كان فاضل
ييجي المدرسة عندنا؟
ميادة كانت بتعدل شعرها وبتسأل واحدة من مدرسات الإنجليزي هو متجوز؟ حد يعرف عنه أي تفاصيل؟ أصل الصور بتاعته اللي في الجرايد كلها في مؤتمرات وافتتاحات مشاريع، ومحدش بيعرف حاجة عن حياته الشخصية.
أنا وقفت جنب كولمن المية وبسأل زميلة تانية بهدوء هو مين اللي جاي ده وعاملين علشانه كل الدوشة دي؟
ريهام لفت وشها وبصتلي من فوق لتحت بنظرة استهزاء كأنها شافت كائن من كوكب تاني مين اللي جاي؟ إنتي بجد عايشة في كوكب تاني ولا بتتصنعي؟ ريان بيه السلحدار بنفسه جاي النهاردة! صاحب مجموعة السلحدار للتطوير العقاري والاستثمار. الراجل اللي اشترى الأرض اللي جنب المدرسة وبيعمل أكبر كمبوند في المنطقة، وجاي النهاردة عشان مجلس الإدارة بيحاول يقنعه يدخل شريك في إدارة وتطوير مدارس تانية تابعة للمجموعة، غير إنه هيتبرع بتطوير كل الملاعب وأجهزة الكمبيوتر في المدرسة هنا.
الاسم نزل على ودني زي الصاعقة.
ريان السلحدار؟
قلبي دق بسرعة، بس فجأة عقلي قالي أكيد تشابه أسماء. مصر كلها مليانة عائلات اسمها السلحدار، واللي وصلني ده كان لابس جاكت عادي وجينز وراكب عربية جيب، آه شكلها محترم بس مش لدرجة إنه يكون الملياردير صاحب المجموعة اللي بتتكلم عنها مصر كلها في التلفزيون واليافطات في الشوارع. الراجل اللي قابلته كان بسيط، بيشرب قهوة في كوباية كرتون وواقف في الشارع يستنى معايا ميكروباص. استبعدت الفكرة تماماً وقولت لنفسي إني بدأت أخرف من كتر التعب وقلة النوم.
الساعة كانت حوالي واحدة الضهر لما جه استدعاء لكل المدرسين والمشرفين إنهم يتجمعوا في الصالة الرئيسية عند المدخل عشان يرحبوا بالوفد والضيف الكبير. الكل كان متوتر، والمديرة كانت واقفة وشها أصفر من كتر ما هي قلقانة.
ريهام وميادة كانوا واقفين في أول الصف، حاطين ميك أب كامل وواقفين بابتسامات عريضة جاهزة لأي لقطة، وأنا فضلت واقفة ورا خالص جنب باب الفصل بتاعي، لابسة الجاكت الكحلي البسيط بتاعي وشنطتي القماش على كتفي، يدوب مستنية المولد ده يخلص عشان ألحق أروح البيت لعمر.
فجأة، البوابات الحديدية الكبيرة اتفتحت. دخلت موكب من تلات عربيات سودا فخمة جداً، وحراس أمن نزلوا بسرعة وفتحوا باب العربية اللي في النص.
نزل راجل طويل، لابس بدلة رمادية متفصلة عليه بالملي، ساعته بتلمع في الشمس، وخطوته تقيلة وفيها هيبة خلت الساحة كلها تسكت فجأة، حتى صوت العصافير كأنها كتمت.
رفعت راسي أبص عليه من بعيد… وفجأة الدنيا كلها وقفت.
هو.
نفس الملامح الهادية، نفس النظرة الثابتة، بس الفرق الوحيد إنه مكنش لابس الجاكت البسيط ولا القميص الجينز. ده كان ريان السلحدار بكل سلطته ونفوذه اللي بيهز السوق.
المديرة جريت عليه بابتسامة مصطنعة وهي بتمد إيدها وترحب بيه أهلاً وسهلاً بحضرتك يا ريان بيه، نورت مدرستنا، الزيارة دي شرف كبير لينا ولكل الإدارة، إحنا محضرين لحضرتك جولة كاملة في المبنى عشان تشوف إمكانياتنا.
ريان سلم عليها ببرود وبابتسامة يدوب مرسومة على شفايفه احتراماً للبروتوكول أهلاً بيكي يا فندم، الشرف ليا.
ريهام وميادة كانوا واقفين في أول الطابور، ريهام قربت خطوة لقدام وحاولت تلفت نظره بصوت ناعم ومفتعل أهلاً بحضرتك في قسم الكيدز إيريا يا فندم، إحنا المشرفات على القسم وبنحب نرحب بوجودك معانا في المدرسة.
الكل كان متوقع إنه يوقف يتكلم معاهم أو يشكرهم ويكمل مع المديرة للمكتب الرئيسي، خصوصاً وإن ريهام وميادة كانوا واقفين في وشه ومستنيين أي كلمة.
لكن اللي حصل خلى المكان كله يتشل حرفياً.
ريان مبصلهمش حتى. عينه كانت بتدور بين الوجوه اللي في الخلفية، بيعدي الصفوف بنظراته لحد ما عينيه جت في عيني مباشرة. ملامحه الجادة اتبدلت فجأة لنظرة دافية مألوفة، وابتسامة خفيفة ظهرت على وشه، نفس الابتسامة بتاعة القهوة اللي بالصدفة.
من غير ما يرد على المديرة ولا يلتفت لريهام وميادة اللي كانوا مادين إيديهم في الهوا، بدأ يمشي بخطوات واثقة ومستقيمة، مش ناحية قاعة الاجتماعات، ولا ناحية المديرة… كان ماشي في اتجاهي أنا.
الناس كلها بدأت توسعله وهي مستغربة، الهمهمات بدأت تطلع في كل زاوية، وكل الرؤوس لفت تبص هو رايح فين. ريهام وميادة فضلوا واقفين متصلبين في مكانهم، عنيهم طالعة لبرة من الصدمة ومش فاهمين الراجل ده سايب كل الإدارة ورايح لمين في آخر الطرقة.
وصل ريان لحد عندي، وقف على بعد خطوتين، وابتسم وقال بصوت واضح وواثق سمعه كل اللي واقفين مساء الخير يا نورين، يارب تكون الألوان واللوح اللي شيلناهم سوا كفوا ولاد الحضانة النهاردة ومطلعوش قليلين.
السكوت اللي عم المكان كان مرعب. المديرة فتحت بقها ومش عارفة تنطق، وريهام وشها قلب أبيض كأن الدم هرب منه تماماً، أما ميادة فمفاتيح عربيتها وقعت من إيدها على الأرض وعملت صوت رنة عالية في الساحة المفروشة رخام.
أنا نفسي حسيت إن لساني مربوط، بصيت في عينيه وأنا شايفة كل التحدي والجدعنة اللي كان مخبيهم ورا مظهره البسيط. كان جاي يثبت حاجة، بس مش لنفسه… كان جاي يثبتها للكل علشاني.
صوت رنة مفاتيح ميادة وهي بتقع على الرخام كان هو الصوت الوحيد اللي كسر الصمت المطبق اللي نزل فجأة على الطرقة كلها.