حماتي رجعت
حماتي رجّعت الصباحية اللي أهلي جابوها بعد جوازي!
عندنا في الأرياف، من العادات إن أهل العروسة يجهزوا “الصباحية” لأم العريس، ويكون فيها زيت وسكر وسمنة، وبط وفراخ، وكحك وبسكويت وحلويات… وفي نفس الوقت بيملوا شقة العروسة وثلاجتها بكل اللي تحتاجه.
وأهلي عملوا الأصول وجابوا لحماتي صباحية تليق بيها، وأنا كنت مبسوطة إن كل حاجة تمت على خير…
لكن تاني يوم الصبح، حماتي فاجأتني بحاجة محدش كان يتوقعها!
رجّعت الصباحية كلها لأهلي، وقالت إن فيه سبب عمره ما جه على بالي… والسبب ده كشفلي من أول يوم إن جوازي من ابنها مش هيكون زي ما كنت متخيلة!
أنا هاجر، عندي 23 سنة، ولسه متجوزة محمود من امبارح.
لحد امبارح بالليل، كنت فاكرة إن أصعب لحظة في الجواز هي لحظة ما البنت تسيب بيت أبوها، وتقفل وراها الباب وهي عارفة إنها داخلة على حياة جديدة.
لكن ما كنتش أعرف إن أول صدمة في جوازي هتجيلي تاني يوم الصبح!
عندنا في البلد، فيه عادات بنحافظ عليها من زمان، ومن ضمنها إن أهل العروسة بيجهزوا “الصباحية” لأم العريس.
وأهلي، رغم إنهم ناس على قد حالهم، عملوا اللي يقدروا عليه.
أبويا وأمي كانوا لسه خارجين من جهاز بنتهم، وصرفوا كل اللي معاهم تقريبًا، وفوق ده كله عليهم ديون.
ومع كده، أبويا قال: “دي بنتي، ومش هسيبها تبدأ حياتها وهي ناقصة حاجة.”
فجهزوا الصباحية لحماتي، الحاجة زينب.
جابوا زيت وسكر وسمنة، وبط وفراخ، وكحك وبسكويت وحلويات، وحاجات كتير من اللي بنجيبها عندنا في البلد.
وكمان ملوا شقتي وثلاجتي بكل اللي أقدر أحتاجه في بداية جوازي.
كنت مبسوطة جدًا وأنا شايفة أهلي بيعملوا كل ده، وحاسة إنهم رغم ظروفهم الصعبة قدروا يفرحوني ويعملوا واجبهم.
لكن أول ما الحاجة زينب شافت الصباحية…
اتغير وشها.
فضلت تبص على الحاجات واحدة واحدة، وبعدين قالت باستنكار:
“إيه ده؟!”
أمي ابتسمت وقالت: “الصباحية يا حاجة زينب، ربنا يجعلها مباركة.”
بصت لها حماتي وقالت: “صباحية إيه بس؟! دي حتى مش مكملة عشرة آلاف جنيه!”
أنا اتصدمت.
أبويا حاول يهدي الموضوع وقال: “يا حاجة، والله دي الحاجات اللي قدرنا عليها، وإحنا عملنا اللي علينا.”
ردت عليه: “اللي عليكم؟! هو إنتوا مش عارفين عادات البلد؟”
وبعدين بصت لأمي وقالت:
“الصباحية الحلوة عندنا بتعدي العشرين ألف جنيه.”
أمي سكتت.
فكملت حماتي بكل ثقة:
“أختي مرات ابني جابتلي صباحية عدت العشرين ألف، وأنا مش هقبل بأقل من كده.”
أمي قالت لها بصوت مكسور: “والله يا حاجة، إحنا لسه خارجين من جهاز البنت، وعليهم ديون… ودي كل حاجة قدرنا عليها.”
حماتي ردت ببرود:
“أنا ماليش دعوة بديونكم.”
وبعدين زقت الحاجات ناحيتهم وقالت:
“خدوا صباحيتكم دي.”
أبويا بص لها باستغراب: “ليه؟”
قالت:
“أنا عايزة حقي ناشف.”
سألها: “حقك كام؟”
قالت بمنتهى الهدوء:
“عشرين ألف جنيه.”
ساعتها حسيت إن الكلام اتصب على دماغي.
بصيت لأمي، لقيت عينيها دمعت.
وبصيت لأبويا، لقيته ساكت ومكسور، لأنه عارف إن المبلغ ده مش موجود، وإنه لو حاول يدبره هيغرق نفسه أكتر في الديون.
أما محمود…
كان واقف وساكت.
أنا لسه متجوزاه من امبارح.
لسه حتى ما لحقتش أعيش معاه أول يوم كامل، ولسه فرحة الجواز في قلبي…
وفجأة لقيت نفسي واقفة بين أهلي وحماتي، ومش عارفة أعمل إيه.
كنت مستنية محمود يتكلم.
يقول لأمه إن أهلي عملوا اللي يقدروا عليه.
يقول لها إنهم مش معاهم عشرين ألف.
أي كلمة… أي موقف.
لكنه فضل ساكت.
وساعتها، حسيت بخوف حقيقى
مش من طلب حماتي للعشرين ألف…
لكن من إن جوزي اختار السكوت، ومن اول يوم جواز
فضلت واقفة مكاني وأنا مش عارفة أقول إيه.
أمي حاولت تلم الحاجات وهي بتقول: “خلاص يا حاجة زينب، ربنا يوسعها علينا ونشوف موضوع الفلوس ده.”
لكن حماتي ردت بسرعة: “مفيش موضوع يتشاف. أنا قلت اللي عندي… عشرين ألف جنيه، يا إما الصباحية دي ترجع لأهلها.”
أبويا بلع ريقه وقال: “يا حاجة، والله لو المبلغ موجود ما كناش اتأخرنا، بس إحنا لسه مخلصين جهاز هاجر، وعليا فلوس للناس.”
قالت: “استلفهم.”
الجملة وقعت على أمي كأنها صفعة.
قالت لها: “إحنا أصلًا مديونين.”
ردت حماتي: “ما هو الجواز له تمن.”
أنا مقدرتش أسكت أكتر.
قلت لها: “يا حماتي، أهلي عملوا اللي يقدروا عليه، والصباحية دي مش قليلة.”
بصتلي وقالت: “إنتِ مالك؟ دي حاجة بيني وبين أهلك.”
قلت: “بس دي حاجات أهلي جابوها لينا، وإنتِ رجعتيها.”
ضحكت وقالت: “لينا؟! الصباحية دي بتاعتي أنا.”
بصيت لمحمود.
قلتله بهدوء: “محمود… قول حاجة.”
رفع عينه وبصلي، وبعدين بص لأمه.
فضل ساكت ثواني، وبعدها قال:
“يا هاجر… أمي عندها حق، دي عادات بلدنا.”
حسيت إني اتخنقت.
قلت: “يعني إنت موافق إنها ترجع كل حاجة وتطلب عشرين ألف جنيه من أهلي؟”
قال: “مش موضوع موافقة، هي شايفة إن ده حقها.”
رديت: “وأهلي شايفين إنهم عملوا اللي عليهم.”
حماتي دخلت بينا وقالت: “خلاص، بدل الكلام الكتير… قدامكم أسبوع.”
أبويا سألها: “أسبوع لإيه؟”
قالت:
“عشان العشرين ألف يكونوا عندي.”
أمي بصتلها بصدمة: “وأنتِ عايزة بنتنا تعمل إيه؟”
ردت بمنتهى البرود:
“دي مشكلتكم.”
وبعدين دخلت أوضتها، وسابتنا واقفين في الصالة.
أبويا لم حاجات الصباحية، وحطها في العربية من غير كلمة.
وأنا كنت واقفة قدام باب البيت، ودموعي نازلة غصب عني.
قبل ما يمشي، أبويا قرب مني وقال:
“إوعي تزعلي يا بنتي… إحنا ما قصرناش معاكي.”
حضنته وقلت: “عارفة يا بابا.”
همسلي:
“ولو العشرين ألف هم اللي هيخلوا جوازك يكمل، أنا هحاول أدبرهم.”
رفعت راسي بسرعة وقلت:
“لا يا بابا.”
قال: “ليه؟”
قلت وأنا بعيط:
“عشان مش عايزاك تبيع حاجة ولا تستلف أكتر عشاني.”
هز راسه ومشي.
وأنا دخلت البيت وأنا حاسة إن فرحة امبارح اتحولت في يوم واحد لحِمل تقيل على صدري.
لكن أول ما دخلت أوضتي، لقيت محمود مستنيني.
قفل الباب وراه وقال:
“هاجر… لازم نتكلم.”
بصيتله وقلت:
“في إيه؟”
اتنهد وقال:
“أمي مش هتتنازل عن العشرين ألف.”
قلت: “وأنت؟”
سكت.
قرب مني وقال:
“أنا عايزك تعملي حاجة…
بصيت لمحمود وأنا مش فاهمة.
قلت: “عايزني أعمل إيه؟”
اتنهد وقال: “كلمي أبوكي.”
“أكلمه في إيه؟”
قال: “خليه يدبر المبلغ بأي طريقة.”
حسيت إن الكلام نزل عليا تقيل.
قلت: “محمود… إنت سامع نفسك؟ أبويا قالك بنفسه إنه مديون.”
رد: “عارف.”
“طب عايزه يستلف عشرين ألف كمان؟”
قال: “ما هو مش هيستلفهم لنفسه… دي عشان جواز بنته.”
بصيتله بصدمة وقلت: “جوازي أنا؟! يعني عشان جوازي منك، أبويا يفضل مديون سنين؟”
سكت شوية، وبعدها قال: “أنا مش طالب منه حاجة لنفسي.”
ضحكت من غير ما أقصد.
قلت: “أمال لمين؟”
قال: “لأمي.”
الكلمة وجعتني أكتر.
قلت: “يعني أنت شايف إن أمك من حقها تضغط على أهلي تاني يوم جوازي؟”
اتعصب وقال: “متكبريش الموضوع يا هاجر. دي عادة عندنا.”
قلت: “العادات مش معناها إننا نكسر ضهر بعض.”
فضل ساكت.
قربت منه وقلت: “بصراحة يا محمود… أنت كنت عارف؟”
رفع عينه لي.
“عارف إيه؟”
قلت: “إن أمك هتطلب عشرين ألف جنيه.”
اتغير وشه للحظة، لكنه حاول يخبي.
وقال: “مين قالك كده؟”
قلت: “محدش قال. أنا بس بسألك.”
سكت.
والسكوت المرة دي كان مختلف.
قربت منه أكتر وقلت:
“جاوبني يا محمود… كنت عارف قبل الجواز؟”
فضل ساكت ثواني طويلة.
وبعدين قال:
“أيوه.”
قلت: “إيه؟”قال: “كنت عارف إن أمي متوقعة صباحية كبيرة.”قلت: “متوقعة؟! دي قالت عشرين ألف بالظبط!”سكت.فقلتله: “يعني كنت عارف الرقم كمان؟”
محمود ما ردش.
وساعتها فهمت من سكوته.
قلت وأنا بحاول أتماسك:
“كنت عارف.”
قال بسرعة: “هاجر، اسمعيني…”
قاطعت كلامه:
“وأهلي؟”
“مالهم؟”
قلت: “أهلي كانوا عارفين إنك متجوزني وإنت وأمك متفقين على عشرين ألف؟”
قال: “مفيش اتفاق.”
قلت: “أمال إيه؟”
قال: “أمي قالتلي قبل الجواز إن الصباحية لازم تكون كويسة، وإنها مش هتقبل بحاجة قليلة.”
بصيتله وقلت:
“وإنت ما قلتليش؟”
قال: “كنت خايف لو قلتلك الموضوع يكبر.”
سكت شوية، وبعدين قال:
“وبعدين كنت واثق إن أهلك هيعملوا الأصول.”
ضحكت وأنا دموعي بتنزل:
“الأصول؟!”
قلت: “أهلي عملوا الأصول فعلًا يا محمود… بس أصولهم مش على مقاس طمع أمك.”
اتعصب وقال: “متقوليش على أمي طماعة.”
قلت: “أنا ما كنتش عايزة أقولها… بس أنت اللي خلتني أقولها.”
وسبت الأوضة وخرجت.
لكن وأنا معدية من قدام أوضة حماتي، سمعت صوتها وهي بتتكلم في التليفون.
وقفت من غير ما أحس.
وكانت بتقول:
“أيوه… ما تقلقيش، العشرين ألف هييجوا.”
سكتت شوية، وبعدها قالت جملة خلتني أفضل واقفة مكاني:
“أنا مستحيل أسيبهم يفكروا إننا اتنازلنا عن حقنا… خصوصًا بعد اللي حصل مع مرات ابني التاني.”
اتسمرت مكاني.
مرات ابنها التاني؟
إيه اللي حصل بينها وبين حماتي؟
وليه كانت بتتكلم عنها وهي مصممة تاخد مني نفس قيمة الصباحية اللي أخدتها هي؟
ولأول مرة بدأت أحس إن العشرين ألف جنيه مش مجرد عادة… فيه حكاية قديمة مستخبية وراهم.
الأسبوع اللي حددته حماتي عدى عليّا كأنه شهر.
كل يوم كانت تبصلي وكأنها مستنية أعرفها إن الفلوس وصلت.
ولا مرة سألتني عن حالي، ولا حتى حاولت تتعامل معايا كعروسة جديدة.
كل كلامها كان عن العشرين ألف.
وفي اليوم التالت، وأنا بحضر الغدا، قالتلي من غير ما تبصلي:
“هاجر، كلمتي أبوكي؟”
قلت: “لأ.”
رفعت عينيها وقالت: “ليه؟”
قلت: “عشان مفيش عنده فلوس.”
قالت: “يبقى يستلف.”
سكت شوية، وبعدها قلت: “هو أصلًا مديون.”
ضحكت وقالت: “هو أنا اللي جوزت بنتكم؟”
بصيتلها باستغراب.
قالت: “اللي عايز يجوز بنته، يستحمل.”
دخل محمود وقتها، وسمع آخر جملة.
قلتله: “محمود، اتكلم مع أمك.”
بصلي وقال: “أقولها إيه؟”
قلت: “قول لها إن أبويا مش قادر.”
رد: “هي قالتلك أسبوع، ولسه الأسبوع مخلصش.”
قلت: “يعني إيه؟”
قال: “يعني شوفي حل.”
بصيتله وأنا مش مصدقة.
“حل إيه يا محمود؟ أروح أبيع هدوم الجهاز؟”
قال بعصبية: “متكبريش الموضوع.”
قلت: “أنا اللي بكبره؟ أمك رجعت صباحية أهلي وطلبت عشرين ألف جنيه!”
رد: “أمي ليها حق.”
وقتها ما قدرتش أتكلم.
دخلت أوضتي وقفلت الباب، وقعدت على السرير وفضلت أعيط.
أنا لسه متجوزة من كام يوم…
ومفيش بيني وبين جوزي ذكرى حلوة واحدة أفتكرها.
كل اللي بينا كان خناقة على فلوس أمي وأبويا مش قادرين يدفعوها.
وفي اليوم السادس، أمي اتصلت بيا.
أول ما سمعت صوتها، عرفت إنها بتعيط.
قالت: “يا هاجر، أبوكي بيسألني نعمل إيه.”
قلت: “ما تعملوش حاجة.”
قالت: “بس محمود كلم أبوكي.”
اتوترت.
قلت: “قاله إيه؟”
قالت: “قاله إن لو العشرين ألف مش موجودين، يبقى هاجر ترجع عندكم لحد ما نشوف الموضوع.”
قفلت عيني.
يعني هو وأمه كانوا فعلًا مستعدين يرموني عند أهلي عشان عشرين ألف جنيه!
قلت لأمي: “قولي لأبويا ما يدفعش جنيه.”
قالت: “إنتِ متأكدة؟”
قلت: “أيوه.”
وسكت شوية، وبعدها قلت:
“لو رجعت، هرجع بإرادتي… مش عشان هما طردوني.”
تاني يوم كان آخر يوم في الأسبوع.
دخلت حماتي عليا وقالت:
“ها؟”
قلت: “إيه؟”
قالت: “الفلوس.”
قلت: “مفيش.”
اتنهدت وقالت: “يبقى خلاص.”
قلت: “خلاص إيه؟”
قالت: “كلمي أبوكي وتعالي خدي حاجتك.”
بصيتلها في عيني.
“يعني بتطلّعيني من بيتك؟”
قالت: “أنا ما طلعتكيش. إنتِ اللي أهلك ما عرفوش يعملوا الواجب.”
الجملة دي كسرت آخر حاجة جوايا.
لميت هدومي بهدوء.
محمود كان واقف بيتفرج.
قلتله: “هتقول حاجة؟”
قال: “روحي عند أهلك كام يوم لحد ما الموضوع يتحل.”
ضحكت بحزن.
قلت: “وأنت ناوي تحلّه إزاي؟”
قال: “مش عارف.”
قلت: “وأنا عرفت.”
خرجت من البيت.
وأول ما وصلت عند أبويا، لقيته واقف قدام الباب مستنيني.
حضنته وانهرت في العياط.
قال: “تعالي يا بنتي… بيت أبوكي مفتوحلك.”
دخلت، وحكيت لهم كل اللي حصل.
أبويا سكت فترة طويلة.
وبعدين قال:
“إنتِ عايزة ترجعي؟”
بصيتله وقلت:
“لأ.”
أمي بصتلي بصدمة.
قلت وأنا بمسح دموعي:
“أنا مش هعيش عمري كله وأنا كل شوية أسمع إن أهلي ناقصهم عشرين ألف.”
أبويا قال: “طب وإنتِ عايزة تعملي إيه؟”
بصيتله وقلت:
“عايزة الطلاق.”
سكت البيت كله.
لكن أبويا بعد لحظات قال بهدوء:
“طالما ده قرارك، محدش هيجبرك ترجعي.”
وفي نفس الليلة، أبويا اتصل بمحمود.
وقال له جملة واحدة:
“لو أمك مصممة على العشرين ألف، وبنتي مش عايزة ترجع، تعالى خد القايمة وشوف هنعمل إيه.”
محمود سكت على الناحية التانية.
وأبويا كمل:
“بنتي خرجت من بيتنا بجهازها كامل، والقايمة حقها مكتوب… وإحنا مش هنبيع أرض ولا نستلف عشان نرضي حد.”
وقفل الخط.
بعد أقل من ساعة…
محمود اتصل بيا.
وأول ما رديت، قال:
“هاجر… لازم نتقابل.”
قلت: “ليه؟”
قال بصوت متوتر:
“عشان في حاجة لازم تعرفيها عن العشرين ألف…”
وسكت.
قلت: “حاجة إيه؟”
قال:
“أمي ما طلبتش المبلغ ده عشان الصباحية بس… وأنا كنت عارف السبب من قبل جوازنا.”
قلبي دق بسرعة أول ما سمعت محمود بيقول:
“أمي ما طلبتش المبلغ ده عشان الصباحية بس… وأنا كنت عارف السبب من قبل جوازنا.”
قلتله: “يبقى قولي يا محمود، إيه السبب؟”
سكت شوية، وبعدها قال: “مش هينفع أقولك في التليفون.”
قلت: “طيب تعالى.”
قال: “لا، إنتِ تعالي عندنا.”
ضحكت بمرارة.
“أرجع بيتكم بعد اللي حصل؟”
قال: “مش عشان ترجعي… عشان تعرفي الحقيقة.”
رديت: “الحقيقة اللي خبيتها عني قبل الجواز؟”
سكت.
قلت: “أنا مش جاية.”
قال: “يبقى هقولك هنا.”
وبدأ يتكلم بصوت واطي:
“قبل جوازنا بحوالي شهر، أمي كانت قاعدة معايا وقالتلي إن مرات أخويا جابتلها صباحية كبيرة، وإنها مش عايزة تتكسف قدام أهل البلد لو صباحيتك طلعت قليلة.”
قلت: “وده سبب طلب العشرين ألف؟”
قال: “استني… دي مش كل الحكاية.”
سكت.
قلت: “كمل.”
قال: “أمي كانت محتاجة مبلغ كبير.”
قلت: “ليه؟”
قال: “كان عليها دين.”
اتصدمت.
“دين؟!”
قال: “أيوه.”
سألته: “طب وإيه علاقة أهلي بالدين ده؟”
قال: “هي كانت متأكدة إن الصباحية هتجيب لها مبلغ كويس، وكانت ناوية تسدد منه جزء من الدين.”
سكت لحظة، وبعدين قال:
“ولما عرفت إن أهلك جابوا حاجات بدل الفلوس، اتعصبت.”
قلت: “يعني هي كانت مستنية تاخد العشرين ألف وتحل بيهم مشاكلها؟”
قال: “أيوه.”
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
قلت: “وإنت كنت عارف ده كله وسكت؟”
قال: “كنت خايف الجواز يبوظ.”
ضحكت بحزن.
“يعني خفت الجواز يبوظ لو قلتلي، وما خفتش إنه يبوظ لما تخبي عني؟”
قال: “كنت فاكر إن الموضوع هيتحل.”
قلت: “إزاي؟”
قال: “كنت فاكر إن أبوكي هيقدر يدبرهم.”
الكلمة دي كانت آخر حاجة محتاجة أسمعها.
قلتله: “يعني من البداية كنت حاطط في حسابك إن أبويا يستلف عشان أمك؟”
قال: “مش كده…”
قاطعته:
“أمال إيه؟”
سكت.
وبعدين قال:
“في حاجة تانية… أنا ما كنتش عايز أقولها.”
قلت: “قول.”
قال:
“أمي مش عليها عشرين ألف بس.”
قلبي وقع.
قلت: “عليها كام؟”
قال:
“عليها مبلغ أكبر بكتير.”
سألته:
“قد إيه؟”
لكن قبل ما يرد…
سمعت صوت أبويا من ورايا بيقول:
“محمود… سيب الكلام ده وتعالى عندنا.”
محمود سكت.
وأبويا كمل:
“مش هنتكلم في التليفون. تعالى، وهات أمك معاها.”
وبالفعل، بعد ساعة…
وصل محمود ومعاه أمه.
لكن أول ما دخلوا بيتنا، حماتي ما كانتش جاية تتكلم عن العشرين ألف.
كانت جاية ومعاها ورقة في إيدها.
حطتها قدام أبويا وقالت:
“دي الحاجة اللي أنا عايزاها بدل العشرين ألف.”
أبويا مسك الورقة، وقراها…
وبعدين رفع عينه لها وقال:
“إنتِ بتطلبي إيه بالظبط؟”
ابتسمت وقالت:
“أنا مش طالبة عشرين ألف خلاص…”
وسكتت لحظة، ثم قالت:
“أنا عايزة حاجة أغلى بكتير.
أبويا فضل ماسك الورقة في إيده، وبص لحماتي كأنه مش فاهم.
قال: “إيه اللي في الورقة دي؟”
ردت بكل هدوء: “اتفاق.”
أبويا قطب جبينه: “اتفاق على إيه؟”
قالت: “إن هاجر تكتبلي على جزء من جهازها.”
أنا اتخضيت.
قلت: “إيه؟!”
حماتي بصتلي وقالت: “أصل إنتِ طالما مش قادرة تجيبي العشرين ألف، يبقى نعوضهم من جهازك.”
أبويا حط الورقة على الترابيزة بعصبية.
وقال: “إنتِ بتهزري؟”
قالت: “لا، أنا بتكلم جد.”
أمي قالت: “دي بنتنا جايبة جهازها من بيتنا، إزاي تاخدي منه؟”
ردت: “أنا أم العريس، ومن حقي أضمن حقي.”
أبويا قال: “حقك إيه؟ بنتي رجعتلك الصباحية اللي إنتِ رفضتيها، وإنتِ دلوقتي عايزة جزء من جهازها كمان؟”
حماتي بصت لمحمود.
وقالت: “قولهم.”
محمود كان ساكت.
قالتله: “إنت مش كنت قايل إنك هتتصرف؟”
بص لأبويا وقال: “أمي عليها دين، وكانت متوقعة تسدد جزء منه من الصباحية.”
أبويا رد: “وأنا مالي؟”
محمود سكت.
أبويا قرب منه وقال: “يا ابني، أنا جوزت بنتي عشان تعيش معاك، مش عشان أسدد ديون أمك.”
حماتي اتعصبت وقالت: “إنتوا ليه مكبرين الموضوع؟! عشرين ألف مش مبلغ كبير.”
أبويا ضحك بمرارة.
وقال: “بالنسبة لك يمكن مش كبير… إنما بالنسبة لي، ده دين جديد فوق ديوني.”
وبعدين بص لمحمود وقال:
“أنا هقولك حاجة يا محمود… بنتي مش هترجع بيتك.”
محمود اتوتر وقال: “يا عمي، الموضوع ممكن يتحل.”
أبويا رد: “يتحل إزاي؟”
محمود سكت.
أبويا كمل:
“أمك عايزة فلوس، وإنت عايزني أدفع. وبنتي وسطكم ملهاش غير إنها تستحمل.”
أنا لأول مرة اتكلمت من غير ما أعيط.
قلت: “أنا مش عايزة حاجة.”
الكل بصلي.
قلت: “لا عشرين ألف، ولا جهاز، ولا حتى حاجة من اللي جبتها معايا.”
حماتي قالت بسرعة: “أمال عايزة إيه؟”
بصيت لها وقلت:
“عايزة أعيش مع جوزي من غير ما أهلي يفضلوا مطلوب منهم يدفعوا تمن جوازي.”
سكتت.
وبعدين بصيت لمحمود:
“وأنت يا محمود… أنا كنت مستنياك تقف جنبي من أول يوم، لكنك اخترت تسكت.”
قال: “أنا بحاول أحل الموضوع.”
قلت: “لا، إنت بتحاول ترضي أمك.”
سكت.
كملت:
“وأنا مش هفضل أعيش في بيت كل يوم فيه هتسمعني إن أهلي عليهم عشرين ألف.”
حماتي قامت وقالت:
“يعني إنتِ مصممة تسيبي ابني؟”
قلت:
“أنا مش اللي سبت… أنا رجعت لأهلي بعد ما إنتِ قلتيلي خدي حاجتك وامشي.”
محمود حاول يتدخل:
“خلاص يا أمي، كفاية.”
بصتله بغضب وقالت:
“إنت هتختار مراتك عليا؟”
محمود ما ردش.
وأبويا قال:
“خلاص يا جماعة. الكلام انتهى.”
وبص لمحمود:
“لو بنتي عايزة الطلاق، أنا مش همنعها.”
محمود بصلي وقال:
“هاجر… اديني فرصة.”
قلت: “الفرصة كانت من أول يوم.”
وبعدين دخلت أوضتي.
وأنا بقفل الباب، سمعت حماتي بتقول لمحمود بصوت عالي:
“لو طلقتها، القايمة هتضيع عليك!”
وقفت مكاني.
لأول مرة فهمت إن موضوع الطلاق مش هيكون سهل.
لكن اللي ما كنتش أعرفه إن القايمة اللي حماتي كانت بتخوف محمود منها، هي نفسها اللي هتفتح باب لحقيقة محدش في البيت كان متوقعها.
بعد ما حماتي قالت لمحمود إن القايمة هتضيع عليه، البيت كله سكت.
محمود بص لأمه وقال: “إنتِ عايزاني أعمل إيه؟”
قالت: “ترجع مراتك، وتخلي أبوها يدفع اللي عليه.”
أبويا رد عليها: “هو أبوها عليه إيه؟”
قالت: “عليه الصباحية.”
أبويا هز راسه وقال: “الصباحية دي عادة، مش دين.”
وبعدين بص لمحمود وقال: “يا ابني، أنا مش عايز أظلمك ولا أخرب بيتك، بس بنتي مش هترجع إلا وهي مكرمة.”
محمود بصلي وقال: “هاجر، لو رجعتي، أمي مش هتطلب منك حاجة تاني.”
ضحكت بحزن.
قلت: “إزاي أصدقك؟”
قال: “أنا هتكلم معاها.”
بصيتله وقلت: “إنت اتكلمت معاها قبل كده؟”
سكت.
قلت: “أهو ده ردك.”
حماتي اتدخلت وقالت: “يا هاجر، إنتِ اللي مكبرة الموضوع. عشرين ألف وخلاص، وخلصنا.”
بصيتلها وقلت: “لو كانوا معايا، كنت هديتهملك من غير كلام. المشكلة إنهم مش معايا، وأهلي مش قادرين.”
قالت: “يبقى خدي من جهازك.”
رد أبويا: “جهاز بنتي مش تعويض عن ديونك.”
اتعصبت وقالت: “يبقى خلاص! أنا مش هتنازل.”
أبويا قال بهدوء: “ولا إحنا.”
وبعدين طلع القايمة وحطها قدام محمود.
وقال: “دي قايمة بنتي. كل حاجة خرجت بيها من هنا مكتوبة فيها. وإحنا مش هنضغط عليك ولا هنطلب منك غير حقها.”
محمود بص للقايمة، وبعدها بص لأمه.
ولأول مرة شفت الخوف في عينيه.
قال: “يا أمي… الموضوع كده هيكبر.”
ردت: “إنت خايف من القايمة؟”
قال: “مش خايف… بس دي حقوق.”
أبويا قال: “زي ما إنتِ بتقولي إن العشرين ألف حقك، جهاز بنتي حقها برضه.”
سكتت حماتي.
وبعدين قالت لمحمود: “لو مش هتقدر ترجعها، طلقها.”
الكلمة نزلت عليا تقيلة.
لكن الغريب إني المرة دي ما عيطتش.
بصيت لمحمود وقلت:
“أنا خلاص يا محمود… مش عايزة أرجع.”
قال: “هاجر، استني.”
قلت: “استنيت أسبوع كامل.”
“ممكن نصلح.”
“إزاي؟”
سكت.
قلت: “من أول يوم جواز، دخلت بيتك وأنا شايلة هم إرضاء أمك. تاني يوم رجعت صباحية أهلي. وبعدها طلبت منهم عشرين ألف. وبعد كده طلبت جزء من جهازي.”
وبصيت لحماتي:
“أنا مش هعيش طول عمري وأنا بدفع تمن إن ابنك اتجوزني.”
أمي كانت بتعيط، وأبويا ساكت.
أما محمود، ففضل واقف مش عارف يقول إيه.
وبعد لحظات قال:
“طيب… لو الطلاق هو اللي هيريحك، أنا مش همنعك.”
بصيتله وقلبي وجعني.
رغم كل اللي حصل، كنت أتمنى أسمع منه كلمة واحدة تتمسك بيا.
لكنه اختار السكوت تاني.
قلت:
“خلاص.”
دخلت أوضتي، وبدأت ألم حاجاتي اللي كنت جبتها معايا يوم الفرح.
وأنا بلم آخر حاجة، لقيت أمي داخلة عليا.
قالت: “متأكدة يا بنتي؟”
بصيتلها وقلت:
“أيوه يا أمي.”
قالت: “يمكن تندمي.”
قلت:
“الندم إني أسيب جوازة باظت من تاني يوم، أهون من إني أعيش طول عمري حاسة إني عبء على أهلي.”
حضنتني أمي.
وفي نفس اللحظة، سمعت صوت محمود من بره بيقول:
“هاجر… قبل ما تمشي، لازم تعرفي حاجة.”
خرجتله.
قال وهو باصص لأمه:
“العشرين ألف دول… أنا كنت فاكر إن أمي هتاخدهم وتسدد بيهم دينها.”
حماتي بصتله بحدة.
لكنه كمل:
“بس أنا عرفت النهارده إن الدين ده مش زي ما كانت بتقول.”
أبويا سأله:
“أمال إيه؟”
محمود بص لأمه وقال:
“هي كانت مخبية علينا إن الفلوس دي مش عليها هي…”
وسكت.
كلنا بصينا له.
وقال:
“الدين ده باسم أخويا… ومرات أخويا هي نفسها اللي كانت جايبة الصباحية اللي حماتي بتقارن هاجر بيها.”
سكت البيت كله بعد كلام محمود.
بصيتله وقلت: “يعني إيه الدين باسم أخوك؟”
قال: “أخويا كان داخل في مشروع وخسر، وأمي كانت بتساعده من ورا ضهرنا. ولما مرات أخويا جابتلها صباحية كبيرة، أمي أخدت جزء منها وسددت بيه من الدين.”
أبويا قال: “وده ماله ببنتي؟”
محمود هز راسه: “مالوش.”
بصيت لحماتي وقلت: “طب ليه طلبتي مني أنا العشرين ألف؟”
فضلت ساكتة.
محمود قال: “لأنها كانت عايزة تعمل نفس اللي حصل مع مرات أخويا.”
حماتي اتعصبت: “أنا كنت عايزة أحافظ على كلمتي قدام الناس!”
قلت: “قدام الناس؟ وعلى حساب أهلي؟”
قالت: “إنتِ مش فاهمة.”
رديت: “أنا فهمت كويس.”
وقفت قدامها وقلت:
“إنتِ ما كنتيش عايزة صباحية… إنتِ كنتِ عايزة فلوس.”
سكتت.
كملت:
“ولما أهلي جابوا اللي يقدروا عليه، بدل ما تشكريهم، حسستيهم إنهم مقصرين.”
أبويا قال بهدوء: “وأنا مش زعلان على الفلوس يا بنتي.”
بصيتله.
قال: “أنا زعلان إننا كنا فاكرين إننا بنجوزك لراجل هيحافظ عليكي، وطلع أول امتحان بينكم وأهله حطوكي في كفة والفلوس في كفة.”
محمود نزل عينه في الأرض.
وبعد شوية قال:
“أنا غلطت يا هاجر.”
بصيتله.
قال: “غلطت لما سكت، وغلطت لما وافقت أضغط على أهلك.”
سألته: “ولو أبويا كان قدر يدفع؟”
ما ردش.
قلت: “كنت هتفضل ساكت برضه.”
قال: “مش عارف.”
قلت:
“وأنا عرفت كل حاجة محتاجة أعرفها.”
حماتي حاولت تتكلم، لكن أمي قاطعتها لأول مرة:
“خلاص يا حاجة زينب… بنتي مش هترجع.”
حماتي بصتلها، وبعدها بصت لمحمود.
لكن محمود ما اتكلمش.
أنا أخدت حاجتي، ومشيت مع أبويا.
وقبل ما أخرج من الباب، بصيت لمحمود للمرة الأخيرة.
كان واقف مكانه.
قلتله:
“أنا كنت أتمنى جوازي يبدأ بحب وأمان… مش بحسابات وديون وصباحية.”
وبعدين خرجت.
بعد كام يوم، تم الانفصال بهدوء، وكل واحد أخد حقه من غير مشاكل.
وأهلي ما دفعوش جنيه واحد.
أما الحاجة زينب، فبعد ما عرفت إن ابنها التاني هو اللي سبب الدين، وإن مرات ابنها كانت جابت الصباحية من غير ما تكون مجبرة على مبلغ معين، اضطرت تتحمل نتيجة اللي عملته.
وأنا؟
رجعت بيت أبويا، وبدأت من جديد.
والحاجة الوحيدة اللي فضلت في دماغي من كل اللي حصل، إن العروسة ممكن تدخل بيت جوزها ومعاها جهاز وصباحية ودهب…
لكن أهم حاجة تدخل بيها بيتها الجديد هي الإحساس إنها مش سلعة، وإن كرامتها مش ليها سعر.