ابني بيكسب

ابني بيقبض أكتر من مية ألف جنيه في الشهر، وإنتِ ملبّسة ولادي هدوم من البالة؟! ده العيال في المدرسة بقوا بيتريقوا عليهم!
حماتها، سميحة، خبطت بإيدها على ترابيزة محل الورد بتاعها في سوق طنطا، لدرجة إن الورد اللي في الجردل اتحرك من مكانه، وواحدة من الستات اللي في المحلات اللي جنبها بصّت ناحيتهم باستغراب.
قدامها كانت مريم واقفة ساكتة، ماسكة إيد ولادها.
ملك، عندها تسع سنين، كانت لابسة جاكيت شتوي وردي مستعمل، ولسه عليه اسم بنت تانية مطرز بخيط أبيض نور.
أما آدم، اللي عنده خمس سنين، فكان لابس كوتشي أكبر من مقاسه بحوالي مقاسين.
سميحة بصت لمريم من فوق لتحت وقالت
جوزك قالي إنه بيديكِ اتناشر ألف جنيه كل شهر الفلوس دي بتروح فين؟ بتصرفيها على إيه؟
مريم فضلت باصة في إيديها.
إيديها كانت ناشفة ومتشققة من كتر الغسيل والمنظفات، ومفيش في صوابعها لا خاتم ولا حتى طلاء أظافر.
ما ردتش.
كل اللي عملته إنها دخلت إيدها اليمين أكتر جوه جيب الجاكيت.
وكانت قابضة على تلات تذاكر أتوبيس.
طنطا القاهرة.
الجمعة، الساعة خمسة وأربعين دقيقة الصبح.
تذكرة لشخص كبير.
وتذكرتين لطفلين.
رايح بس من غير رجوع.
يا تيتة
ملك شدت كم سميحة بهدوء.
البنات في المدرسة بيسموني بنت البالة.
الكلمة نزلت على سميحة زي الحجر.
بصت لمريم مستنية إنها تدافع عن نفسها.
لكن مريم ما قالتش ولا كلمة.
مسكت آدم من إيده، وحاوطت ملك بدراعها، ومشيت وسط الزحمة من غير ما تبص وراها.
سميحة فضلت واقفة مكانها، وهي مقتنعة تمامًا إن مرات ابنها واحدة مهملة ومش بتعرف تشيل مسؤولية بيتها وولادها.
وما كانتش تعرف إن الست اللي خرجت قدامها بالشكل ده كانت شايلة سر تقيل جدًا.
سميحة قضت سبعة وعشرين سنة من عمرها بتبيع الورد.
بدأت بجردلين ورد جنب مدخل السوق، وبعد السنين بقى عندها محل محترم، تلاجة كبيرة للورد، وفاترينة زجاج، وزباين ثابتين بييجوا لها في الأفراح والخطوبات وأعياد الميلاد وحتى الجنازات.
التلاجة الكبيرة دي كان ابنها محمود هو اللي جابهالها.
ابنها الوحيد.
فرحتها وفخرها.
محمود كان عنده شركة صغيرة للمقاولات والتشطيبات، وكل يوم حد كان بيتصل بأمه يحكيلها عن شغله.
شوفي يا أمي، الشقة دي لوحدها طلعتلي منها مية وتلاتين ألف.
ومرة تانية يقول لها
المطبخ ده صاحبه دفع فيه تمنين ألف جنيه!
سميحة كانت بتسمع الأرقام دي وقلبها يرقص من الفرحة.
ابنها بقى معاه عربية جديدة، وساعة غالية، وشقة في كومباوند محترم في أكتوبر.
ولما مريم سابت شغلها الإداري بعد ما خلفت آدم، محمود قال لأمه بمنتهى الثقة
مراتي مش هتتبهدل عشان شغلانة بتمانية آلاف جنيه. أنا قادر أصرف عليها وعلى العيال.
سميحة وقتها كانت هتعيط من الفرحة.
وقالت لنفسها
ابني كبر وبقى راجل شايل بيته.
تاني يوم من الخناقة اللي حصلت في السوق، سميحة راحت اشترت لولادها هدوم جديدة.
بنطلونات، بلوفرات، جاكت لملك، وكوتشي جديد لآدم.
وراحت لهم البيت وقت الغدا، وحطت الشنط قدام الباب.
خدوا يا حبايبي عشان العيال يبقى عندهم هدوم تليق بيهم.
محمود حضن أمه وضحك.
يا أمي إنتِ كده بتكسفيني! ما كانش ليه لازمة. أنا مدي مريم فلوس تكفيهم وزيادة.
مريم أخدت الشنط من غير ما تقول حاجة.
وفي العشا، محمود داق الشوربة، وعمل وشه وقال
مملحة تاني!
وبص لمريم بضيق
هو أنا كل مرة هفضل أقولك على حاجة بسيطة زي دي؟!
سميحة ضحكت معاه.
لكن مريم ما ضحكتش.
الأغرب إنها أصلًا ما قعدتش على السفرة.
تاني يوم، سميحة جالها اتصال من الست اللي في محل الهدوم.
مدام سميحة، معلش إني بكلم حضرتك مرات ابنك رجعت كل الهدوم اللي اشترتيها امبارح.
سميحة اتنحت.
رجعتها؟ ليه؟
قالت إنها محتاجة تمنهم كاش.
سميحة حسّت إن حاجة اتكسرت جواها.
في نفس اليوم راحت على شقة ابنها من غير ما تكلمه.
أول ما شافت مريم قالت بعصبية
إنتِ بتسرقي من ولادك كمان؟! حتى الهدوم اللي جبتها لهم رجعتيها وخدتي فلوسها؟!
وش مريم اصفر.
هرجّع الفلوس.
أنا مش عايزة فلوسك! جوزك بيصرف عليكي، وأنا اللي بجيب حاجات للعيال، وإنتِ بتبيعيها وترجعيها عشان تاخدي تمنها! الفلوس دي بتعملي بيها إيه؟!
مريم فضلت ساكتة.
حطت إيديها ورا ضهرها عشان سميحة ما تشوفش رعشتهم.
بالليل، سميحة اتصلت بابنها.
محمود إنت فعلًا بتدي مريم اتناشر ألف كل شهر؟
طبعًا يا أمي. كل شهر في ميعادهم.
وبتديها زيادة؟
سكت محمود شوية.
وبعدين قال
أنا مش فاهم هي بتعمل إيه بالفلوس أصلًا. وبصراحة الفترة الأخيرة كمان بقيت ألاقي فلوس ناقصة من المحفظة.
سميحة سكتت.
لأول مرة، بدأ الشك يدخل قلبها.
تاني يوم الصبح، وهي واقفة في محلها، جارتها في السوق نجوى قربت منها وقالت بصوت واطي
سميحة أنا مش عايزة أقولك حاجة تزعلك، بس لازم تعرفي.
سميحة بصتلها.
في إيه؟
نجوى قربت أكتر.
مرات ابنك كل يوم الصبح بعد ما بتوصل العيال المدرسة، بتروح العمارة اللي قدام بيتكم.
بتعمل إيه هناك؟
نجوى بصت حواليها وبعدين قالت
بتطلع الشقة اللي في الدور التالت.
سميحة قلبها بدأ يدق.
شقة مين؟
راجل ساكن لوحده.
سميحة اتجمدت.
راجل؟!
نجوى هزت راسها.
أيوه راجل مش صغير. يمكن في الخمسين كده.
الكلام وقع على سميحة زي الصدمة.
ما استنتش.
قفلت المحل وراحت على العمارة.
طلعت الدور التالت.
وقفت قدام الشقة.
سمعت صوت مية جوا.
وبعدين سمعت صوت مريم.
خبطت على الباب جامد، وفضلت خابطة من غير ما تستنى.
بعد ثواني، الباب اتفتح.
مريم ظهرت قدامها.
كانت لابسة جوانتي مطاط، وفوق هدومها مريلة قديمة.
سميحة بصت جوه الشقة بسرعة.
لكن مفيش راجل.
مفيش عشيق.
مفيش حاجة من اللي كانت بتفكر فيها.
كان فيه بس ست عجوز عندها حوالي ستة وتمانين سنة، قاعدة على كرسي متحرك، وشعرها مبلول، وفوق كتافها فوطة كبيرة.
الست العجوز بصت لسميحة شوية، وبعدين ابتسمت بهدوء غريب.
وقالت
إنتِ بقى حماتها؟
سميحة ما عرفتتش ترد.
العجوز كملت
اتفضلي ادخلي.
وبعدين بصت لمريم، ورجعت عينيها لسميحة.
أصل كان لازم تعرفي بنفسك الفلوس بتروح فين.
سميحة وقفت مكانها مش قادرة تتحرك.
فلوس إيه؟!
العجوز ابتسمت.
الفلوس اللي ابنك مخبيها عنك من سنين.
سميحة حسّت إن نفسها اتقطع.
ابني؟!
العجوز هزت راسها ببطء.
أيوه ابنك.
وبصوت أوطى قالت
بس دي مش أكبر حاجة مخبيها عنك.
مريم نزلت عينيها في الأرض.
وسميحة بصت لها، لأول مرة وهي مش عارفة تصدق مين فيهم.
وفي اللحظة دي، العجوز مدت إيدها ناحية درج صغير جنبها، وطلعت ملف بني قديم.
حطته قدام سميحة وقالت
قبل ما تحكمي على مرات ابنك افتحي الملف ده.
إيد سميحة بدأت ترتعش وهي بتمدها ناحية الملف.
ولما شافت الاسم المكتوب على أول ورقة
وشها اتغير تمامًا.
لأن الاسم ما كانش اسم مريم.
ولا اسم محمود.
كان اسمها هي.
وفي اللحظة دي، فهمت إن الحكاية بدأت قبل جواز ابنها بسنين
وإن محمود كان مخبي عنها سر، لو عرفته بدري، كان ممكن يغيّر كل حاجة في حياتهم.
writingvariantdocument id74106 titleقفلة الجزء الأول
لكن قبل ما سميحة تفتح الملف، العجوز قالت لها جملة خلت الدم يهرب من وشها
اسألي ابنك الأول ليه كل شهر بيحوّل الفلوس باسمك، وبعدها ياخدها تاني؟
سميحة رفعت عينيها لمريم.
مريم كانت بتعيط في صمت.
وبصوت مكسور قالت
أنا مش كنت برجع هدوم العيال عشان أوفر فلوس لنفسي يا حماتي
سكتت لحظة.
أنا كنت بجمع كل جنيه عشان أخرج أنا والولاد من البيت قبل ما محمود يعرف.
سميحة اتصدمت.
تخرجي ليه؟! محمود بيعمل فيكي إيه؟!
مريم بصت ناحية الملف.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *