احنا لحد هنا

بس الصدمة الحقيقية مكنتش عندي… الصدمة كانت عند أخوه!
وشه اتقلب ميت لون، الدم هرب من ملامحه، وعينيه جحظت وهو باصص لطارق بذهول ورعب، ووقف فجأة من على الكنبة وقال بصوت مخنوق ومتردد:
“إيه اللي أنت بتقوله ده يا طارق؟! أنت اتجننت؟ إزاي تفكر في حاجة زي دي من غير ما تتكلم ولا تلمح حتى؟!”
طارق لف وشه ببرود قاتل، وبص لأخوه بنظرة حادة قاطعة خلت التاني يبلع ريقه وينكتم، وقال بنبرة هادية بس سمّعت الكل:
“ومالجأش ليه يا عريس؟ هي نور يعيبها حاجة؟ أدب وأخلاق وبنت أصول، ومفيش راجل عينه مليانة ويشوفها وميتمناهاش… ولا أنت عندك رأي تاني يخص خطيبتي؟”
الواطي اتلجم، وشه بقى أحمر زي الدم، شفايفه بتترعش ومش قادر ينطق بحرف واحد قدام أبوه وأبويا. كان عارف إنه لو فتح بؤه بكلمة، طارق هيكسره، ولو فكر يلمح بأي تهديد، السحر هينقلب على الساحر رسمي وقدام العيلتين.
بابا ابتسم بارتياح كبير، وبص لطارق اللي الكل يشهد بأدبه ورجولته وشغله المحترم، وقال:
“والله يا طارق يا بني أنت راجل وميتعيبش، وإحنا يشرفنا نناسبك للمرة التانية… بس الرأي الأول والأخير للعروسة.”
الأنظار كلها لفت وبصتلي، وطارق رفع عينه في عيني بنظرة أمان عمري ما حسيتها في حياتي، نظرة كأنها بتقولي: “ارفعي راسك، حقك هيرجعلك لحد عندك”. بصيت لأخوه اللي كان هيطق ويموت من الغيظ والقهر، وأخدت نفس طويل لأول مرة من شهور، وابتسمت وقولت بصوت واضح:
“موافقة يا بابا.”
الزغاريد رجعت ملت البيت تاني بضعف، وبابا شد طارق في حضنه بحرارة وهو بيقرأ معاه الفاتحة، وماما دمعت من الفرحة إن بناتها الاتنين هيتجوزوا في ليلة واحدة.
في وسط الهيصة دي كلها، وائل كان واقف زي المجنون، عينيه بتطق شرار، وعروق رقبته ناطرة من كتر الغيظ والعجز. كل ما حد يباركله على أخوه، يبتسم ابتسامة باهتة تكتم غله بالعافية. كان بيحترق؛ السحر اتقلب عليه، والبنت اللي كان فاكر إنه داس عليها وهيمشيها على عجين ميتلخبطش بتهديده، فجأة بقت خطيبة أخوه الكبير وراسها براسه!
أول ما الكل انشغل في السلامات والكلام، انسحبت بهدوء ودخلت المطبخ عشان أهرب من التوتر وأشرب بق مية يبل ريقي الناشف.
ملحقتش أرفع الكوباية، لقيت خيال أسود بيقفل عليا مدخل المطبخ.
اتخضيت وشهقت، لقيت وائل داخل وبيقفل الباب وراه نص قفلة، وشه كان محتقن وعينيه مبرقة بجنون، قرب مني بخطوات سريعة وصوته كان فحيح واطي زي التعبان:
“أنتي اتجننتي يا بت أنتي؟! إيه اللي هببتيه ده؟! فاكرة نفسك هتعرفي تلعبي معايا ولا تستغفلي أخويا؟! الجوازة دي تفركشيها دلوقتي، تطلعي تقولي مش مرتاحة ومش موافقة… وإلا وقسماً برب العزة يا نور، صورك ورسايلك التلات سنين اللي فاتوا هخليهم فُرجة على شاشات العيلة كلها وأولهم طارق وباباكي!”
رجعت خطوة لورا بخوف، وضربات قلبي دقت في وداني، ولساني اتعقد قدام نبرة التهديد اللي متعودة تخوفني.
بس قبل ما أفتح بؤي بحرف، باب المطبخ اتفتح على آخره بضلفته وطاخ في الحيطة!
إيد عريضة قوية نزلت على كتف وائل من ورا وشدته لورا بقسوة خلته يترمي خطوتين لورا ويتخبط في رخامة المطبخ.
طارق… كان واقف وعينيه مشتعلة بجمر مش طبيعي. الغيرة والغضب كانوا محولين ملامحه الهادية لوحش كاسر. هو مش بس مضايق من حركات وائل، هو شاف قربه مني ومحاصرته ليا في المطبخ، والمنظر ده ولّع في صدره حريقة غيرة رجولية مبترحمش.
قرب طارق من وائل خطوة، حط إيده الاتنين في جيوب بنطلونه ومال عليه بجسمه، وصوته نزل لدرجة همس خشنة ترعب:
“أنت نسيت نفسك يا وائل؟ داخل ورا خطيبتي المطبخ وبتقفل الباب كمان؟… وبتتكلم عن صور ورسايل إيه يا حيلتها؟”
وائل اتلجم، لونه خطف وبقى باهت زي الجير، بص لطارق وهو بيبلع ريقه بصعوبة:
“طـ… طارق، أنت فاهم غلط، أنا كنت بس… بنصحها، وبقولها تفكر كويس عشان مكنتش حاسس إنكم لايقين على بعض…”
طارق قرب وشه من وش وائل لدرجة إن أنفاسه الحامية كانت بتخبط فيه، ومسك ياقة قميصه بإيد واحدة وبسرعة خاطفة رفعه من على الأرض سنة، وقال من بين سنانه بكل قسوة:
“اسمعني ياض يا وائل، عشان أنا مش هكرر كلامي مرتين. اللي كان بينك وبين نور زمان، أنا عارفه تفصيلة تفصيلة، بس كنت مستنيك تنضف وتبطل حركات العيال. تليفونك ده لو فكرت بس تلمس شاشته بحاجة تخصها، إيدك اللي لمستها دي هكسرهالك قبل ما نفسك يخرج. نور بقت حرم طارق بيه، خط أحمر يدوس على رقبة أي حد… وأولهم أنت.”
زقه طارق في صدره زقة خلت وائل يترنح، وكمل بنظرة احتقار قاطعة:
“امشي اخرج للصالة جنب خطيبتك، وحسك عينك ألمح خيالك في نفس المكان اللي نور واقفة فيه… غووور.”
وائل خرج وهو بيجر رجليه من كتر الرعب والذل، والباب اتقفل وراه.
أنا كنت واقفة ساندة على الحوض، بنهج وبترعش من الموقف. طارق لف وشه وبصلي… كانت أنفاسه لسه سريعة وصدره بيعلى ويهبط، وعينيه مليانة كمية غيرة وحب ملخبطين بعض، قرب مني ووقف على بعد سنتيمترات، وبص في عيني بنبرة حنينة بس باين فيها ناره اللي قايدة:
“خوفتي منه؟… طول ما أنا في ضهرك، مفيش راجل على وش الأرض يقدر يقرب منك أو يرفع عينه فيكي، فاهمة يا نور؟”
فضلت باصة له وعيني مدمعة، الكلمات وقفت في حلقي من كمية المشاعر اللي حسيتها في اللحظة دي. الخوف اللي كان كابس على نفسي تلات سنين، اتبخر قصاد حماه ووقفته قدام أخوه، بس في نفس الوقت… ناره اللي كانت باينة في عينيه وهو بيحاصرني بنظراته خلت قلبي يدق في صدري زي الطبول.
مد إيده بتردد خفيف، صوابعه لمست طرف كمي كأنه بيطمن إني مش هبعد، ونزل صوته لدرجة همس كلها غيرة باينة وواضحة:
“الواطي ده مكنش بيقفل الباب عشان يهدد بس… هو مقهور عشان عارف قيمتك اللي ضيعها بغبائه، ومش هيستوعب إنك خلاص بقيتي بتاعتي أنا.”
بلعت ريقي بصوت مسموع، وهمست وأنا باصة في الأرض بكسوف ممزوج بوجع قديم:
“أنا… أنا مكنتش عايزة أورطك في مشاكلي يا طارق، هو مريض وممكن يعمل أي حاجة تؤذي أختي أو تفضحني.”
رفع دقني بصابعه برقة، وأجبر عيني تيجي في عينه، عينيه كانت ثابتة بحدة ورجولة متتهزش:
“أنتي متورطتنيش… أنتي اللي دخلتي قلبي غصب عني، ومكنش ينفع أشوفه بيمارس وساخته عليكي وأقف أتفرج. مريم أختك أمانة عندي زيها زي أختي، وحقك وحقها هيرجعوا في الوقت الصح. بس دلوقتي… عايزك تمسحي أي أثر خوف من وشك، فاهمة؟ أنتي مخطوبة لراجل، ومش أي راجل.”
أخدت نفس عميق، وابتسمت ابتسامة خفيفة لأول مرة من غير ما تكون مصطنعة. طارق ابتسم، ابتسامة هادية دافية نورت ملامحه، وبعد خطوة لورا بأدب وهو بيشاور بإيده على الباب:
“يلا نخرج، أصل مريم زمانها مستنية الشربات، ولا عايزة العيلة تفتكرنا بنحب في المطبخ من أول يوم؟”
وشي احمر زي الدم وبصيت في الأرض بكسوف، وهو ضحك بصوت رجولي واطي، وخرجنا سوا.
أول ما دخلنا الصالة، عيني وقعت على وائل؛ كان قاعد جنب مريم، بس مكنش وائل بتاع من شوية. وشه كان شاحب ومطفي، رجليه بتهز في الأرض بتوتر، وكل ما مريم تمد إيدها تمسك إيده، كان يسحبها بتلقائية من كتر الرعب، وعينه مرعوبة تبص ناحية طارق اللي قعد جنب والدي وحط رجل على رجل ببرود وثبات.
طارق رفع كاس الشربات بتاعه، وبص لوائل من طرف عينه بنظرة تحذير صريحة، وبعدين بص لبابا وقال بصوت عالي:
“عمي… بما إننا اتفقنا، أنا حابب إن الدهب وشبكة نور تتجاب بكرة بالكتير، ومش عايز مليم ينقص عن اللي يليق بيها وبأصلها، ومش هنأجل كتب الكتاب عن الأسبوع الجاي… إيه رأيك؟”
وائل في اللحظة دي اتخنق وكح جامد وكوباية المية وقعت من إيده على السجادة، ومريم اتخضت عليه: “اسم الله عليك يا وائل مالك؟!”
طارق بصله بابتسامة نصر باردة جداً، وقال بنبرة مليانة سم:
“مالك يا عريس؟ الشربات شرقك ولا إيه؟… متقلقش، لسه التقيل ورا.”
تاني يوم، النيران كانت قايدة في صدر وائل أكتر، والغل عماه تماماً لدرجة خليته يفقد عقله. طارق نزل الصبح بدري على شغله، ومريم كانت في كليتها، وأنا كنت قاعدة في الصالة بساعد ماما في توضيب البيت.
فجأة تليفوني رن، كان رقم غريب، بس أول ما فتحت الخط سمعت صوت نفسه السريع وفحيحه المليان سم:
“أنتي فاكرة الحكاية خلصت بالمسرحية اللي عملتوها في المطبخ؟ طارق مش هينفعك يا نور! قسماً برب العزة لو ما فركشتي المهزلة دي وطلبتي فسخ الخطوبة النهاردة، أنا على وصول عندكم البيت، وهقعد مع أبوكي وهفرجوا بعينيه على رسايل التلات سنين… هخليه يدبحك بإيده، وخلي طارق يجي يلمك بقى!”
الكلمات طلعت منه بتهديد صريح وقاطع عشان يخليني أترعش زي زمان، وأجري أتحايل عليه وأبوس إيده عشان يستر عليا وميفضحنيش.
بس الغريب… إني محستش بالرعشة.
الخوف اللي كان كابس على نفسي طول السنين اللي فاتت، اتبخر فجأة. حسيت ببرود عجيب بيسري في دمي، وقوة أول مرة أحسها. بصيت للمراية اللي قدامي في الطرقة، وشوفت واحدة تانية خالص غير البنت الساذجة الضعيفة اللي كانت بتخاف من خيالها.
أنا غلطت زمان لما وثقت في كلب زيه ومشيت وراه وصدقت كلامه المعسول، دي حقيقة ومش هنكرها بيني وبين نفسي… بس عمري ما هصلح الغلط ده بغلط أكبر منه، ولا هسمح لنفسي أعيش طول عمري جارية تحت رحمته وابتزازه الرخيص، ولا هضحي بمستقبلي وبراجل محترم زي طارق عشان أداري على خوفي!
أخدت نفس طويل، ورديت عليه بصوت هادي وبارد جداً، أبرد من التلج:
“خلصت كلامك؟”
هو سكت ثانية، متفاجئ ببرودي: “أنتي مش مستوعبة أنا بقول إيه؟! بقولك جاي لأبوكي!”
ابتسمت بسخرية وقولتله بقوة وثبات:
“تعالى يا وائل… مستنياك. الباب مفتوح، وبابا جوه بيشرب قهوته. تعالى ووري له كل اللي معاك، وقوله كل كلمة. أنا مش خايفة منك ولا من فضيحتك، ولو كان تمن خلاصي منك ومن وساختك إني أنزل أقول لأبويا بنفسي إني غلطت في اختياري زمان وأتحمل عقابه ورجلي فوق رقبتي، فأنا مستعدة… بس اللي أنت متأكد منه ومش عايز تعترف بيه لنفسك، إنك يوم ما تدخل وتقول، أول واحد هيتداس عليه بالجزم ويترمي في الشارع وهيتطرد من العيلتين… هو أنت.”
كملت وأنا بنفضله بكل احتقار:
“اعمل اللي تعمله، أنتا مبقتش تخوف حتى عيل صغير… وطارق لو عرف بتهديدك ده، خليه بقى يشوف هيعمل فيك إيه.”
قفلت السكة في وشه من غير ما استنى أسمع حرف زيادة، وعملت للرقم “بلوك” بكل برود، ورميت التليفون على الكنبة.
حسيت بوزن جبل كامل اتشال من فوق صدري. لأول مرة أحس بطعم الكرامة؛ الندل لما بتنفضي له وتفرجي له إنك مش خايفة من كروته المحروقة، بيبقى أضعف من نملة تحت رجلك.
وائل من غله وعماه نفذ تهديده، وراح لبابا في المعرض بتاعه ورمى كل كروته المحروقة، فاكر إنه بيكسر البيت كله وهيطلع كسبان. ورّاله الرسايل والتفاصيل وادعى إنه كان مغصوب وإنه جاي “يفضح المستور”.
بس الصدمة اللي مكنش حاسبها، إن بابا مفركش خطوبة نور وطارق… بابا أول حاجة عملها إنه طرده بشرشحة قدام العمال، ورجع البيت وشه زي الضلمة.
دخل بابا، رزع الباب وراه وقال كلمة واحدة قاطعة هزت البيت:
“مفيش جوازة لمريم من الكلب ده… كتب الكتاب ده هيتفسخ بكرة عند المأذون بالطلاق.”
مريم دخلت في نوبة عياط هستيري وهي مش فاهمة إيه اللي حصل فجأة، وماما كانت بتلطم على خدودها مصدومة، وأنا كنت واقفة راسي في الأرض، دموعي نازلة بس مش بنكر، مستنية حكم بابا عليا.
بابا وقف قدامي، عينه كانت بتنطق خذلان، وجع أب شاف بنته الكبيرة خبت عليه وغلطت:
“أنتي يا نور؟ تلات سنين مأمنك وسايبك تروحي وتيجي، تروحي تعرفي عيل واطي زي ده وتخبي عليا وتدبسيني فيه يجي يخطب أختك؟! حسابي معاكي مش ضرب ولا بهدلة… حسابك إني مش عايز أسمع صوتك ولا أشوف وشك في البيت ده.”
الكلمة قطعت في لحمي أشد من ميت قلم. دخلت أوضتي وقفلت عليا، ومريم طبعاً بعد ما فهمت اللي وائل قاله، انهارت وبقت تبصلي بلوم وعتاب كان بيحرق في روحي كل ثانية، حتى لو كانت نجت من فخه، الوجع كان كبير.
عدت أيام كئيبة على البيت، بابا مبيكلمنيش ولا بيبص في عيني، ومريم قافلة على نفسها، وأنا في عذاب الضمير… والوحيد اللي كان ثابت في نص العاصفة دي كان طارق.
طارق أول ما عرف، مسك وائل في بيتهم وفرمه علقة موت طرده بعدها من البيت وكسر تليفونه، وبقى يجي عندنا كل يوم بعد الشغل. يقعد مع بابا بالساعات، يتحمل صده ونرفزته، ويقوله بصوت هادي ورجولي:
“يا عمي نور مغلطتش غير إنها كانت صغيرة وصدقت عيل تافه، البنت شريفة ومحترمة وحافظت على نفسها، وهو اللي استغل طيبتها وكان عايز يذلها بتهديده عشان يكسركم. نور هي الضحية مش الجانية، ولو كنت شوفت فيها غلط يمس شرفها، أنا مكنتش هطلب إيدها ولا أتمسك بيها قدام أهلي كلهم بالشكل ده. اكسر وائل وعاقبه، بس متكسرش بنتك اللي ملهاش غيرك.”
فضل ورا بابا يوم ورا يوم، مكلش ولا مل، بيجيب معاه شيوخ من كبار العيلة، ومرة يتدخل عند مريم ويفهمها إزاي أختها اتحملت القهر لوحدها عشان تحميها هي في الأول، لحد ما مريم فهمت حقيقة وائل ووساخته، ودخلت عليا أوضتي اترمت في حضني وعيطنا سوا بحرقة واتصالحنا.
وفي يوم جمعة، بعد ما طارق خلص قعدته الطويلة مع بابا في الصالون، لقيته بيخبط على باب أوضتي بهدوء وواقف مع بابا وماما.
بابا كان باصصلي بعيون مدمعة، تقدم خطوة، وفتح دراعاته ليا وقال بصوت مخنوق:
“تعالي في حضني يا نور… حقك عليا إني قسيت، وعفا الله عما سلف.”
جريت على حضن بابا وانهارت في العياط وأنا ببوس إيده وراسه، وبابا بيبطبط عليا وبيشاور على طارق اللي كان واقف ساند كتفه على الباب، ودمعة فرحة محبوسة في عينه وهو باصصلي بحب وأمان ملهوش حدود، وبابا بيقول:
“اشكري الراجل ده… اللي حارب عشانك وعشان يرجعلك كرامتك وضحكتك في البيت، وعلمنا كلنا يعني إيه راجل بيحب بجد.”
بعد ما بابا خرج وسابنا في الأوضة، طارق شاورلي بإيده بنظرة طمأنينة ومشي وراه وسابنا على راحتنا، مريم فضلت قاعدة جنبي على السرير، ماسكة كفوف إيديا الاتنين بإيديها اللي كانت لسه بترتعش خفيف.
بصت في وشي وعينيها كانت حمرا ومنفوخة من كتر البكا، ملامحها البريئة كان باين عليها ألم صدمة حقيقية، بس مكنش ألم الفراق من وائل… كان ألم العتاب والحزن على اللي مريت بيه.
رفعت عينها في عيني، ونزلت دمعة سخنة على خدها، وقالت بصوت متقطع ومبحوح كله لوم وحنية:
“ليه يا نور؟ ليه مقولتليش من أول لحظة حط فيها رجله في بيتنا؟! ليه شيلتي الهم ده كله وبلعتي النار دي لوحدك؟!”
سكتت ودموعي غلبتني، مكنتش قادرة أرد، بس مريم كملت وهي بتضغط على إيدي بقوة كأنها بتلوم نفسها:
“كنتي بتشوفيه وهو بيمثل عليا الحب ويدلعني قدامك عشان يقهرك، وكنتي بتصوريني معاه بإيدك وتليفونك، وأنا الغبية اللي فرحانة وفكراه نصيبي ومفهمتش كسرة عينك ولا بهتان وشك! كنتي خايفة مني يا نور؟ فاكرة إني كنت هصدقه وأكذبك أنتي؟ ده أنتي أختي، ده أنتي اللي ربتيني بعد ماما! لو كنتي قولتِلي كلمة واحدة، كلمة بس، كنت تفيت في وشه وطردته برة حياتي من قبل ما يلمس حتى طرف صباعي!”
نزلت راسي في الأرض وأنا بنشج من العياط:
“كنت مرعوبة يا مريم… كنت خايفة عليكي تتكسري وإنتي لسه في أول فرحتك، وخايفة على اسمنا قدام بابا، وائل كان زي التعبان، هددني بالرسايل والصور وقال إنه هيجيب مناخيرنا الأرض ويفضحني… فكرت إني لو سكت واستحملت، أنتي هتعيشي مبسوطة وهو هيبعد عني وخلاص.”
مريم رفعت وشي بإيديها الاتنين ومسحت دموعي بطرف طرحتها، وهزت راسها بعنف:
“مبسوطة بإيه وبمين؟ بواحد ندل ورخيص كان داخل يستعملني كرباج يجلدك بيه؟! ربنا سترها ونور بصيرة طارق، الراجل اللي بجد، اللي كشفه وأنقذني من فخ كان هيدمر عمري كله. بس توعديني يا نور… توعديني عمرك ما تشيلي حمل ووجع زي ده في سرك تاني، إحنا ملناش غير بعض في الدنيا، ومفيش سر يتبنى عليه وجعك.”
رميت نفسي في حضنها ودفنت وشي في كتفها، ودموع السنين والخوف والذل اللي عشتهم دابوا كلهم في اللحظة دي، حاسة بقلبي بيرجع يتنفس من جديد بين دراعين أختي اللي طلعت بمية راجل من اللي كنت فاكراه يوم بني آدم.
بعد ما بابا خرج وسابنا في الأوضة، طارق شاورلي بإيده بنظرة طمأنينة ومشي وراه وسابنا على راحتنا، مريم فضلت قاعدة جنبي على السرير، ماسكة كفوف إيديا الاتنين بإيديها اللي كانت لسه بترتعش خفيف.
بصت في وشي وعينيها كانت حمرا ومنفوخة من كتر البكا، ملامحها البريئة كان باين عليها ألم صدمة حقيقية، بس مكنش ألم الفراق من وائل… كان ألم العتاب والحزن على اللي مريت بيه.
رفعت عينها في عيني، ونزلت دمعة سخنة على خدها، وقالت بصوت متقطع ومبحوح كله لوم وحنية:
“ليه يا نور؟ ليه مقولتليش من أول لحظة حط فيها رجله في بيتنا؟! ليه شيلتي الهم ده كله وبلعتي النار دي لوحدك؟!”
سكتت ودموعي غلبتني، مكنتش قادرة أرد، بس مريم كملت وهي بتضغط على إيدي بقوة كأنها بتلوم نفسها:
“كنتي بتشوفيه وهو بيمثل عليا الحب ويدلعني قدامك عشان يقهرك، وكنتي بتصوريني معاه بإيدك وتليفونك، وأنا الغبية اللي فرحانة وفكراه نصيبي ومفهمتش كسرة عينك ولا بهتان وشك! كنتي خايفة مني يا نور؟ فاكرة إني كنت هصدقه وأكذبك أنتي؟ ده أنتي أختي، ده أنتي اللي ربتيني بعد ماما! لو كنتي قولتِلي كلمة واحدة، كلمة بس، كنت تفيت في وشه وطردته برة حياتي من قبل ما يلمس حتى طرف صباعي!”
نزلت راسي في الأرض وأنا بنشج من العياط:
“كنت مرعوبة يا مريم… كنت خايفة عليكي تتكسري وإنتي لسه في أول فرحتك، وخايفة على اسمنا قدام بابا، وائل كان زي التعبان، هددني بالرسايل والصور وقال إنه هيجيب مناخيرنا الأرض ويفضحني… فكرت إني لو سكت واستحملت، أنتي هتعيشي مبسوطة وهو هيبعد عني وخلاص.”
مريم رفعت وشي بإيديها الاتنين ومسحت دموعي بطرف طرحتها، وهزت راسها بعنف:
“مبسوطة بإيه وبمين؟ بواحد ندل ورخيص كان داخل يستعملني كرباج يجلدك بيه؟! ربنا سترها ونور بصيرة طارق، الراجل اللي بجد، اللي كشفه وأنقذني من فخ كان هيدمر عمري كله. بس توعديني يا نور… توعديني عمرك ما تشيلي حمل ووجع زي ده في سرك تاني، إحنا ملناش غير بعض في الدنيا، ومفيش سر يتبنى عليه وجعك.”
رميت نفسي في حضنها ودفنت وشي في كتفها، ودموع السنين والخوف والذل اللي عشتهم دابوا كلهم في اللحظة دي، حاسة بقلبي بيرجع يتنفس من جديد بين دراعين أختي اللي طلعت بمية راجل من اللي كنت فاكراه يوم بني آدم.
مرت الشهور وكأنها بتمسح كل أثر للوجع اللي فات. اتجوزت أنا وطارق في ليلة كانت شبه الحكايات؛ يومها لبّسني نفس ديزاين الخاتم اللي كنت بتمناه، بس كان جايبه أقيم وأكبر، وباس راسي قدام الدنيا كلها وهو بيهمسلي: “مفيش حاجة تكسرك طول ما أنتي على اسمي”. عشت معاه أيام كلها أمان ودفا حقيقي، شفت فيه الراجل اللي يشيل ويصون، وعمري ما حسيت بذرة ندم واحدة، بالعكس، كنت بحمد ربنا في كل صلاة إنه نجدني من وحل وائل وكرمني بطارق.
أما وائل، فكانت أخباره بتوصلنا من بعيد؛ اتقفل بابه في العيلة وبقى معزول عن الكل ومكسور عينه، ملقاش من وساخته غير الخسارة والذل اللي حفره بإيده.
وفي يوم، كنت عند ماما في البيت بساعدها وبنقضي يوم إجازة سوا أنا وطارق، لقينا بابا داخل الصالة ووشه منور بابتسامة راحة ورضا، نادى علينا وقال:
“مريم… تعالي يا بنتي، في موضوع عايزك فيه.”
مريم طلعت من أوضتها مستغربة، قعد بابا وقال بكل هدوء:
“مهندس شغال مع عمك في الشركة، راجل محترم جداً، سأل عليكي وشافك يوم كتب كتاب نور، وكلمني النهاردة بطلب إيدك على سنة الله ورسوله، وأنا سألت عنه والكل بيحلف بأدبه وأصله الطيب… إيه رأيك نقعد معاه ونشوف؟”
مريم وشها احمر بكسوف وبصت في الأرض، وبعدين رفعت عينها وبصتلي أنا، نظرة مليانة نضج واطمئنان، ضحكت وقولتلها وأنا بحط إيدي على كتفها:
“اللي فات كان كابوس وراح لحاله يا مريومة، والمرة دي ربنا باعتلك النصيب اللي يستاهل قلبك الأبيض.”
طارق ابتسم وقال بحزم وأخوة:
“ولو طلع راجل وابن أصول وشاريكي، يبقى فرحك هيخرج من بيتي أنا ونور، وراسك مرفوعة للسما.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *