حصري لصفحة روايات رولا حماتي قالت إن ذكرى وفاتي أبويا المتوفي ممكن تستنى، وجوزي حطني قدام الأمر الواقع وخيرني؛ مضيت ورقة الطلاق، بس تاني يوم الصبح هو شاف خالي في شركته. — لو هتمشي النهاردة عشان تروحي لذكرى أباكي، امضي على ورقة الطلاق الأولى. الورقة اترميت على الترابيزة قدامي بالظبط. حماتي، سعاد، حطت فنجان الشاي ورصت نظرتها ليا كأنها مستنية إني أوطي راسي وأستسلم. جوزي، شريف، حتى مامدش إيده يشيل الورقة من قدامي. كانت الساعة 6 الصبح في بيتنا في التجمع. كنت شايلة شنطة فيها ورد أبيض، وفطير، ومحوجة من القهوة السادة اللي كان أبويا بيحب يشربها كل يوم الصبح. كان عدى سنتين على وفاته، وأمي كانت مستنياني عشان نروح نسلم عليه في المدافن ونقرأله الفاتحة، وبعدها نلم العيلة في بيتها. — أنا مبلغاك من الأسبوع اللي فات. وارجع على بعد الظهر. — النهاردة جاي عصام بيه باشا يتغدى معانا. ده في إيده ينقلني مسكة الفرع الرئيسي بالكامل. سعاد ضحكت ضحكة ناشفة. — أبوكي خلاص مات يا مريم. الذكرى دي ممكن تستنى، لكن فرصة زي دي لجوزك مش بتيجي كل يوم. حسيت إن في حاجة جوايا اتكسرت للابد. على مدار 5 سنين عمر مامنعت شريف إنه يقف جنب أمه. لما سعاد عملت عملية في الحوض، أنا اللي لغيت مواعيدي عشان أوديها وأجيبها من العلاج الطبيعي. ولما أخوها اتوفى، وقفت في العزا جنبهم أيام. عمر ما سألت هي الواجبات دي "مناسبة ليا" ولا لا. — أنا كل اللي طلباه إني أروح أقف جنب أمي ونفتكر أبويا. — انتي بقيتي ست متجوزة. أولويتك الأولى والأخيرة هي البيت ده. بصيت لشريف وأنا مستنية منه كلمة واحدة. — اقعدي النهاردة يا مريم. بلاش تكبري الموضوع من ولا حاجة. اتسمرت مكاني. من كام سنة شريف ده كان بني آدم تاني خالص. لما اتعرفت عليه كان قاعد من غير شغل، وكنا مأجرين شقة صغيرة في شبرا بننام في الصيف والمروحة المكسورة ملزوقة جنب السرير. كنت بطلع من نوبتية لنوبتية في عيادة الأسنان عشان أكمل إيجار الشقة. ولما كان يترفض في المقابلات، كنت أقعد معاه على الرصيف وأقوله إن الظروف الصعبة دي مش هي اللي بتحدد قيمتك. اليوم اللي جاتله فيه المقابلة في مجموعة "السيوفي" عيطنا احنا الاتنين من الفرحة. مع الوقت اترقى وبقى مدير المبيعات. في الأول ظهرت البدلة الماركة. بعد كده العزومات مع الرؤساء. وبعدها بدأ يتكلم عن "الناس اللي ليها لازمة"، و"الناس اللي بتزودنا"، و"الناس اللي بتعطلنا". وسعاد كانت طايرة بيه من الفرحة. وأنا فضلت برضه أعدي وأبرر. — يا مريم، أنا مش فاضي للمناهدة دي. النهاردة محتاج ست تقف في ضهري. — أنا وقفت في ضهرك لما مكنش حيلتك جنيه، ولما مكنش حيلتنا تحويشة، ولما أمك جت عاشت معانا هنا. هو وقوفي في ضهرك معناه إني أبيع إني بنت؟ سعاد خبطت بصوابعها على الترابيزة. — يا شريف، لو رخيت معاها دلوقتي، بعد كده هتعمل اللي على مزاجها. هو فتح درج النيش وطلع منه ملف. ساعتها فهمت إن التهديد ده مكنش وليد اللحظة. — الورق ده معاك من إمتى؟ ماتكلمش. قريت العنوان من فوق: "عقد اتفاق طلاق"، ورفعت عيني فيه. — انت بتخوفني عشان أقعد؟ — أنا بقولك إن كل حاجة ليها حدود. — طيب رد عليا في حاجة واحدة. لو مشيت من الباب ده عشان أفتكر أبويا، انت فعلاً عايزني أمضي؟ سعاد اتدخلت تاني. — بلاش تخليها تظبطك وتلعب بدماغك يا ابني. شريف جز على سنانه. — لو قررتي تمشي، اتحملي نتيجة قرارك. طلعت قلم من شنطتي. وشه أصفر. — مريم، بلاش دراما واهدى. — أنا عمر ما كنت هادية وواعية زي النهاردة. مضيت. اسمي انكتب تحت قرار، كان في الحقيقة بيبتني بقاله سنين. شريف قرب مني خطوة. — انتي عملتي كده بجد؟ — انت حطيت ورقة الطلاق على الترابيزة عشان فاكر إني هخاف أخسرك. مسكت شنطتي. — في حاجات كتيرة في الجواز ممكن نتكلم فيها ونصلحها. بس لما أكون محتاجة إذن من جوزي عشان أفتكر أبويا الله يرحمه، يبقى المكان ده مابقاش بيتي. لما وصلت بيت أمي في المعادي، ملقيتش طاقة أقف قدام صورة بابا. ولعت شمعة وقعدت أعيط بحرقة. — سامحني يا بابا. افتكرت إن سكاتي هيحافظ على البيت. أمي، فاطمة، حضنتني وطبطبت عليا من غير ما تسألني عن أي حاجة لدقائق طويلة. بعدها حكيتلها كل اللي حصل. — مضيتي عشان كنتي زعلانة ومقهورة؟ — لا يا أمي. مضيت لأني فهمت إني لو سلمت النهاردة، بكرة هيهددني إنه يسيبني كل ما أقول لأ على حاجة. فاطمة مسكت إيدي وقوتني. — يبقى بلاش تسيبي حد يحول حبك لخوف. في اللحظة دي دخل خالي مصطفى، أخو أمي. كان لابس قميص رمادي بسيط وشايل شنطة سفر صغيرة لأنه كان لسه راجع من السفر. أول ما شافني بعيط، الضحكة اختفت من وشه. — في إيه يا مريم؟ إيه اللي حصل؟ أمي ردت قبلي. — مريم مضت ورقة طلاقها النهاردة من شريف الجوهري. خالي اتسمر مكانه. — شريف الجوهري؟ مدير المبيعات اللي في مجموعة السيوفي؟ بصلته وأنا مذهولة. — انت تعرفه يا خالو؟ مصطفى قعد قدامي بكل هدوء. — أعرف اسمه كويس. مكنتش اعرف إن الأمور بينكم وصلت لكده. بلعت ريقي. قليل أوي من العيلة اللي كانوا بيتكلموا عن شغل خالي. بالنسبة ليا كان دايماً مجرد الخال مصطفى. ساعتها قال جملة واحدة شقلبت كل الموازين. — يا مريم، أنا رئيس مجلس إدارة مجموعة السيوفي. حسيت إن قلبي هيقف من كتر الدق في صدري. — يا خالو، أنا مش عوزاك تعمل أي حاجة ضد شريف. مصطفى بصلي بثبات. — انتي فاكرة إني هفصله عشان خناقة بين زوجين؟ — أنا بس مش عوزة طلاقي يدخل في شغله. — مش هيدخل. بس لازم تعرفي حاجة: المراجعة والتدقيق على القطاع بتاعه شغالين بقالهم 8 أيام. اتسمرت مكاني. — تدقيق ومراجعة؟ — في شكاوى من توزيع العملاء بشكل مش عادل، وضغط مش مقبول على الموظفين، وترحيل مرتجعات بين الفترات المالية. ولسه مفيش نتيجة نهائية. طلبت منه إن لو شريف بريء يحموه، ولو كان غلطان يتحاسب على غلطه وبس. — ده اللي هيحصل بالظبط. تليفوني اتهز. شريف كان رانن 3 مرات وبعدها بعت رسالة: "ارجعي البيت على بعد الظهر وبلاش تكبري المشكلة كدة". وريت الرسالة لأمي. — لسه فاكر إني هرجع وأعمله العشا. العشا ده عمره ما حصل. المسؤول الكبير اللي كان المفروض هيجي يزورنا في البيت اعتذر في آخر لحظة. وشريف قضى الليلة بطولها قاعد لوحده يبص على إمضتي. تاني يوم الصبح، نزل بدري على مجموعة "السيوفي" وهو كليقة أمل إن اجتماع المديرين ممكن يقربه من ترقية الفرع الرئيسي. بس بدال كدة، لقى قدامه العضو المنتدب، والموارد البشرية، والتفتيش الداخلي، وخالي مصطفى. المخالفات ظهرت واحدة ورا التانية. ميل كان شريف باعته بيمشي بيه تعليمات بتأخير تسجيل مرتجعات معينة عشان الربع السنوي ميعلمش هبوط. و3 موظفين كانوا مقدمين طلبات نقل بسبب أسلوب إدارته. وموظفين تانيين اشتكوا إن أحسن العملاء دايماً بيروحوا للناس اللي مش بيمشوا عكس كلامه. شريف حاول يبرر ده إنه ضغط شغل ومبيعات. مصطفى متكلمش بزعيق، قال بصوت هادي: — المدير الشاطر مش بيثبت قيادته لما الكل يطيعه عن خوف. وقفوله صلاحيات توزيع العملاء والمكافآت وتحقيق الأهداف لمدة 30 يوم لغاية ما المراجعة تخلص خالص. لما الاجتماع خلص، كنت أنا واقفة في الاستقبال تحت، لأني كنت رايحة أسلم خالي شوية أوراق عائلية قبل ما أرجع لأمي. شريف خرج من الأسانسير وشفني واقفة بتكلم مع مصطفى. كان في موظفين كتير معديين في الصالة. وشه اتقلب. — بقى هي طلعت منك انتي؟ الكل اتلفت. اتنين من المشرفين اللي يعرفوا شريف وقفوا. واحد منهم عرفني، افتكر إني الست اللي كانت بتجيب الغدا للمكتب لما جوزها كان بيسهر للشغل بالليل. بس شريف كان غرقان في غضبه لدرجة إنه نسي كل اللي عملته عشانه. شاور على هدومي البسيطة وقال بأسلوب مهين قدام الكل: — طبعاً. الزوجة الهادية اللي عمرها ما كانت بتفهم في الشغل والتجارة، يطلع رئيس الشركة وراها. حركة ملعوبة صح. — انت بتقول إيه؟ — ما رجعتيش البيت، وتاني يوم الصبح رئيس مجلس الإدارة يسحب مني صلاحياتي؟ انتي جيتي هنا عشان تدمري مستقبلي؟ حسيت بنظرات الناس كلها عليا. لأول مرة، قلة قيمته ليا مقتصرتش على المطبخ بتاعنا. — بلاش تدخل طلاقنا شماعة تشيل عليها قرارات انت اللي أخدتها بنفسك. — متعمليش فيها بريئة! انتي قلتي إيه لعصام بيه السيوفي؟ مصطفى قرب ووقف بينهم. — قالتي اللي يكفي يا شريف بيه. شريف فرد ظهره. — يا سيادة رئيس المجلس، ده موضوع شخصي بيني وبين مراتي. — مريم تبقى بنت اختي. الصالة كلها ساكتت تماماً. شريف بصلي كأنه أول مرة يشوفني في حياته. — بنت... اختك؟ — أيوه. اتلفت لمصطفى ووشه جايب ألوان. — أنا... أنا مكنتش اعرف. — هي عمرها ما استغلت اسم عيلتها عشان تاخد معاملة خاصة. وانت كمان مكنش المفروض تحتل لمعرفة مين واصل ورا البني آدم عشان تحترمه. شريف وشه اتخطف وأصفر. وفجأة افتكر حاجة. — مريم... لما من 5 سنين مجموعة السيوفي طلبتني للمقابلة... ماكذبتش عليه. — أنا طلبت من خالي فرصة عشان يقابلوك بس. مجرد فرصة. اتعينت لأنك كنت مستوفي الشروط، وكل ترقية وصلتلها كانت بمجهودك. شفايفه اترعشت. — طب ليه عمرك ما قلتيلي؟ — عشان كنت عوزاك تعرف إنك كبرت بمجهودك وشغلك، مش بعيلتي. سكت لحظة وسأل السؤال اللي كنت خايفة منه: — يعني المراجعة والتدقيق دول... مصطفى قاطعه بثبات: — بدأت من قبل ما اعرف إنك جوز بنت اختي أساساً. الحقيقة التانية نزلت عليه تقيلة أوي، أتقل من الأولى. شريف نزل عينه في الأرض. لأول مرة ملقاش حاجة يرمي عليا اللوم فيها. — مريم... أنا آسف. بصيتله قدام كل الناس اللي واقفين. — كنت هتتأسفلي لو مكنتش عرفت مين هو خالي؟ ماردش. والسكوت ده أكدلي إن إمضتي على ورقة الطلاق مكنتش اندفاع ولا لحظة غضب. في أواخر اليوم ده، شريف رجع بيتنا ولقى سعاد أمه منهارة ومش على بعضها. — قول لمريم تتكلم مع خالها! مش معقول تسيبك تضيع مستقبلك وشغلك عشان مجرد خناقة بينكم! شريف بصلها نظرة طويلة وفيه حزن مكتوم. — يا أمي، التحقيق والمراجعة بدأوا من قبل الخناقة اصلاً. — بس هي تقدر تتدخل وتصلح الموضوع! — هو ده بالظبط أصل المشكلة! لأول مرة يفهم الحاجة اللي حاولت أفهمهاله لسنين: إنه اتعود يقيم الناس على حسب منفعتهم ليه وفايدتهم لترقيته وسلطته. وسعاد كانت هي اللي بتغذى فيه النظرة دي كل يوم. — لو كنتي تعرفي إن خالها هو رئيس مجلس إدارة الشركة، كنتي هتقولي إن ذكرى وفاة أباها المتوفي ممكن تستنى؟ سعاد ماقدرتش ترد. — وأنا كمان مكنتش هحط ورقة الطلاق على الترابيزة.. وده أكتر حاجة مكسوف من نفسي بسببها دلوقتي. تاني يوم الصبح، عمل حاجة مكنش حد يتوقعها. جمع الـ 3 موظفين اللي كانوا طالبين نقل من قطاعه. — أنا مش جمعكم عشان أحاسبكم أو أعاقبكم. محدش رد والكل كان قلقان. — أنا عاوز أسمع منكم.. أنا غلطت في إيه؟ في الأول كانوا خايفين ومش مصدقينه، لحد ما واحدة اسمها هبة اتكلمت: — الضغط مكنش أصعب حاجة.. الصعب كان إحساسنا إننا لو مش بنفكر بنفس طريقتك وبنوافقك على كل حاجة، بنبقى في نظرك فاشلين وملناش لازمة. شريف نزل راسه في الأرض: — أنا آسف. محاولش يبرر موقفه، ومطلبش منهم يسامحوه عشان ينقذ شغله.. هو بس قعد يسمعهم للأخر. أول ما خلص، ركب عربيته وجاي على بيت أمي في المعادي. كنت واقفة بلم الغسيل من البلكونة لما شفته طالع. كان ماسك الورقة في إيده.. الورقة كان عليها توقيعه هو كمان. — أنا كمان مضيت. حسيت بوجعة في صدري. — انت متأكد؟ — أنا مش جاي أضغط عليكي عشان ترجعي، ولا جاي أطلب إن خالك ينقذ أكل عيشي. حط الورق على الترابيزة. — أنا جاي أعتذر. دخل الصالة اللي أمي حاطة فيها صورة بابا الله يرحمه والجمبها شمعة والورد. وقف قدام الصورة وبصلها. — عم سيد الله يرحمه.. عمره ما سألني بقبض كام ولا معايا إيه لما جيت أطلب إيدك منه. صوته بدأ يترعش ويقطع: — لما مكنش حيلتي حاجة، عاملني كأني راجل وسيد الناس.. ولما مسكت قرشين وحسيت بالسلطة، نسيت أعامل بنته بنص الكرامة اللي عاملني بيها. وطى راسه قدام الصورة: — يا عم سيد، حقك عليا.. مريم كانت رايحة تقرالك الفاتحة وتفتكرك، وأنا هددتها ببيتها وجوازها.. مفيش أي مبرر للعملته. أنا كنت بدمع في الصمت. كون إنه ندم بجد.. ده ميمحيش الأذى اللي اتسببه. وهو خارج، اتكلم معايا بهدوء أول مرة أسمعه منه من سنين: — أنا لسه بحبك يا مريم. ماردتش عليه. — بس حُبي ليكي ميدينيش الحق إني أجبرك ترجعي. لو تغيرت عشان أرجعك بس، ممكن أرجع أكون نفس البني آدم تاني أول ما أحس إنك مش هضيعي مني. استغربت كلامه جداً. — أنا لازم أتغير عشان نفسي.. حتى لو عمرك ما رجعتيلي. — أتمنى ده فعلاً. — ومش هطلب منك تستنيني. وقبل ما يفتح الباب ويخرج، اتلفت وقال: — شكراً إنك ماستغليتيش خالك عشان تدمري مستقبلي. — أنا مكنتش عوزة أدمرك.. أنا كان كل همي أوapp عن تدمير نفسي عشان أرضيك. بعد أسبوعين، المراجعة والتدقيق خلصوا. مجموعة السيوفي شالت منه منصب مدير المبيعات. متمش رفده، بس رجع لمكانة مسؤول مبيعات عادي من غير أي سلطة على حد، وتحت التقييم لمدة 6 شهور. لما سأل ليه أخد فرصة تانية ومتمش طرده، خالي مصطفى كان واضح معاه: — المسؤولية مش معناه الانتقام. انت لازم تخسر المنصب اللي أساأت استخدامه، بس لو كنت فهمت غلطك بجد، يبقى لازم تاخد فرصة تثبت ده. وبعدين كمل: — بنت اختي طلبت مني حاجة واحدة بس: إن مشكلتكم الشخصية متأثرش عليك، لا بالتعاطف ولا بالعقاب. شريف عيط بحرقة بعد ما خرج من مكتب خالي. دي كانت الضربة التالتة اللي كسرت غروره تماماً: الست اللي أهانها وحقر منها، كان عندها السلطة إنها تقضي عليه، بس اختارت إنها متجيش على أكل عيشه وشغله. وأنا كمان مخرجتش من الموضوع زي ما كنت. كملنا إجراءات الطلاق بالكامل. أمي سألتني لو كنت متأكده من قراري. — يا أمي، أنا أقدر أسامحه، بس ده مش معناه إني أرجعله. احنا عشنا مع بعض 5 سنين، اتشاركنا فيهم اللقمة، الخوف، الأهداف، وحتى الحب.. بس الرجوع لمجرد إنه أخيراً فهم الغلط، كان هيبقا معناه إني بحول ندمه لدين بصلحه على حساب نفسي وبديله فرصة تانية على حساب كرامتي. بعد 6 شهور، شريف كان لسه شغال في مجموعة السيوفي. مأخدش منصبه القديم تاني. كان شغال في نفس المستوى مع زمايله اللي كان بيتعامل معاهم بفوقية زمان. فيه ناس منهم عمرهم ما رجعوا يثقوا فيه بالكامل، وهو تقبل ده بنفس راضية. سعاد جاتلي البيت مرة واحدة بس. جات من غير شبكة ولا دهب ولا كلام فارغ من بتاع زمان. — يا مريم.. أنا حسستك إنك قليلة لأن إحساسي بنجاح ابني كان بيخليني أحس إني أكبر وأهم. — أيوه يا طنط. كانت متوقعة إني ألطف الكلام، بس أنا مالطفتوش. — وأنا قلت كلام قاسي في حق أباكي الله يرحمه. — وده حصل برضه. عينيها اتملت دموع: — سامحيني يا بنتي. — مع الوقت يمكن أقدر أسامح.. بس السماح مش معناه إني أرجع أعيش نفس العيشة تاني. سعاد هزت رأسها بالرؤوف وهي ساكتة. وده كان كفاية بالنسبة ليا. بعد سنة تقريباً، نزلت المدافن عشان أقرأ الفاتحة وأحط ورد لबाबा. أول ما قربت من المقبرة، شفت شريف واقف هناك. أول ما شافني جاب خطوة لورا: — لو عوزاني أمشي، أنا ممكن أمشي فوراً. — لا، خليك عادي. حط بوكيه ورد صغير. — أنا بجي هنا من وقت للتاني. — أمي قالتلي. فضلنا واقفين بنبص على اسم بابا المكتوب على الشاهد. — شكراً إنك مانتقمتيش مني. هزيت رأسي بنفي: — متخلطش بين العدل والانتقام. أنا مكنتش محتاجة أشوفك مدمر.. أنا كان كل اللي محتاجاه إنك تفهم إن مفيش بني آدم المفروض يصغر ويصغر عشان انت تحس إنك كبير. هز رأسه: — أنا لسه بتعلم. — يبقى كمل علم. مفيش أحضان حصلت، ومفيش رجوع درامي ولا معجزة. خرجنا من المدافن، وعند الباب كل واحد مشي في طريقه. أنا مشيت ناحية عربية أمي، وشريف مشي في الاتجاه التاني. ولأول مرة، الإحساس ده مموتنيش من الجوا. جوازي انتهى، بس مكنتش حاسة إني فشلت. اتعلمت إن العلاقة مش بتعيش لما طرف واحد يشيل كل حاجة ويستحمل الإهانة عشان يهرب من المشاكل.. العلاقة بتعيش لما الطرفين يقدروا يقولوا "الحاجة دي بتوجعني" من غير ما يكونوا خايفين إن الحب يضيع كعقاب. واتعلمت حاجة تانية أهم بكثير. قيمة الست ومش أصلها مش بيتغيروا عشان خالها رئيس شركة، ولا عشان معاه فلوس، ولا عشان واصل. أنا كنت أستاهل الاحترام والتقدير حتى لو كان خالو مصطفى ده راجل بسيط ومحدش يعرفه. وده كان الدرس اللي شريف فهمه متأخر أوي.. وكانت الحقيقة اللي كان لازم أنا أعرفها وأتعلمها في الوقت المناسب.