وافقت اتجوز راجل عنده

ريحة الكلور القوي وملمع الليمون كانت مالية المطبخ الواسع في الفيلا، لكن بالنسبة لي ما كانتش ريحة نظافة قد ما كانت ريحة تلات سنين من التعب والإهانة، تلات سنين وأنا بغسل وألمّع وأجري من أوضة لأوضة علشان أقدر أوفر سقف فوق راس بنتي.

كانت الساعة تلاتة العصر يوم التلات، وإيدي كانت غارقة في مية سخنة بالصابون، جلد صوابعي اتشقق ونزف من كتر ما فضلت أغسل وأفرك، ولما رفعت عيني ناحية الشباك الكبير، حطيت جبهتي على الإزاز البارد وبصيت للحديقة الواسعة قدامي، الأشجار متقصوصة بعناية، والنجيلة خضرا كأنها سجادة غالية، وبعيد عني بوابة حديد ضخمة بتفصل الفيلا عن الشارع وعن العالم كله.

وقتها افتكرت بيتي الصغير في إمبابة، الحيطة اللي الرطوبة أكلتها، والسقف اللي كل شوية ينقط مية، والأهم… افتكرت صوت الكحة.

كحة بنتي.

سلمى، بنتي اللي عندها عشر سنين.

الكحة اللي كانت بتبدأ كل ليلة بهدوء، وبعدها تتحول لصوت مكتوم يقطع قلبي، لحد ما أفضل قاعدة جنبها وأنا مش عارفة أعمل لها إيه، غير إني أحط إيدي على صدرها وأقول:

“اهدي يا حبيبتي… اهدي، ماما جنبك.”

لكن ماما ما كانتش قادرة تعمل حاجة.

الدكاترة قالوا إن علاجها محتاج متابعة طويلة وأدوية غالية، وإن حالتها محتاجة طبيب صدر أطفال متخصص، وإن بعض العلاجات مش هتقدر أتحمل تكلفتها لوحدي.

وأنا أصلًا ما كانش معايا فلوس.

كل اللي كان معايا إني أشتغل طول اليوم، وأرجع آخر الليل ألاقي بنتي مستنياني وهي بتحاول تخبي عني تعبها علشان ما تزعلنيش.

في اللحظة دي، سمعت صوت عصاية بتخبط بهدوء منتظم على أرضية الرخام.

تك… تك… تك…

ما لفيتش.

كنت عارفة مين.

الحاج محمود الشهاوي.

راجل عنده أربعة وسبعين سنة، صاحب الفيلا اللي أنا بشتغل فيها، ورجل أعمال معروف، ثروته كبيرة لدرجة إن أرقامها كانت بالنسبة لي حاجة شبه الخيال، لكن هو نفسه كان عكس الثروة تمامًا؛ قليل الكلام، شديد، ما بيبتسمش بسهولة، وكل حاجة عنده محسوبة بالدقيقة.

سمعت صوته ورايا:

“إنتِ بتعيطي يا ناهد؟”

مسحت عيني بسرعة بضهر إيدي ولفيت له.

كان واقف عند باب المطبخ، متكئ على عصاية بمقبض فضة، لابس بدلة رمادي غامق رغم إنه طول الوقت تقريبًا بيقضي يومه في البيت.

نزلت عيني للأرض وقلت:

“آسفة يا حاج محمود… هلمّع المكان تاني.”

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *