"رواية الكاتبة ملك إبراهيم... صاحبتها قالت لها على المستشفى الكبيرة اللي بتعمل عمليات قلب للأطفال.. دخلت المستشفى وفي ايديها ملف حالة أخوها اللي عمره 8 سنين ومحتاج عمليه ضروري وهما مش قادرين على حق العملية." المستشفى كانت كبيرة أوي، كبيرة لدرجة تخوف.. ازاز بيلمع من بره، وتكييف ساقع من جوه، وريحة نضافة غالية.. ريحة الناس الأغنياء.. ليلى كانت ماشية في الريسبشن وهي حاسة انها غريبة، حتة قماشة قديمة وسط فستان حرير. كانت لابسة بلوزه باهتة من كتر الغسيل وجيبة سودا بسيطة مغسولة كذا مرة لحد ما لونها بهت، طرحة سودا مربوطة بسرعة وكام خصلة من شعرها الأسود الناعم طالعة منها غصب عنها، في ايديها ملف بلاستيك قديم ماسكاه كأنه روحها، وشنطتها القماش دايبه على كتفها.. وشها رقيق ، عينيها واسعة وعسلي فاتح بس تحتها سواد من قلة النوم والعياط، شفايفها ناشفة وبتترعش. وقفت قدام موظفة الاستقبال اللي كانت قاعدة بمنتهى الشياكة، لابسة يونيفورم أبيض مكوي وميكب كامل، بتبص لها من فوق لتحت بصة فيها قرف مستخبي. "لو سمحتي.. المستشفى بتاعكم دي بتعمل عمليات قلب للأطفال مجانا صح؟" قالتها ليلى بصوت واطي بس مليان أمل، أمل أخير متعلق في الكلمة. الموظفة رفعت حاجبها ببرود وهي بتلعب في ضوافرها الطويلة: "مش لكل الحالات.. الحالات اللي محتاجة العملية ضروري.. وغير قادرين" قالتها بنبرة موظفة حافظة كلمتين وبتسمعهم لكل الناس. ليلى فتحت الملف بسرعة وايدها بتترعش، طلعت الأشعة والتحاليل وحطتهم قدامها: "أخويا عنده 8 سنين.. عنده مشكله في القلب والدكاترة قالوا لازم عملية في أسرع وقت وإلا قلبه مش هيستحمل.. أنا معيش فلوس العملية بره.. قالولي هنا بتعملوها ببلاش" قالتها وعينيها بدأت تلمع بالدموع، كانت بتحاول تمسك نفسها بس صوتها كان بيتكسر. الموظفة خدت الورق وبصت عليه بصة سريعة مستعجلة من غير ما تقرا: "تمام.. قدمي ملف الحالة عشان ياخد دور" قالتها ورجعت الورق تاني بقلة اهتمام. ليلى بلعت ريقها وحست بقلبها بيقع: "والدور ده ممكن ييجي امتى؟" سألتها وهي ماسكة في طرف الملف جامد. الموظفة بصت لها ببرود أبرد من تكييف المستشفى كله، وابتسامة صفرا على وشها: "يمكن شهر.. اتنين.. سنة.. عشرة.. على حسب دوره" قالتها وهي بترجع تبص في الكمبيوتر كأن اللي قدامها مش بني آدمه بتموت من الخوف على أخوها. الدم غلي في عروق ليلى، وشها الأبيض احمر مرة واحدة، عينيها العسلي وسعت من الغيظ: "نعم؟؟ عشرة؟؟ هو انتي بتتكلمي عن بني آدم ولا عن لعبة مفيهاش روح؟؟ أخويا بيموت وانتو تقولولي دور؟؟" زعقت فيها، صوتها طلع عالي وكل الناس في الريسبشن بقت تبص عليها. الموظفة اتعدلت في قعدتها ورفعت صوتها هي كمان: "لو سمحتي وطي صوتك.. ده نظام المستشفى ومش أنا اللي حطاه" قالتها بحدة. ليلى ما استنتش تسمع باقي الكلام، لمت ورقها بعنف وحطته في الملف وحست ان الدنيا بتلف بيها.. ده كان آخر أمل ليها، باعت حلقها القديم، واستلفت من طوب الأرض، وآخر حاجة اتقال لها انها تستنى دور ممكن ييجي بعد ما أخوها يموت.. مشيت بخطوات سريعة ناحية الأسانسير وهي بتجز على سنانها: "أنا هطلع للمدير بتاعكم.. لازم أشوف حل عشان أنقذ اخويا". دخلت الأسانسير ودموعها اللي كانت حابساها نزلت غصب عنها مرة واحدة.. كانت بتعيط بصوت مكتوم، جسمها بيترعش، ماسكة الملف وحضناه كأنه كريم أخوها : "يا رب.. يا رب ما تسيبنيش..يارب أخويا يخف.. انا مليش غيره" كانت بتقول لنفسها وهي بتمسح دموعها بكف ايديها. وفجأة باب الأسانسير اتفتح ودخل راجل طويل.. طويل أوي، لابس بادلة شكلها غالي.. وقميص أبيض نضيف ومتعطر بريحة غالية هادية، بنطلون اسود، وساعة شكلها غالي في ايده.. وشه كان وسيم بطريقة تخض، دقنه خفيفة مترتبة، وشعره اسود متسرح لورا، بس عينيه.. عينيه كانت بني غامق وهادية أوي، هادية بزيادة.. كان باين عليه ابن ناس أوي، من الناس اللي عمرهم ما عرفوا يعني ايه قلة فلوس. هو استغرب أول ما شافها.. بنت صغيرة بتعيط ومنهارة لوحدها في الأسانسير، لبسها قديم وباهت بس نضيف، وعينيها حلوة أوي حتى وهي مليانة دموع.. فضل واقف بعيد شوية وباصص لها بفضول هادي. ليلى ما خدتش بالها ان في حد معاها، كانت بتكلم نفسها بصوت عالي من كتر الغضب والقهر: "لما أشوف المدير بتاعهم ده هيقول ايه هو كمان.. أكيد هيكون أبرد من الموظفين بتوعه.. وقاعد طبعا في التكييف وكرشه مدلدل قدامه.. وهيقولي نفس الكلام اللي البنت الصفرا اللي تحت قالته" قالتها وهي بتجز على سنانها وبتعيط في نفس الوقت. سليم اللي واقف وراها رفع حاجبه بدهشة، أول مرة حد يوصفه بالوصف ده.. كرشه مدلدل؟ هو بيلعب جيم كل يوم وطوله 185 سم وجسمه رياضي.. كتم ضحكة كانت هتطلع منه غصب عنه. وفجأة صوتها اتحول، الغضب راح وبقى حزن.. حزن كبير أوي، حزن واحدة شايلة هم أكبر منها: "بس مش مهم.. كله يهون عشان خاطر كريم.. لو هيخليني أبوس ايده هبوسها.. المهم كريم يعيش" قالتها وهي بتمسح دموعها وبتاخد نفس عميق بيوجع صدرها. سليم سكت.. الكلمة لمسته.. حس بصدقها.. البنت دي مش جاية تتمنظر ولا تشحت، دي جاية عشان أخوها تعبان بجد. الاسانسير وقف والدور اتفتح.. سليم خرج بخطوات واثقة هادية، وليلى خرجت وراه وهي لسه بتمسح وشها وبتبص حواليها تايهة.. المكان كان هادي وطرقة طويلة كلها مكاتب ازاز.. جريت وراه شوية: "لو سمحت هو مكتب المدير بتاع المستشفى دي فين؟" سألته بصوت لسه مخنوق من العياط. سليم وقف ولف لها.. بص لها كويس أوي المرة دي.. بص لوشها اللي من غير ميكب بس حلو زي القمر، لعينيها اللي حمرا من العياط، وللملف اللي ماسكاه كأنه كنز: "عايزة المدير ليه؟" سألها بهدوء، صوته كان عميق وهادي ويريح القلب. ليلى بصت له بحزن الدنيا كله: "أخويا تعبان وحالته صعبة.. والناس اللي في المستشفى دي باردين ومعندهمش احساس.. الموظفة تحت بتقولي أخوكي ياخد دور ويمكن يستنى سنة أو أكتر.. أخويا حالته صعبة ولازم العملية.. أنا مليش غيره.. ده ابني مش أخويا" قالتها وعينيها رجعت تدمع تاني، كانت بتبص له كأنه آخر قشاية ممكن تتعلق بيها. سليم مد ايده بهدوء: "ممكن أشوف ملف الحالة؟" طلب منها بذوق. ليلى رجعت خطوة لورا وبصت له من فوق لتحت بشك، ضمت الملف لصدرها: "وهو حضرتك مين؟" سألته بنبرة دفاعية، هي اتعلمت متديش ثقة لحد بسهولة. سليم ابتسم.. ابتسامة صغيرة جانبية خلت وشه الوسيم أحلى بكتير: "انتي بجد مش عارفة أنا مين؟" سألها وهو حاطط ايده في جيبه. ليلى هزت راسها بدهشة حقيقية: "اه بجد مش عارفة! هو حضرتك حد معروف يعني؟" قالتها ببراءة خلته يضحك غصب عنه. سليم هز راسه وقال بكل هدوء وثقة: "أنا مدير المستشفى اللي انتي عايزاه" قالها وهو باصص في عينيها مباشرة. ليلى بصت له ثانية وبعدين ضحكت ضحكة قصيرة مليانة عدم تصديق، مسحت دمعة نزلت: "لا طبعا.. مدير المستشفى أكيد راجل تخين وبكرش" قالتها بمنتهى الثقة والبراءة، كانت متخيلة المدير راجل عجوز تخين وقاعد بيشرب شاي اخضر بالنعناع وينسون دافي. سليم بص لها بهدوء، الابتسامة لسه على وشه بس عينيه لمعت بتحدي خفيف.. ما ردش عليها.. لف واتحرك من قدامها بخطوات ثابتة ودخل مكتب كبير في آخر الطرقة، باب ازاز مكتوب عليه "د. سليم نصار - مدير المستشفى". ليلى وقفت مكانها متنحة، وبعدين قربت من ممرضة كانت معدية، لابسة يونيفورم بينك وشكلها طيبة: "لو سمحتي.. هو مدير المستشفى موجود؟" سألتها وهي بتبص على باب المكتب اللي الراجل دخله. الممرضة بصت ناحية المكتب وابتسمت: "لسه واصل حالا.. دكتور سليم اللي كان واقف مع حضرتك" قالتها بفخر كأنها بتتكلم عن بطل قومي. ليلى شهقت.. شهقة طلعت من قلبها، حطت ايدها على بوقها وعينيها برقت بصدمة: "هو مدير المستشفى بجد؟" قالتها بصوت واطي مصدوم. الممرضة ضحكت: "هو صاحب المستشفى .. وأشطر دكتور قلب في البلد كلها.. ده اللي بيعمل العمليات الصعبة اللي محدش بيعرف يعملها" قالتها ومشيت. رواية سليم وليلى بقلمي ملك إبراهيم. ليلى فضلت واقفة مكانها متجمدة.. وشها اللي كان أحمر من العياط بقى أبيض شاحب.. يا نهار اسود.. هي قالت عليه ايه؟ قالت عليه بكرش؟ وكرشه مدلدل؟ وقاعد في التكييف؟ يا لهوي.. الأرض تتشق وتبلعها دلوقتي أهون.. حست انها عايزة تجري وتسيب المستشفى كلها وتمشي، بس افتكرت كريم.. كريم اللي مستنيها في البيت وتعبان ومش قادر ياخد نفسه. في نفس اللحظة، باب المكتب الازاز اتفتح تاني.. سليم كان قاعد على مكتبه الفخم، قلع الجاكت وبقى بالقميص الأبيض، ماسك ملف.. كان بيقرا فيه بتركيز شديد، حواجبه معقودة.. وبعدين رفع عينيه وبص لها من ورا الازاز.. وشاور لها بإيده بهدوء: "تعالي". ليلى قلبها كان بيدق بسرعة.. حست ان رجلها مش شايلاها.. هتدخل ازاي بعد الكلام اللي قالته؟ هتبص في وشه ازاي؟ بس ده كريم.. عشان خاطر كريم هتدخل حتى لو هيطردها. أخدت نفس عميق واتحركت ناحية المكتب، كل خطوة كانت بتقول: "يا رب استر.. يا رب استر". مد ايده لها وقال:"الملف " حطت الملف قدامه وهي مكسوفة من الموقف كله. سليم مسك الملف في ايده وبيبص فيه بنظرة سريعة بس نظرة دكتور شاطر بيلقط كل حاجة من أول مرة.. عينيه كانت بتتحرك بسرعة على الأشعة، على كلام الدكاترة اللي كاتبين ان حالة الطفل حرجة، ثقب كبير ولازم تدخل جراحي فوري: "هو أخوكي صح؟" سألها وهو رافع عينه ليها، صوته لسه هادي بس المرة دي كان فيه جدية. ليلى كانت واقفة قدامه متوترة أوي، ايديها بتلعب في طرف طرحتها، مش قادرة تبص في عينيه من الكسوف بعد اللي قالته عليه بره: "آه" هزت راسها بـ آه، كلمة صغيرة بس طالعة من قلبها بوجع، آه أخويا، ملوش غيري ، هو كل حاجة ليا في الدنيا. سليم قفل الملف وحطه على المكتب قدامه، وبص لها بصة طويلة.. كان شايف بنت صغيرة أوي على الهم اللي شايلاه، ملابسها دايبة بس عينيها فيها قوة غريبة، قوة أم مش أخت: "تقدري تجيبيه المستشفى دلوقتي.. لازم أعمله إشاعات وتحاليل هنا الأول" قالها بنبرة عملية، نبرة دكتور متعود يدي أوامر وان الكل يسمعها. ليلى رفعت وشها فجأة، عينيها العسلي لمعت بخوف وتوتر، الخوف بتاع الفلوس، الخوف اللي اتربت عليه طول عمرها.. الفقر بيعلم الواحد يسأل عن تمن كل نفس بيتنفسه: "والإشاعات والتحاليل دي بفلوس ولا مجانا هنا تبع العملية" قالتها بسرعة وتردد، صوتها واطي ومكسوف كأنها بتشحت، ايديها اتشبكت في بعض جامد. سليم فهم نظرتها في ثانية.. النظرة دي شافها كتير في عيون الأهالي الغلابة اللي بييجوا المستشفى، نظرة الخوف من الفاتورة قبل الخوف من المرض.. قام من على الكرسي بتاعه، كان طويل وعريض والبدلة اللي لابسها متفصلة عليه، قرب خطوتين ناحية الازاز اللي بيبص على المستشفى كلها: "على حساب المستشفى.. بس يكون هنا في خلال ساعتين بالكتير متتأخريش" رد عليها وهو مديها ضهره، قالها كأنه بيقول حاجة عادية مش مستاهلة شكر، بس صوته كان حنين من غير ما يقصد. ليلى حست بقلبها هيقف من الفرحة، أول مرة من شهور تحس ان في باب اتفتح، ان في أمل بجد مش كلام موظفين: "يعني ممكن تعملوا لـ كريم العملية قبل سنة؟" بصت له بأمل، عينيها بتلمع وشفايفها بتترعش، كانت عاملة زي طفلة صغيرة مستنية حد يقولها متخافيش.. اطمني انتي مش لوحدك. سليم لف لها تاني، سند بايده على المكتب وبص لها بهدوء.. كان شايف لهفتها، شايف ازاي روحها كلها متعلقة في الرد بتاعه: "هاتيه نعمله التحاليل والإشاعات ونحدد" رد بهدوء، مقالش آه ومقالش لأ، قالها بطريقة دكتور فاهم انه مينفعش يدي وعد قبل ما يشوف الحالة بعينه. بس ليلى مش محتاجة أكتر من كده.. كلمة "هاتيه" لوحدها كانت بالنسبة لها حياة.. اتحركت بحماس، كأن حد اداها طاقة، مسكت شنطتها بسرعة: "حاضر.. هجيبه حالا لحضرتك" قالتها وهي بتجري ناحية الباب، طرحتها طايرة وراها، نسيت حتى تقول شكرا من كتر ما هي طايرة من الفرحة، كانت بتسابق الحياة نفسها. وخرجت بسرعة من المكتب وكأنها بتسابق الزمن.. سابت ريحة خفيفة وراها، ريحة عطر رقيق.. لكن واضح انه رخيص من بتاع الناس الغلابة ، ريحة فضلت في مكتب سليم بعد ما مشيت. رواية سليم وليلى بقلمي ملك إبراهيم. سليم سند ضهره على الكرسي الجلد الغالي وهو بيبص قدامه بتفكير.. الكرسي كان كبير وبيلف، والمكتب كان واسع وازاز بيبص على النيل، بس هو مكنش شايف النيل.. كان شايف وشها.. وش البنت اللي قالت عليه بكرش.. افتكر ازاي كانت بتعيط في الأسانسير، وازاي كانت بتقول كله يهون عشان خاطر كريم.. وازاي عينيها كانت حمرا وبتلمع.. بس لسه حلوة. مسك الملف تاني وفتحه، كان فيه صورة لكريم.. ولد صغير 8 سنين، وشه شاحب وعينيه شبه عيون ليلى بالظبط.. حس بغصة في قلبه.. هو متعود على حالات القلب، متعود يشوف أطفال بتموت، بس المرة دي كان مختلف.. يمكن عشان شاف أخته وهي بتحارب الدنيا لوحدها. قام وقف مرة واحدة وداس على زرار الانتركم: "دكتورة سما.. تعاليلي المكتب حالا" قالها بنبرة آمرة. بعد دقيقتين الباب اتفتح ودخلت دكتورة سما.. كانت داخلة كأنها داخلة عرض أزياء مش مستشفى.. لابسة بالطو أبيض مفتوح وتحته فستان اسود قصير شيك أوي، شعرها الأشقر معمول بيبي ليس وريحتها برفان قوي مالي المكان، كعبها عالي بيطقطق على الأرض الرخام.. وشها حلو بس مليان ميكب، وعينيها الخضرا بتبص لسليم بصة كلها حب وتملك. كانت بنت من عيلة غنية أوي، باباها صاحب أكبر شركة أدوية، ومامتها صاحبة مامت سليم، متربية ان كل حاجة عايزاها بتاخدها: "سليم.. عايزني ؟" قالتها بدلع وهي بتقرب منه وبتقعد على طرف المكتب بتاعه، بتحاول تبين رجليها. سليم بعد عنها خطوة لا إرادية، هو مبيحبش ريحتها القوية ومبيحبش طريقتها: "الحالة دي هتيجي كمان ساعتين.. ولد 8 سنين ثقب في القلب.. عايزك تجهزي أوضة وتجهزي كل التحاليل والإشاعات.. وهاتيلي دكتور تخدير شاطر يكون جاهز لو احتاجته في اي وقت" قالها وهو بيديها ملف كريم. سما خدت الملف ببرود وبصت عليه بقرف خفيف، قلبت فيه بسرعة: "حالة مجاني تاني؟ يا سليم انت هتقلب المستشفى جمعية خيرية ولا ايه؟ كل يوم حالة ببلاش.. بابي بيقولي المستشفى بتخسر بسبب الحالات دي" قالتها وهي بتلوي بوقها، كانت بتبص للملف كأنه حاجة مقرفة. سليم بص لها بصة باردة، البصة اللي بتخلي كل الدكاترة تخاف منه: "المستشفى بتاعتي وأنا حر أعمل اللي أنا عايزه.. اعملي اللي قولتلك عليه يا دكتورة سما" قالها بنبرة حادة خلت وشها يحمر. سما قامت وقفت وعدلت فستانها بغيظ: "حاضر يا دكتور سليم" قالتها بغيظ مكتوم، وخرجت وهي بتطقطق بكعبها جامد، رزعت الباب وراها. سليم رجع قعد على الكرسي وتنهد.. كان عارف ان سما بتحبه، وكل العيلتين عايزين يجوزوهم لبعض، بس هو عمره ما شافها أكتر من زميلة متعجرفة.. هو عايز واحدة طبيعية.. واحدة زي.. وسكت.. زي مين؟ زي البنت اللي قالت عليه بكرش؟ ضحك ضحكة صغيرة لوحده......بقلمي ملك إبراهيم.. يتبع في الجزء الثاني "الفصل الثاني رواية الكاتبة ملك إبراهيم... سليم رجع قعد على الكرسي وتنهد.. كان عارف ان سما بتحبه، وكل العيلتين عايزين يجوزوهم لبعض، بس هو عمره ما شافها أكتر من زميلة متعجرفة.. هو عايز واحدة طبيعية.. واحدة زي.. وسكت.. زي مين؟ زي البنت اللي قالت عليه بكرش؟ ضحك ضحكة صغيرة لوحده. في الوقت ده ليلى كانت بتجري في الشارع.. كانت بتجري بجد، طرف الجيبه بتتكعبل فيها ورجليها بتوجعها من الجري، الشمس كانت حامية أوي فوق دماغها بس هي مش حاسة.. كانت حاسة بس انها لازم توصل لكريم بسرعة. وصلت الحارة بتاعتهم، حارة ضيقة وبيوت قديمة، ريحة طبيخ طالعة من كل البيوت وصوت عيال بتلعب كورة.. طلعت السلم القديم المكسر وهي بتنهج لحد ما وصلت شقتهم.. شقة صغيرة أوي أوضتين وصالة، الحيطان مقشرة والعفش قديم بس نضيف ومترتب. فتحت الباب: "كريم.. يا كريم" نادت بصوت عالي. كريم كان قاعد على الكنبة الصغيرة، ولد صغير جسمه ضعيف أوي ووشه أصفر شاحب، لابس تيشرت واسع عليه وشعره نايم على وشه، بس عينيه شبه عيون أخته بالظبط، أول ما شافها ابتسم ابتسامة تعبانة: "ليلى.. جيتي؟" قالها بصوت واطي بينهج. ليلى جريت عليه حضنته جامد، حضن أم بتحضن ابنها، شمت ريحته: "أيوه يا حبيبي جيت.. يلا قوم البس هنروح المستشفى.. الدكتور وافق يشوفك حالا" قالتها وهي بتعيط وبتضحك في نفس الوقت. كريم بصلها بخوف: "هينفع أروح للدكتور من غير فلوس يا ليلى ؟" سألها وهو عارف ان معهمش فلوس. ليلى مسكت وشه الصغير بين ايديها وباسته من خده: "متخافش يا قلب ليلى.. الدكتور قالي هتدخل المستشفى ببلاش.. والله ببلاش.. يلا قوم" قالتها وهي بتساعده يقوم، جسمه كان خفيف زي الريشة. لبسته قميص نضيف كانت كوياه من امبارح، وسرحت له شعره، وخدت الملف التاني اللي فيه اول تذكرة كشف والبطاقة وكل حاجة.. ونزلت بيه وهي سنداه.. كانت ماشية بيه في الشارع كأنها شايلة الدنيا كلها على كتفها.. وقفت توك توك بالعافية بآخر فلوس في جيبها. طول الطريق كريم كان ساند راسه على كتفها وتعبان: "أنا تعبان أوي يا ليلى" قالها بصوت واطي. ليلى حضنته أكتر ودموعها نزلت على طرحتها: "معلش يا حبيبي.. هنوصل حالا والدكتور الشاطر هيخففك إن شاء الله .. هتبقى كويس وتلعب كورة مع العيال" قالتها وهي بتبوس راسه وبتحاول تطمنه وتطمن نفسها. والتوك توك كان بيجري بيهم ناحية المستشفى الكبيرة.. ناحية سليم.. ناحية آخر أمل. رواية سليم وليلى للكاتبة ملك إبراهيم. ليلى وصلت المستشفى وهي سانده كريم.. كانت سنداه بكل قوتها وهو حاسس بضعف وتعب.. جسمها كان واجعها وكأنها بتسابق الزمن عشان تنقذ حياة أخوها، وعرقها نازل على وشها من الحر والجري، طرحتها اتفكت شوية وشعرها طالع منها، ولبسها اتبهدل من التوك توك.. بس هي مكانتش شايفة كل ده.. كانت شايفة بس باب المستشفى الازاز اللي بيلمع. دخلت الريسبشن وهي بتنهج، كريم ساند على كتفها ووشه أصفر وشفايفه بيضا: "لو سمحتي.. أنا طالعة مكتب المدير.. دكتور سليم هو اللي قالي أجيب أخويا وآجي بسرعة" قالتها للموظفة اللي كانت قاعدة.. هي نفس الموظفة الصفرا بتاعة الصبح، قالتها بصوت عالي من النهجان والأمل. الموظفة بصت لها من فوق لتحت، وبصت لكريم اللي هدومه قديمة ووشه تعبان، ورفعت حاجبها بقرف: "مكتب المدير؟ ممنوع يا حبيبتي.. المدير مش بيقابل أي حد كده وخلاص.. روحي خدي دور زيك زي غيرك" قالتها ببرود وهي بترجع تبص في الكمبيوتر. ليلى حست بالدم بيغلي في وشها تاني: "بقولك الدكتور سليم اللي قالي.. هو اللي طلب يشوفه.. ابعدي عن طريقي" قالتها وهي بتحاول تعدي من جنب الريسبشن، صوتها بدأ يعلى غصب عنها. الموظفة وقفت: "يا أمن.. يا أمن" نادت بصوت عالي. الصوت العالي لفت نظر تلاتة كانوا واقفين الناحية التانية.. دكتورة سما كانت واقفة بتتكلم مع اتنين دكاترة رجالة، لابسة البالطو الأبيض المفتوح على فستانها الأسود القصير، شعرها الأشقر بيلمع تحت نور المستشفى، وضحكتها عالية ومتعجرفة.. أول ما سمعت الصوت لفت وبصت. سما قربت منهم وهي ماشية بكعبها العالي اللي صوته بيخبط في الأرض، ايديها متشابكة قدام صدرها وبصة استحقار على ليلى من فوق لتحت: "ايه الدوشة دي؟ انتي مين ؟ مش قولتلكم اطردوا الأشكال دي من هنا؟" قالتها بصوت عالي مليان قرف. ليلى حضنت كريم أكتر كأنها بتحميه من كلامها: "أنا مش عاملة دوشة.. أنا جايبة أخويا عشان الدكتور سليم قاللي هاتيه" قالتها بصوت بيترعش بس بتحاول تمسك كرامتها. سما بصت لكريم بقرف واضح، كأنه حاجة مقرفة: "خدي الطفل ده واخرجي من هنا.. المستشفى دي مش ملجأ.. احنا هنا بنعالج ناس نضيفة بتدفع.. مش أي حد معدي من الشارع يدخل" زعقت فيها، صوتها كان عالي وكل اللي في الريسبشن بقوا يتفرجوا. كريم اللي كان ساند على أخته، سمع الكلام ووشه الصغير اتقبض.. حس انه السبب في إهانة أخته.. عينيه اللي شبه عيون ليلى دمعت فجأة: "ليلى.. يلا نمشي.. مش عايز حد يزعقلك بسببي؟" قالها بصوت واطي بيترعش، وبدأ يعيط عياط مكتوم يوجع القلب، كتفه الصغير بيتهز وهو حاطت إيديه على قلبه. ليلى قلبها اتقطع، نزلت لمستواه وباسته من راسه بسرعة: "لا يا حبيبي لا.. انت ملكش دعوة.. متعيطش" قالتها وهي بتمسح دموعه بايدها اللي بتترعش، بس هي نفسها عينيها اتملت دموع وبتحاول تحبسها. رواية سليم وليلى بقلمي ملك إبراهيم. حست بالإهانة.. إهانة كبيرة أوي.. إهانة الفقر اللي بتدوس على كرامة الواحد قدام الناس.. بصت لسما بعيون مليانة دموع وكرامة مجروحة: "أنا مش بشحت.. مدير المستشفى بنفسه اللي طلب مني أجيب أخويا وآجي بسرعة.. هو اللي قالي تعالي في خلال ساعتين" قالتها بصوت عالي بتحاول تدافع عن نفسها، صوتها كان بيترعش من العياط والقهر. سما ضحكت ضحكة عالية مستفزة، ضحكة واحدة متعجرفة شايفة نفسها فوق الكل: "دكتور سليم؟ سليم قالك كده؟ انتي بتحلمي يا حبيبتي.. سليم مش فاضي للأشكال دي.. المستشفى دي مش للفقرا.. روحي شوفي مستشفى حكومة تلمكم" زعقت فيها وهي بتشاور بايدها ناحية الباب، كأنها بتطرد قطة من الشارع. الكلمة نزلت على ليلى زي السكينة.. "مش للفقرا".. كريم شهق من العياط أكتر، وليلى كانت هترد بس صوتها اتحبس في زورها من كتر القهر. وفي اللحظة دي بالظبط.. باب الأسانسير اتفتح وخرج منه سليم.. كان سامع الدوشة من فوق ونازل بسرعة، لابس نفس القميص الأبيض ووشه مقلوب جدية.. أول ما شاف المنظر.. ليلى بتعيط وحاضنة أخوها الصغير اللي بيعيط، وسما واقفة بتزعق وبتشاور بايدها، والناس متجمعة. قرب منهم بخطوات سريعة ووشه بقى غامق من الغضب: "ايه اللي بيحصل هنا؟" سأل بصوت عالي هز الريسبشن كله، صوت آمر يخلي الكل يسكت. سما أول ما شافته غيرت وشها في ثانية، عملت وش البنت الرقيقة المظلومة: "يا سليم شوف البنت دي.. جايبة أخوها وجاية تشحت هنا وعاملة دوشة وبتقول انك انت اللي قلتلها تيجي.. وأنا بقولها تروح مستشفى حكومة" قالتها بدلع وهي بتحاول تمسك دراعه. ليلى بصت لسليم.. عينيها كانت حمرا ومليانة دموع وكرامة مجروحة.. كانت مستنية هيقول ايه.. هيطردها زي ما سما قالت؟ ليلى بصت لسما وبعدين لسليم ورفعت راسها رغم دموعها: "أنا مش بشحت.. أنا أخويا تعبان وانت اللي قولتلي هاتيه" ردت عليها بكرامة، صوتها مبحوح من العياط بس فيه قوة.. قوة بنت فقيرة بس عزيزة النفس. سليم ما بصش لسما خالص.. عينيه كانت على كريم.. شاف وش الولد الأصفر وشفايفه اللي بدأت تزرق.. دكتور القلب اللي جواه صحي فجأة. وفجأة كريم مسك صدره الصغير بايده: "ليلى.. مش قادر آخد نفسي" قالها بصوت واطي مخنوق، وبعدين بصلها بقهرة ووجع أكبر من سنه: "أنا مش عايز اتعالج هنا في المستشفى الوحشة دي.. يلا نمشي يا ليلى" قالها وهو بيعيط، قالها بقهرة طفل حاسس انه تقيل على أخته. ومكملش الكلمة.. شفايفه ازرقت مرة واحدة، وعينيه لفت لفوق، وجسمه الصغير ساب في حضن ليلى ووقع غايب عن الوعي. ليلى صرخت.. صرخة طلعت من قلبها هزت المستشفى كلها: "كريم.. كريم لا.. يا حبيبي قوم.. كريم" صرخت بصدمة وهي ماسكة وش أخوها بتهزه، ايديها بتترعش جامد ووشها بقى أبيض زي التلج، كانت بتبص حواليها كأنها بتدور على حد ينقذه. سليم اتحرك بسرعة البرق.. في ثانية كان جنبها على الأرض، مسك كريم وشاله بين ايديه كأنه ريشة، وشه اتحول لدكتور محترف بارد الأعصاب: "تروللي بسرعة.. أوضة الإنعاش حالا.. وممرضين بسرعة" زعق بصوت عالي آمر، صوته خلّى كل المستشفى تجري.....بقلمي ملك إبراهيم... يتبع في الجزء الثالث "رواية الكاتبة ملك إبراهيم.. سليم اتحرك بسرعة البرق.. في ثانية كان جنبها على الأرض، مسك كريم وشاله بين ايديه كأنه ريشة، وشه اتحول لدكتور محترف بارد الأعصاب: "تروللي بسرعة.. أوضة الإنعاش حالا.. وممرضين بسرعة" زعق بصوت عالي آمر، صوته خلّى كل المستشفى تجري. شال كريم وجري بيه ناحية الطوارئ، وليلى بتجري وراه وهي منهارة وبتبكي.. بتعيط بصوت عالي مش قادرة تمسك نفسها: "أخويا.. كريم إوعى تسيبني.. متعملش فيا كدا.. انا مليش غيرك في الدنيا " كانت بتجري وهي حاسه ان قلبها بينسحب منها.. دقات قلبها بقت تقيله ومش قادرة تتنفس من الخوف. وصلوا أوضة الكشف.. الدكاترة والممرضات دخلوا مع سليم وقفلوا الباب بسرعة ومنعوا دخول ليلى .. ليلى وقفت قدام الأوضة.. وقفت لوحدها في الطرقة الطويلة.. منهارة .. وبتعيط.. بتعيط بصوت مقهور يوجع القلب.. كانت حاطة ايدها على بوقها عشان تكتم صوت شهقاتها.. وكل شوية تبص على الباب المقفول وتقول: "يا رب.. يا رب انا مليش غيرك.. اشفي أخويا ومتحرمنيش منه يارب". سما أتحركت وراهم لكن ببطئ.. كانت واقفة بعيد بتبص بقرف وغيظ.. مش قادرة تفهم ليه سليم بيعمل كدا.. وكانت هتتجنن وهي شايفة سليم شايل الولد الفقير وبيجري بيه كأنه ابنه. نص ساعة عدت كأنها سنة.. نص ساعة وليلى واقفة مكانها متحركتش.. رجلها وجعتها من الوقفة بس مش حاسة.. قلبها مقبوض ومفيش حد يطمنها. وفجأة الباب اتفتح.. وخرج سليم.. كان قالع جوانتي طبي وبيمسح عرقه بمنديل، وشه كان مرهق بس هادي.. أول ما شاف ليلى واقفة وشها أصفر وبتترعش.. قلبه وجعه من غير ما يحس. ليلى جريت عليه : "أخويا.. أخويا كويس يا دكتور ؟" سألته وهي بتعيط وبتترجاه بعينيها. سليم بص لها.. بص لوشها الغرقان بالدموع، لهفتها وصوتها المجروح.. وابتسم ابتسامة صغيرة مطمنة أول مرة تطلع منه بجد: "اخوكي الحمدلله كويس.. متخافيش" قالها بهدوء. ليلى ابتسمت ودموعها نزلت أكتر بس المرة دي دموع فرحة.. حطت ايدها على قلبها: "الحمد لله يا رب.. الحمد لله" قالتها وهي بتعيط. سليم كمل وهو بيبص في عينيها: "بس لازم يتحجز في المستشفى.. حالته مينفعش يخرج.. لازم يفضل تحت الملاحظة لحد ما نجهزه للعملية" قالها بنبرة حاسمة بس حنينة. ليلى هزت راسها بسرعة وهي بتمسح دموعها: "حاضر.. حاضر.. اللي تقول عليه حضرتك .. المهم يبقى كويس" قالتها وهي بتبص ناحية الأوضة اللي فيها أخوها، روحها رجعت لها تاني. وسليم كان واقف بيبص لها.. لأول مرة يحس ان البنت الفقيرة الطيبة دي.. دخلت المستشفى بتاعته ومش عايزة تخرج من دماغه. سألها بهدوء:"هو مفيش حد غيرك معاه؟ يعني والدك والدتك؟ اي حد معاكم؟ " ليلى هزت راسها ب لا وقالت بحزن:"بابا الله يرحمه من خمس سنين.. وماما متجوزة وعايشه مع جوزها.. وانا وكريم ملناش غير بعض" سليم بص لها بدهشة وقال:"ربنا يخليكم لبعض.. هو هيتنقل دلوقتي لغرفة تانيه وتقدري تشوفيه وتطمني عليه" خلص كلامه واتحرك على مكتبه. وليلى وقفت مكانها وهي بتبص علي الباب وعايزه تطمن علي أخوها وتشوفه. رواية سليم وليلى بقلمي ملك إبراهيم. بعد شوية. ليلى دخلت أوضة أخوها .. أول ما شافته نايم على السرير الأبيض ومتعلق في ايده محلول ووشه رجع لونه شوية، جريت عليه ومسكت ايده الصغيرة وباستها: "كريم.. يا حبيبي" قالتها بصوت واطي مليان دموع، كانت بتبوس ايده كأنها بتتأكد انه لسه عايش. كريم فتح عينيه بتعب وابتسم أول ما شافها: "ليلى.. أنا فين؟" سألها بصوت ضعيف. ليلى قعدت جنبه على طرف السرير وحضنت راسه: "انت في المستشفى يا قلبي.. بقيت كويس خلاص.. الدكتور قال هتبقى زي الفل" قالتها وهي بتمسح على شعره بحنية، دموعها نازلة على خدها بس بتحاول تضحكله. كريم مسك ايدها: "متزعليش مني.. أنا تعبتك معايا" قالها ببراءة طفل حاسس انه عبء. ليلى حضنته جامد ودموعها نزلت على وشه: "متقولش كده.. انت ابني.. انت كل حاجة ليا في الدنيا" قالتها وهي بتحضنه كأنها عايزة تدخله جوه قلبها. رواية الكاتبة ملك إبراهيم. بره الأوضة.. سليم كان رجع مكتبه.. وشه كان مقلوب غضب.. غضب هادي يخوف أكتر من الزعيق.. قعد على الكرسي بتاعه وفتح اللابتوب وفتح كاميرات الريسبشن.. شاف كل حاجة من البداية .. شاف موظفة الاستقبال وهي بتطردها ببرود، وشاف سما وهي بتهينها قدام الناس، وشاف كريم وهو بيقع. عينيه احمرت من الغضب.. داس على زرار الانتركم: "موظفة الاستقبال اللي تحت.. ودكتورة سما.. يطلعولي حالا.. حالا" قالها بصوت يخلي الحيطان تترعش. بعد دقيقتين الباب خبط ودخلت موظفة الاستقبال وهي مبتسمة وبتعدل شعرها والبلوزة بتعها، فاكرة انه هيكافئها: "نعم يا دكتور سليم.. حضرتك طلبتني؟" قالتها بدلع. سليم ما بصش ليها حتى.. كان باصص للكاميرا اللي مشغلها قدامه : "انتي مرفودة.. خدي حسابك وامشي" قالها بكل برود وقسوة، كلمة واحدة خلت البنت تتصدم. الموظفة شهقت: "ليه؟ أنا عملت ايه؟" قالتها بصدمة. سليم لف اللابتوب ناحيتها وخلاها تشوف نفسها وهي بتقول المستشفى مش للفقرا.. وقال: "المستشفى دي بتاعتي وأنا اللي أحدد مين يدخل ومين لأ.. مش انتي.. اطلعي بره" قالها وهو بيشاور على الباب. البنت خرجت وهي بتعيط وبتجر خيبتها وراها. بعدها دخلت سما.. داخلة وهي رافعة راسها وبتتكلم بثقة: "نعم يا سليم؟" قالتها وهي بتقعد قدام مكتبه كأنها صاحبة مكان. سليم بص لها بصة طويلة.. بصة خلتها تتوتر وقال: "يا ريت يا دكتورة متدخليش في أي حاجة بعد كده غير في صميم شغلك.. ومش مسموحلك تهيني أي حد هنا في المستشفى.. أي حد.. فاهمة؟" قالها بهدوء بس كل كلمة كانت زي الطوبة. سما اتصدمت.. أول مرة سليم يكلمها بالطريقة دي .. وشها احمر من الغضب والكسوف: "انت بتعمل كل ده يا سليم عشان خاطر البنت الشحاتة دي؟ بتدافع عنها وبتطرد موظفة عشانها؟" قالتها بعجرفة وصوتها بدأ يعلى، غيرتها باينة أوي في عينيها الخضرا. سليم قام وقف مرة واحدة وزعق.. أول مرة يزعق في سما كده: "هي مش شحاتة.. وكفاية بقى تقيمي الناس بالفلوس.. دي بنت جاية عشان أخوها بيموت.. وانتي بتهينيها قدام الناس؟ ده آخر إنذار ليكي يا سما.. وبعدها أنا هنسى أي قرابة بينا وهيكون ليا تصرف مش هيعجبك.. ولا انتي ولا عيلتك" قالها بصوت عالي خلّى ازاز المكتب يتهز. سما بصت له وهي مصدومة.. عينيها دمعت من الغضب مش من الحزن.. عمر ما حد هزقها كده.. وخصوصا سليم اللي بتحبه من وهي صغيرة: "ماشي يا سليم.. بس انت هتندم" قالتها وهي بتجز على سنانها وخرجت من مكتبه وهي بترزع الباب جامد، كعبها بيخبط في الأرض بغيظ.. وهي طالعة كانت بتفكر إزاي هنتقم من البنت اللي اتهزقت بسببها. حكاية سليم وليلى بقلمي ملك إبراهيم. بعد يومين في المستشفى.. اليومين دول كانوا بيرجعوا الامل في حياة ليلى.. أخوها نايم ومرتاح على سرير نضيف، بياكل أكل صحي ومغذي بيتقدمله لحد عنده، الممرضات كلهم حبوها هي وأخوها واتعاطفوا معاهم بعد إللي حصلهم في الاستقبال والكل عرف اهتمام الدكتور سليم بنفسه بيهم.. وحبوا ليلى عشان هي طيبة وبتساعد أي حد. كانت ليلى بتهتم بأخوها وبتساعد الممرضات لو احتاجوا منها اي مساعدة ، وقاعدة جنب كريم ليل ونهار.. ليل ونهار ماسكة المصحف بتقرا جنبه، أو بتحكيله حواديت.. وشها بقى مرتاح شوية، السواد اللي تحت عينيها قل شوية. كانت مصاحبة ممرضة اسمها هناء.. ست طيبة عندها 35 سنة وقلبها أبيض.. هناء كانت بتحب تقعد معاها وتطبطب عليها. سليم كان كل يوم بيدخل يشوف حالة كريم بنفسه.. يبص في تقرير متابعة كريم ويقوله بتشجيع: "برافوا يا بطل.. قريب جدا هنعمل العملية وهتقوم تجري وتلعب برحتك" ليلى كانت اول لما تشوف سليم داخل أوضة كريم.. كان قلبها يدق بسرعه.. ولما بتشوف قد ايه متواضع وحنين.. بيحترم كل الناس.. واخوها كريم بقى يقول عنه:"انا بحب دكتور سليم آوي... هو البطل بتاعي.. ونفسي لما أكبر أكون دكتور زيه " غصب عنها عيونها كانت بتتثبت عليه من غير ما تحس.. له هيبة وكل حاجة فيه مميزة.. شخصيته... صوته.. كلامه.. أخلاقه وطيبة قلبه.. وريحة عطره اللي بقت حفظاها.. ومجرد ما تشم البرفان بتاعه حواليها قلبها يبدأ يدق بكل قوته. رواية الكاتبة ملك إبراهيم. زميلة ليلى في الشغل كلمتها وقالت لها انها لازم ترجع الشغل ضروري لأنهم هيرفدوها لو غابت اكتر من كدا. ليلى كانت محتاره ومش عارفه تعمل ايه.. هي محتاجة الشغل عشان يكون معاها فلوس تقدر تصرف على كريم بعد العملية لما يخرج من المستشفى.. وفي نفس الوقت مش هتقدر تسيبه لوحده في المستشفى وتروح شغلها. طلبت من هناء الممرضة انها تخلي بالها من كريم لحد ما تروح البيت تجيب حاجات محتاجاها. وخرجت ليلى من المستشفى وراحت علي بيت جوز والدتها.. وقفت قدام باب الشقه القديم وخبطت عليه.. امها فتحت الباب واول لما شافتها شهقت وسألتها:" ايه اللي جابك هنا يا ليلى... كريم حصله حاجة؟ " ليلى بصت ل امها بحزن وقالت:"كريم كويس الحمدلله.. انا كلمتك من يومين وقولتلك ان كريم اتحجز في المستشفى عشان العملية.. ولما مجتيش ولا زيارة قلقت عليكي.. وجيت أشوف ايه اللي منعك تيجي تزوري ابنك في المستشفى" سمعت صوت جوز امها بيتكلم من جوه وبيقول: "مين اللي برا ؟" امها اتوترت وقالت لها:" معرفتش اجي ومطمنة على كريم عشان عارفه ان انتي مش هتسيبيه" عيون ليلى اتملت بالدموع وقالت لها:" بس انا مجبورة اسيبه دلوقتي لوحده في المستشفى عشان لو مرجعتش الشغل هيرفدوني.. ينفع تبقي معاه انتي في فترة الصبح وانا اكون معاه بالليل.. الفترة دي بس لحد ما يعمل العملية" سمعوا صوت جوز امها مرة تانيه وهو بيقرب من الباب وشاف ليلى واقفة بتعيط قدام امها.. وقف قدام مراته وقالها:" انتي لسه مخلصتيش الأكل وواقفه ترغي مع بنتك.. انا راجل برجع من شغلي شقيان وعايز اكلي يبقى جاهز " وبص ل ليلي وقالها:" وانتي جاية تعيطي هنا ليه؟ اخوكي مات" ليلى ردت عليه بصراخ:"بعد الشر عليه.. متقولش كدا" امها اتكلمت بسرعه عشان ميحصلش مشكله:" روحي انتي يا ليلى دلوقتي.. وانا لو فضيت هاجي ابص عليه" ودخلت وقفلت الباب وليلى واقفه مقهورة لكنها مش مصدومة.. هي عارفة من أول يوم ان امها وافقت علي شروط جوزها قبل الجواز انه هياخدها من غير عيالها وهي وافقت. رجعت ليلى المستشفى وهي مقهورة.. قعدت قدام أوضة كريم وكانت بتعيط ومش عارفه هتعمل ايه.. مش لاقيه ليها حل.. بصت للسما وهي بتقول من قلبها:"يارب.. انا مليش غيرك" هناء الممرضة قربت منها لما لقتها بتعيط.. قعدت جنبها وليلى حكت لها عن اللي مزعلها وانها المفروض تختار دلوقتي بين اخوها وبين شغلها.. وهي مش قادرة تسيب أخوها هنا لوحده.. ومش قادرة تسيب شغلها لأنها محتاجة فلوس الشغل عشان تقدر تصرف على أخوها بعد ما يخرجوا من هنا. هناء فكرت كام ثانيه وبصت لها: "بقولك ايه يا ليلى.. ما تيجي تشتغلي هنا في الاستقبال.. البنت اللي كانت هنا اترفدت والمستشفى عايزين واحدة مكانها.. وانتي ما شاء الله عليكي شاطرة وبتعرفي تتكلمي كويس.. ومنها تبقي جنب أخوكي ومنها مرتبها حلو أوي.. وتبقي معانا هنا علي طول " قالتها بحماس وهي بتمسك ايد ليلى. ليلى اتكسفت من الموقف كله وقالت بحزن: "لا يا أبلة هناء.. مينفعش.. دي الوظيفة اللي البنت اترفدت بسببي.. هبقى باخد رزقها" قالتها بخجل، هي متربية متاخدش حاجة مش بتاعتها حتى لو محتاجاها. هناء مسكت ايديها : "يا هبلة رزقها ايه؟ دي كانت بنت قليلة الذوق وتستاهل إللي حصلها .. وبعدين انتي أولى.. انتي يتيمة وبتجري على أخوكي.. وبعدين علاج كريم بعد العملية هيحتاج فلوس كتير.. هتجيبي دا كله منين؟" قالتها بحنية أم. ليلى سكتت وفكرت.. كلام هناء صح.. هي كانت شغالة بمرتب قليل وبيطلع عنيها في الشغل .. وهنا المستشفى نضيفة ومرتبها يخليها تعرف تصرف على كريم وتجيب له الدوا الغالي. هناء شافتها ساكتة قامت وقفت: "بصي.. سيبيها عليا أنا هتصرف.. متقلقيش" قالتها واتحركت بسرعة قبل ما ليلى ترد. رواية الكاتبة ملك إبراهيم. هناء خبطت على مكتب سليم ودخلت وهي متوترة.. سليم كان قاعد بيقرا تقارير قدامه: "في ايه يا هناء؟" سألها من غير ما يرفع عينه. هناء بلعت ريقها: "دكتور سليم.. في موضوع إنساني وأملي في ربنا كبير وفي حضرتك.. يخص ليلى.. أخت كريم.. الولد الصغير اللي محجوز هنا." سليم رفع عينه وبص لها اول لما سمع أسم ليلى. هناء كملت:" البنت غلبانة أوي وظروفها صعبة.. يتيمة وأمها سايباها هي وأخوها وقاعدة مع جوزها.. وكانت بتشتغل واصحاب الشغل بتاعها هددوها لو مرجعتش الشغل النهاردة هتترفد.. وهي مش هتقدر تسيب أخوها لوحده .. ودلوقتي علاج أخوها بعد العملية هيحتاج مصاريف.. فـ كنت بقول يعني.. لو ينفع تشتغل مكان البنت اللي اترفدت في الاستقبال.. هي شاطرة والله وهتخلي بالها من شغلها" قالتها مرة واحدة بسرعة كأنها خايفة يرفض. سليم كان مركز في كل كلمة بتقولها.. الغريب انه من أول لحظة وهو جواه إحساس مختلف اتجاه ليلى.. إحساس انها مسؤولة منه.. انه مش عايزها تمشي من المستشفى.. إحساس أول مرة يحسه في حياته.. إحساس أبوة غريب ممزوج بحاجة تانية مش عارف يفسرها. سند ضهره على الكرسي وبص لهناء: "خليها تيجي مكتبي بكره الصبح.. ومعاها ورقها" قالها بهدوء. هناء فرحت أوي: "بجد يا دكتور؟ ربنا يخليك يا رب" قالتها وهي طايرة من الفرحة. هناء جريت على ليلى اللي كانت قاعدة جنب كريم: "وافق.. دكتور سليم وافق يا ليلى تشتغلي معانا هنا" قالتها وهي بتزغرط بصوت واطي. ليلى قامت وقفت وعينيها وسعت: "بجد؟ وافق اني اشتغل هنا؟" سألتها بعدم تصديق، قلبها بيدق بسرعة. هناء حضنتها: "أيوه وافق.. بيقولك تروحي مكتبه بكره الصبح بورقك". ليلى حضنت كريم اللي كان صاحي وسامع كل حاجة: "سمعت يا كريم؟ هفضل جنبك هنا على طول.. مش هسيبك" قالتها وهي بتعيط من الفرحة، دموعها نازلة على خدها بس المرة دي دموع فرح بجد.. أول فرحة تحس بيها من يوم ما أبوها مات.. المستشفى اللي كانت شايفاها مكان للأغنياء بس.. بقت بيتها الجديد.. والمستشفى هنا بمقارنة بشغلها القديم.. طبعا المستشفى أفضل ومرتب أعلى تقدر تصرف منه على علاج أخوها اللي مسؤول منها. رواية سليم وليلى بقلمي ملك إبراهيم. عدى أسبوع.. أسبوع كان كأنه شهر على ليلى وسليم.. بس كل واحد فيهم كان عايش الأسبوع ده بطريقة مختلفة. سليم كان متابع حالة كريم بنفسه.. كل يوم الصبح قبل ما يدخل أي عملية كبيرة، كان يعدي على أوضة كريم.. يبص على التحاليل، يظبط جرعة الدوا بايده، ويقعد دقيقتين يهزر مع كريم.. كريم كان بيحبه أوي.. وكل يوم بيحبه آكتر . وليلى اشتغلت في الاستقبال.. بقت لابسة يونيفورم المستشفى الجديد.. قميص أبيض نضيف وبنطلون أسود، وطرحة بيضا بسيطة.. أول مرة في حياتها تلبس لبس جديد ونضيف كده.. كانت بتقف في الريسبشن وبتتكلم مع الناس بأدب وحنية، كل الناس حبتها.. المرضى الغلابة كانوا بيرتاحوا لما يلاقوها هي اللي بتستقبلهم عشان بتحس بيهم.. كانت كل ما تشوف سليم معدي من قدامها، تخفض وشها، وحاسة ان جمايله عليها ملهاش آخر.. جمايله مغرقاها ومش عارفة تردهاله ازاي. سما كانت واقفة بتتفرج من بعيد.. وعينيها الخضرا بتاكلها الغيرة.. كانت شايفة سليم ازاي بيهتم بالولد الفقير، وازاي بيبص على أخته البسيطة بصة مختلفة.. بصة عمره ما بصها ليها هي بنت الأغنياء.... بقلمي ملك إبراهيم... يتبع في الجزء الرابع