بنتي عندها
كله بيترعش، والعصير الأحمر بينزل من شعرها المنكوش على دراعي ويهدومي.
في اللحظة دي بالذات، حاجة جواه اتكسرت… بس مش كسر ضعف، ده كان كسر الصنم القديم اللي كنت بعبده في البيت ده صنم صلة الرحم السامة، واستحملي عشان أمك وأختك الكبيرة.
رفعت عيني ببطء شديد. نظرتي تحولت من الصدمة لجمود يربك أعتى القلوب. بصيت لرحاب أختي، اللي كانت واقفة تتنفس بصعوبة، دراعها لسه معلق في الهواء بعد ما رمت الشفشق، وبصت للقعر المكسور على الأرض وكأنها لسه مقتنعة إنها عملت إنجاز. وبصيت لأمي، اللي كانت واقفة تعدل مفارش السفرة وعينيها بتتفادى تتلاقى مع عيني، كأن اللي اتدفق ده مية مش كرامة بنتي ونفسيتها.
مرت خالي هي الوحيدة اللي صرخت، وقفت من على الكرسي وهي حاطة إيدها على بؤها بصدمة
إيه اللي عملتيه ده يا رحاب؟! أنتِ اتجننتِ؟! حد يرمي شفشق زجاج على طفلة عشان فستان؟! الشفشق كان ممكن يفتح راس البنت!
رحاب ردت بصوت مسنون ومجنون وهي بتبصلي بجلادة
تستاهل! عشان هي وأمها يعرفوا إن ريشهم مش هيعلى علينا! كل جمعة جاية تمثل علينا الدور وتفرس بنتي! خلّي الفستان البينك ينفعها بقى!
أمي اتدخلت بسرعة، بس مش عشان تزجر رحاب، لا… عشان تطبطب على اندفاعها! بصت لمرت خالي وقالت ببرود يقطع القلب
خلاص يا أم كريم، حصل خير… رحاب أعصابها تعبانة اليومين دول من مصاريف المدارس، وسلمى هي اللي استفزتها من الصبح بركوب الراس. يعني كان هيجرى إيه لو قلعت بنتها الفستان وربطت لسان أختها؟!
في اللحظة دي، ليلى رفعت وشها العرقان والمبلول عصير، وبصت لتيتا بعيون كلها براءة ومكسورة، وقالت بصوت بيقطع الروح
تيتا… أنا كنت جاية أوريكي الفستان عشان تحبيني زي جنى…
الكلمة دي كانت السكينة اللي قطعت أخر شريان يربطني بالبيت ده.
ما عيطتش. ما زعقتش. وما رميتش أطباق زي ما رحاب عملت.
سحبت منديل مسحت بيه وش ليلى بحنية شديدة، وشلتها على إيدي. وقفت بطولي قدام أمي ورحاب، وكان طولي وقتها أطول من كل عقد أوهامهم.
قلت بصوت واطي جداً، بس كل حرف فيه كان يوزن جبل
النهارده… أنا عرفت قيمة بنتي عندكم. وعرفت إن بيتك يا أمي مش أمان لبنتي، ولا رحاب أخت ينشد بيها الضهر… ده وكر مرض نفسي وأحقاد.
رحاب جهزت لسانها عشان ترد وتشرشح، لكن رفعت إيدي في وشها بصرامة خلتها تخرس مكانها
ولا كلمة يا رحاب. حرف واحد زيادة وهتشوفي وش من سلمى عمرك ما تخيلتيه في كوابيسك. الفستان اللي بوظتيه ده بشوية عصير؟ أنا هخليكي تدفعي تمنه من راحة بالك وطمأنينتك.
بصيت لأمي وقلت لها بابتسامة ميتة
شكراً يا أمي… شكراً إنك وضحتِ لي مين الغالي ومين الرخيص. بس افتكري اليوم ده كويس… عشان لما تدوري عليا بكرة وما تلاقينيش، تبقي فاكرة إنك إنتِ اللي رميتيني مع عصير الكركديه.
لفيت بضهري، ومشيت بثبات. خرجت من الشقة وصوت أمي ورايا بتبدأ تستوعب وتزعق استني هنا يا سلمى! بلاش شغل الدراما ده ولما البنت تنشف أبقوا امشوا!… ما بصيتش ورايا ولا خطوة.
نزلت الشارع، طلبت أوبير، وطول الطريق كنت حاضنة ليلى اللي نامت من كثرة العياط والإرهاق. أول ما وصلت البيت، جوزي حسام فتح الباب.
أول ما شاف منظر ليلى… هدومها الحمرا المبلولة، ريحة الكركديه اللي مالية شعرها، وشها المخطوف… وشّه اتغير تماماً. الرعب تحول لغضب جارف.
سلمى! إيه ده؟! إيه اللي حصل للبنت؟! حد اعتدى عليكم في الشارع؟!
قعدت على الكنبة، وقصيت عليه كل كلمة، وكل لمحة، وكل فعل حصل في بيت العيلة… من أول كلام المطبخ لحد الشفشق اللي اتردَم على جسم بنتنا، ورد فعل أمي.
حسام وقّف، وعروق رقبته كانت هتتفجر. مسك مفاتيح العربية وقال بصوت زي الرعد
أنا رايح البيت ده دلوقتي… قسم بالله ما هسيب رحاب ولا هسيب أ جوزها، والبيت ده مش يدخله بشر غير لما يتربوا!
مسكت إيده بقوة، وبصيت له في عينيه
لا يا حسام… الحق مش بياخد بالخناق والصوت العالي في الصالونات. الحق بياخد بالقانون، وبالقطع، وبإن كل واحد يشيل شيلته لحد ما ضهره ينكسر.
حسام بصلي باستغراب
قانون إيه يا سلمى؟! دي أختك وأمك!
قلت له بنبرة أبرد من التلج
إلي يرمي زجاج وعصير على طفلة عندها خمس سنين، ده مش أخت… ده خطر عام. واللي يبرر الجريمة، يبقى شريك فيها.
من أين تبدأ العدالة؟ تبدأ لما الضحية تبطل تلعب دور المضحية!
ثاني يوم الصبح، أول حاجة عملتها
أخذت ليلى وطلعت على المستشفى. خليت الدكتورة تكتب تقرير طبي بحالة ليلى كدمة خفيفة في الكتف نتيجة خبطة الزجاج، وحالة رعب وهلع شديد وطين العصير على الملابس.
وبعدها… طلعت على قسم الشرطة، وعملت محضر رسمي ضد رحاب محضر تعدي وإحداث إصابة وتهديد طفلة.
لما المحضر وصل لنيابة الأسرة ولشغل جوز رحاب أيمن… الدنيا قامت وما قعدتش!
أيمن جوز رحاب راجل في موقعه الوظيفي بيخاف جداً على سمعته، وشغال في مكان محترم. لما أتسربت الخبرية وجات له مكالمة إن مراته متهمة في محضر تعدي على طفلة وبلاغ للنيابة، جاله هبوط!
في نفس اليوم بالليل، تليفوني ما بطلش رن.
أمي بتتصل وتسيب فويس نوتس بتصرخ فيها انتِ اتجننتِ يا سلمى؟! عاوزة تحبسي أختك الكبير؟ عاوزة تفضحينا قدام الناس عشان حتة فستان كركديه؟!
ما رديتش.
رحاب حاولت تتصل وتشتد… لما لقيتني قافلة السكة، بعتت مسجات شتيمة. عملت لها