كان عنده اجتماع
زقها تقعد على كرسي جنب المترجم، ورمى قدامها العقد و(بصامة) حبر.
ياسين اتكلم بصوت واطي من بين سنانه وهو بيبتسم للوفد:
“ابصمي هنا يالا اخلصي.. وحطي صباعك التاني هنا.. ماتفضحيناش.”
الوفد الألماني كان بيبص للبنت البسيطة دي باستغراب، والمترجم بدأ يترجم كلامهم اللي كان فيه استخفاف بالشركة وبوضع ياسين.
ياسين كان مستنيها تبصم وهي بترتعش زي عادتها.. لكن فجأة!
البنت زقت علبة الحبر بعيد.. مدت إيدها الرقيقة اللي بقت بيضا وناعمة جداً، سحبت قلم دهبي من قدام المحامي الألماني.
رفعت راسها لأول مرة.. الطرحة كانت راجعة لورا، كشفت عن وش هادي بملامح قوية وعيون بتلمع بذكاء حاد.
ياسين اتصدم وهو شايفها بتقلب في صفحات العقد المكتوب باللغة الإنجليزية المعقدة.. عينيها بتمسح السطور بسرعة مذهلة.
وقفت.. وبصت لرئيس الوفد الألماني، واتكلمت بلغة إنجليزية بلكنة بريطانية ولا أروع، وبنبرة فيها ثقة زلزلت القاعة:
“البند رقم ١٤ في الصفحة السابعة فيه تلاعب قانوني صريح يديكم الحق في الاستحواذ على ٦٠٪ من الأسهم في حالة تعثر التوريد.. وده شيء إحنا، كشركاء في مجموعة الجارحي، نرفضه تماماً. العقد ده مش هيتمضي إلا بشروطنا.”
الصمت نزل على القاعة كأن على روسهم الطير.. الوفد الألماني فتح بقه من الصدمة، والمترجم القلم وقع من إيده.
أما ياسين… ياسين حس إن الأرض بتلف بيه، مشلول في مكانه، عينيه مبرقة وهو بيبصلها كأنه بيشوفها لأول مرة في حياته…
دي مش البنت الجاهلة اللي رماها ست شهور! دي مش الخدامة اللي أبوه فرضها عليه!
ياترى مين دي؟ وإزاي بتعرف تتكلم كده؟ وليه أبوه أصر يكتبلها كل ثروته؟ وإيه اللي حصل في الست شهور اللي فاتوا؟!
حصري للكاتبه #سهر_محمد
الصمت اللي نزل على قاعة الاجتماعات كان تقيل لدرجة إن صوت أنفاسهم كان مسموع. رئيس الوفد الألماني “مستر هوفمان” فضل باصص للبنت اللي واقفة قدامه لثواني، قبل ما ملامحه المصدومة تتحول لابتسامة إعجاب واسعة.
مسك المايك بتاعه وقال بالإنجليزية:
“واو.. لم أتوقع أن مجموعة الجارحي تمتلك سلاحاً سرياً بهذا الدهاء. يبدو أننا قللنا من شأنكم يا سادة. سيتم تعديل البند فوراً.”
طول الوقت ده، ياسين كان قاعد على كرسيه زي الصنم. عينيه متثبتة عليها، بياخد نفسه بصعوبة، كأن حد ضربه على دماغه بمطرقة. إزاي؟ إمتى؟ ومين دي أصلاً؟!
عدلوا العقد، ولما جه وقت التوقيع، البنت سحبت العقد ناحيتها، وبدل ما تبصم زي ما كان متوقع، مسكت القلم ومضت بخط رقعة انسيابي وثابت: “نور الدين محمود”.