كان فاضل
كان فاضل تمانية دقايق بالضبط وأقفل المخبز، وفجأة الباب بدأ يترزع كأن اللي برة بيستغيث ودا آخر أمل ليه في الدنيا.
ليلة شتا تقيلة والدنيا بتمطر تلج في شوارع المعادي، والشارع كان مقطوع مفيهوش صريخ ابن يومين، والهوا بيخبط في الفاترينة الزجاج بصوت يخوف.
كنت طفيت نص النور وبحسب إيراد الدرج لما سمعت تلات خبطات ورا بعض
أبوس إيدك، افتحي!
قربت من الباب وبصيت.
كان راجل واقف برة، في أوائل الأربعينات كدة.
لا لابس جاكيت ولا كوفية، لابس قميص كحلي غرقان مية ولازق على جسمه، وبنطلون قماش شيك وجزمته متبهدلة طين ومية، وشفايفه زرقا من السقعة.
فتحت الباب على طول من غير تفكير.
ادخل يا أستاذ، ادخل بسرعة!
خطى خطوتين ورجليه خانته، فمسك في ضهر الكرسي عشان ما يقعش.
أنا.. أنا ممعيش ولا مليم.
اقعد بس الأول.
محفظتي وموبايلي راحوا، مش هعرف أشتري حتى رغيف عيش ناشف.
وأنا مسألتكش جيبك فيه كام!
سندته وقعدته على ترابيزة قريبة من بيت النار الكبير بتاع الفرن، وجبت بطانية صوف قديمة رميتها على كتافه، وشغلت الدفاية الشمعة الصغيرة اللي بنسيبها للمساء وقربتها منه.
كانت إيديه بتترعش بطريقة تخليه مش عارف حتى يضم صوابعه على بعض.
إنت بقالك كتير في الشارع والسقعة دي؟
مش عارف.
نص ساعة مثلاً؟
هز راسه بلا.
ييجي أكتر من ساعة.
دخلت جوة، سخنت له مج سحلب سخن مولع، وطلعت قرصتين بالعجوة وسمنة بلدي من اللي كانوا لسه خارجين من الفرن العصر.
رجعت وحطيتهم قدامه، فضل باصص للمج كأني حطيت قدامه دهب وياقوت.
قولتلك مش هعرف أدفعلك تمن الحاجة دي.
ما أنا سمعتك خلاص.
طب بتعملي معايا كدة ليه؟
زقيت الطبق ناحيته
عشان إنت قاطع النفس من السقعة وجسمك متلج.. سمي بالله وكُل.
مسك المج بإيديه الاتنين عشان يدفيهم، وبعد كام دقيقة الوش الشاحب بدأ يرجع له شوية دم، وقالي إن اسمه إيهاب.. ومقالش أكتر من كدة حرف.
أنا بقى ليلى البنا، عندي 32 سنة، والمخبز دا كان بتاع ستي أمينة وفضل مفتوح أكتر من 41 سنة.. أنا اتعلمت أقرّص العيش وأنا واقفة على طشت مقلوب عشان مكنتش طايلة طبلية العجين.
لما ستي ماتت، سابتلي المخبز ووصية واحدة مكتوبة على كارت كرتون أصفر لسه معلقاه جنب درج الفلوس
سُوق الخير وسكّت السؤال.. ساعد الأول وبعدين اسأل.
إيهاب رفع عينه وقرا المكتوب.
إنتي بتعملي كدة علطول؟
بعمل إيه؟
بتدخلي وتأكلي أي حد غريب يجيلك كدة؟
ستي الله يرحمها كانت تقول معدن البني آدم بيبان في معاملته للي مفيش من وراه مصلحة.
إيهاب بطل يشرب، وبصلي بصه غريبة للحظات، ملامحه كلها اتغيرت وقال
ستك دي شكلها كانت ست واعية ومربياكي صح.
واعية وبتفهم في الأصول، بس كانت بتلسوع بمغرفة الخشب لو حد غلط في وزن الرغيف!
ضحك.. ودي كانت أول مرة أشوفه بيضحك.
ضحكة صغيرة وتعبانة، بس طالعة من قلبه.
بعدين عرفت إن الليلة دي كانت بالذات الذكرى السنوية لوفاة والدته، بس وقتها مقالش ربع كلمة، فضل قاعد ساكت جنب الفرن لحد ما الدفا سرى في عظمه وبطل يترعش.
وهو ماشي، طلعت كوفية صوف رصاصي من الدولاب
لف دي على رقبتك.
لا، كدة كتير أوي ومينفعش أقبل.
ابقى هاتها معاك في أي يوم وإنت معدي.
ولو مرجعتش؟
خلاص، أهو على الأقل متطلعش بكرة في حوادث اليوم السابع ميت متجمد ولابس قميص ماركة غالي أوي على واحد بيقول ممعيش حق رغيف عيش!
بص لكم قميصه، وبعدين بصلي وانفجر في الضحك.
كنت فاكرة إنها خلاص حكاية وعدت ومش هشوفه تاني، بس لقيته راجع بعد يومين، وجايب الكوفية مطبقة ومكوية بالمسطرة.
جيت أحاسب على السحلب.
ملكش حساب عندي.
طب حق القرصتين؟
ولا مليم.
طب يبقالك عندي شغلانة أعملهالك.
كنت وقتها بماسك المقشة وبكنس الدقيق من الأرض، قمت ماداله المقشة
اتفضل.. ابدأ من الركن دا.
ويا ريته ما مسكها! طلع ملوش في الشغل دا بنص جنيه.
مع الوقت، ومن غير ما أحس، إيهاب بقى يهل بعد الساعة 6 المغرب، كان بيقول إنه شغال في شركة استشارات واستثمار في التجمع، وعمره ما حكى تفاصيل، بس كان ييجي يقف يغسل الصواني، يشيل معايا شوال دقيق، وجرب مرة يزوق صينية كيكة طلع منها أشكال غريبة لدرجة إن الأسطى شحاتة الصنايعي قاله إيه يا بيه، إحنا قلبنا المخبز حلويات أشباح ولا إيه؟.
وإيهاب قعد يضحك أعلى مننا كلنا.
شوية بشوية مبقتش أسأل هو جاي ولا لأ، بقيت مستنياه وخلاص.
في ليلة سألته هو ليه بيجي هنا كل يوم بعد شغله، لف بعينه في المخبز.. بص للترابيزات الخشب القديمة، صور ستي المعلقة، ورسومات عيال الزباين اللي لازقاها على الحيطة، وقال بهدوء
عشان هنا المكان الوحيد اللي محدش عايز مني فيه مصلحة.
رفعت صاج عليه سمنة وقولتله
لا مين قالك، أنا عايزاك تغسل الصاج دا عشان عيني وجعاني!
ابتسم وقال
دي حاجة تانية خالص.
ومفهمتش قصده إيه ساعتها.
بعد تلات شهور.. الصدمة نزلت عليا زي المرزبة.
لقيت جواب رسمي متدبس على باب الحديد بتاع المخبز.
شركة المتحدة للتطوير العقاري والاستثمار اشترت البلوك والعمارة كلها، والإيجار بتاعي هيزيد 400 من أول الشهر الجاي، ولو مش عاجبني، قدامي مهلة 14 يوم للإخلاء الجبري!
قريت الورقة مرة واتنين وتلاتة وعشرة، الكلام مش عايز يتغير.. مخبز ستي اللي شقيانة فيه 40
سنة هيتقفل ويضيع في أسبوعين؟!
مسكت التليفون وإيدي بتترعش وطلبت الرقم المكتوب، وبعد تحويلات من سكرتيرة لسكرتير، وصلت ل محمود الهواري، المدير الإقليمي للشركة.
يا فندم المخبز دا شغال بقاله عقود وأكل عيشنا منه!
عارف يا آنسة ليلى.
وعندي صنايعية وبيوت مفتوحة، سبع تنفار برقابهم!
يا ست ليلى الموضوع مش شخصي، بزنس يعني بزنس.
لحضرتك بزنس، ليا أنا دي حياتي!
الأرض هنا قيمتها الاستثمارية أعلى بكتير من شوية عيش وفينو بيطلعوا كل يوم.
ضغطت على سماعة التليفون بقهري
طب نتفاهم بالمعقول، راعوا ربنا فينا!
ضحك باستهزاء
معقول لمين بالظبط؟ بصي يا شاطرة.. 14 يوم وتفضوا المكان، لو جه الميعاد ولقينا حاجة جوة، المقاولين والعمال بتوعنا هينزلوا يكسروا ويرموا كل حاجة برة.
يرموا إيه؟!
الفرن، العجانات، الصاجات، الفاترينة.. كله على الرصيف.
وصوته قلب لجفاف يرعب
فنصيحة ليكي يعني، وفري على نفسك منظر حاجتك وهي متبهدلة في الشارع قدام الناس والجيران.
وقفل السكة في وشي.
الدنيا لفت بيا وركبي خابت، كان إيهاب واقف ورايا من غير ما أحس، وسمع المكالمة كلها.
دي شركة المتحدة؟
هزيت راسي والدموع محبوسة في عيني، وناولته الإنذار.
مسك الورقة وقراها، ولأول مرة من يوم ما عرفته، شوفت وشه بيتحول لكتلة تلج وقسوة عمري ما شوفتها فيه، والدفا كله طار من ملامحه.
مين كلمك وقال الكلام دا؟
واحد اسمه محمود الهواري.
صوابعه اتشنجت على الورقة وكرمش طرفها.
في إيه يا إيهاب؟ إنت تعرفه؟
مردش عليا على طول، فضل باصص للوجو الشركة، وبعدين لاسم الهواري
عارفه كويس.. عارفه أكتر ما هو عارف نفسه.
إنت اشتغلت معاهم قبل كدة؟
إيهاب طبق الورقة بهدوء غريب ومرعب، وبصلي
ليلى.. بكرة الصبح تفتحي المخبز في ميعادك عادي جداً.
بصيتله وأنا مش مستوعبة
إنت بتقول إيه؟!
اطلعي بدري، اعجني العيش، ولعي الفرن، وبيعي للناس.. كأن مفيش أي حاجة حصلت.
بقولك الراجل بيقولي هيرمي فرني وعجاني في الشارع كمان 13 يوم!
مش هيقدروا يمسوا طوبة واحدة هنا.
ضحكت بمرارة، مش هزار بس من قلة الحيلة
إيهاب.. دي شركة بميارات الجنيهات ووراها حيتان، وإحنا غلابة بنبيع قرصتين وعيش!
قرب مني خطوة وبص في عيني بجمود
بصيلي هنا.. بصيلي يا ليلى.
رفعت عيني فيه، النظرة