فتستيقظ منه. ثم هبط بصرها ببطء إلى الطفلة التي بين ذراعيه.ابنته.. ارتعشت شفتاها. وعاد بصرها إليه. التقت عيناهما من جديد... وفي تلك اللحظة، لم تحتج خديجة إلى سؤال.. فملامحه كانت تقول كل شيء. كل الوجع.. كل الاشتياق. كل ما أخفاه خلف سنوات الغياب. وكل ما لم يمت بينهما رغم مرور السنوات. أما هو، فظل ينظر إليها بصمت، وكأن أول سؤال مرَّ في قلبه لم يكن كيف استطعتِ أن تعيشي كل هذه السنوات... وأنا لم أستطع أن أنساكِ يومًا واحدًا؟