كان عنده اجتماع

​الاجتماع خلص، والوفد الألماني ودعهم باحترام شديد، وخصوصاً لـ “نور”. بمجرد ما باب قاعة الاجتماعات اتقفل وبقوا لوحدهم في الممر، ياسين فقد السيطرة تماماً.
هجم عليها، مسك دراعها بعنف وشدها ناحيته، عينيه كانت بتطلع شرار وصوته فحيح مرعب:
“انتي مين؟! انطقي! حتة الجاهلة اللي رميتها في الخرابة من ست شهور راحت فين؟ إزاي بتعرفي إنجليزي؟ وإزاي فهمتي عقد قانوني معقد زي ده؟! انطقي بدل ما أدفنك هنا!”
​نور مابينتش أي ذرة خوف. عينيها اللي كانت بتبص للأرض من ست شهور، دلوقتي بتبصله بتحدي وبرود ثلجي. بصت لإيده اللي ماسكة دراعها، وبعدين رفعت عينيها لعينيه وقالت بنبرة هادية جداً بس تقطع زي الموس:
“نزل إيدك يا ياسين بيه.. عشان لو اتمدت تاني، هقطعها لك. زمان العصفورة المكسورة اللي كنت بتستقوى عليها خلص، أو بالأصح.. كان مجرد مسرحية أبوك الله يرحمه طلب مني أمثلها عليك.”
​ياسين ساب دراعها من الصدمة، ورجع خطوة لورا:
“مسرحية؟ أبويا؟! انتي بتقولي إيه؟”
​نور عدلت ياقة عبايتها ببرود وكملت:
“أبوك كان عارف إن الغرور عماك. كان عارف إنك هتاخد فلوسه وتضيعها وتبيع الناس اللي وثقوا فيه. كان لازم يسيبلك (لجام) يمسكك بيه.. وللأسف، أنا اللجام ده. الست شهور اللي رميتني فيهم في الفيلا، كنت فكرك بتعاقبني؟ تؤ تؤ.. أنا اللي كنت بدرس كل خطوة بتعملها، كل صفقة بتخسرها من ورا غرورك، وكنت بصلح وراك في الخفاء بصفتي الشريك الأساسي.”
​ياسين حس إن كرامته بتنداس على الأرض. الدم غلى في عروقه، شدها من إيدها للمرة التانية وسحبها وراه لحد الجراج. رماها في عربيته وقفل الأبواب، وساق بأقصى سرعة كأنه هينتحر بيهم.
​طول الطريق محدش نطق كلمة. ياسين كان بيحرق الأرض بالعربيات لحد ما وصل للفيلا المهجورة في أطراف إسكندرية. نفس الفيلا اللي رماها فيها من ست شهور.
نزل وفتح بابها وشدها، كسر قفل الباب الرئيسي ودخل. كان متوقع يشوف تراب، عنكبوت، ومكان متبهدل.. لكن اللي شافه خلاه يتصلب في مكانه!
​الفيلا من جوا كانت متغيرة تماماً. أجهزة كمبيوتر حديثة جداً، شاشات عرض كبيرة متعلقة على الحيطان، ملفات متطورة، وفي النص.. سبورة قزاز كبيرة مكتوب عليها تفاصيل كل شركات الجارحي، أسماء المنافسين، ثغرات مالية، وأرقام صفقات ياسين كان فاكر إن محدش في الدنيا يعرف عنها حاجة!
​ياسين مشي في المكان كأنه في حلم، مش مستوعب. لف وبصلها:
“إيه ده؟ إنتي بتشتغلي مع مين؟ لحساب مين بتراقبيني؟”
​نور قربت من السبورة، ومسكت قلم ماركر، وعملت دايرة حمرا على تاريخ بكرة، وقالت بابتسامة غامضة:
“بشتغل لحساب إمبراطورية الجارحي.. اللي أنت كنت هتهدها بكرة الصبح لو مضيت العقد ده بشروطهم.”
​ياسين كان لسه هيزعق ويفجر غضبه، فجأة تليفونه رن. بص في الشاشة، لقى المتصل المحامي القديم بتاع العيلة (متر أسامة).
رد ياسين بصوت مخنوق: “ألو.. أيوة يا متر.”
​صوت المحامي كان بيرتعش على الناحية التانية، كأنه شايف شبح:
“ياسين بيه.. أنا.. أنا لازم أبلغك حاجة ضرورية. أنا لسه واصلي تقرير سري من البلد اللي جبنا منها عروستك.”
​ياسين عقد حواجبه وبص لنور اللي كانت بتبصله بثبات غريب:
“تقرير إيه؟ اخلص يا متر!”
​المحامي بلع ريقه وقال جملة وقفت الدم في عروق ياسين:
“البنت.. البنت اللي الباشا والدك كتب كتابك عليها بالتوكيل.. بنت الخدامة اللي اسمها (نور).. أهل البلد هناك لسه مبلغين إنها ماتت غرقانة في الترعة من سبع شهور يا بيه! يعني قبل ما الباشا يموت وقبل ما تتجوزها بشهر كامل!”
​ياسين التليفون وقع من إيده اترزع على الأرض…
عينيه اتسعت برعب وهو بيبص للبنت اللي واقفة قدامه بكل شموخ وهدوء وسط الأجهزة والشاشات..
​إذا كانت (نور) الحقيقية ماتت من سبع شهور…
أومال مين دي اللي هو متجوزها وعايشة معاه باسمها؟! ومين اللي حطها في طريقه؟!
​…يتبع…في الجزء الثاني

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *