ورث ورشه
اللي كان مسؤول عن تسجيل الملكيات في المركز وقتها.
ثم فتح صفحة أخيرة من الدفتر.
كان فيها اسم الموظف.
عمر قرأه
وبمجرد ما قرأ الاسم، وشه اتغير.
لأن الاسم ماكانش غريبًا عليه.
كان اسم والده عمر فضل واقف قدام الصفحة، مش قادر يستوعب.
أبويا؟
الحاج صابر هز راسه.
أبوك كان موظف في التسجيل العقاري وقتها، لكن اللي حصل مش زي ما إنت فاهم.
عمر قرب منه.
يبقى فهمني.
قبل ما الحاج صابر يتكلم، الضابط أخد الدفتر وقال
مفيش اتهام لحد من مجرد اسم مكتوب هنا. لازم نعرف المستندات الأصلية.
عمر رد بسرعة
بس أبويا مات من عشر سنين.
الحاج صابر قال
وعشان كده الحقيقة فضلت مدفونة.
سلمى كانت ساكتة، لكن عينيها وقعت على صورة قديمة داخل الصندوق.
رفعتها.
عمر بص.
الصورة كانت لثلاثة رجال قدام المزرعة.
عم عمر.
محمود النجار.
ورجل ثالث واقف بعيد شوية.
عمر أخذ الصورة.
ده مين؟
الحاج صابر قرب منها.
وبمجرد ما شاف الرجل الثالث، تغير لون وشه.
ده مستحيل.
الضابط سأله
تعرفه؟
الحاج صابر قال
ده كان المفروض يكون مات من سنين.
عمر شد الصورة.
مين؟
الحاج صابر لم يرد.
الضابط كرر
مين الراجل ده؟
الحاج صابر أخيرًا قال
اسمه فؤاد.
عمر سأله
فؤاد مين؟
أخو عمك.
عمر اتصدم.
عمي ماكانش له أخ.
الحاج صابر بص له بحزن.
دي كانت القصة اللي اتقالت لكم.
الصمت ساد المكان.
عمر حس إن كل حاجة عرفها عن عيلته بدأت تتفكك قدامه.
إنت بتقول إن عمي كان عنده أخ؟
أيوه.
وأبويا كان يعرفه؟
أبوك كان يعرفه أكتر من أي حد.
سلمى قربت من عمر.
طب ليه محدش قالك؟
الحاج صابر رد
لأن فؤاد اختفى بعد مشكلة كبيرة حصلت بينهم.
الضابط سأله
إيه المشكلة؟
الحاج صابر بص ناحية البير.
الأرض.
ثم أضاف
والورق.
عمر رجع للدفتر.
في آخر صفحة كان فيه رقم مكتوب.
17 4 2008
وتحته جملة
لو ظهر فؤاد، يبقى الخطر رجع.
عمر رفع رأسه ببطء.
فؤاد ظهر.
الحاج صابر قال
إنت شوفته؟
عمر هز رأسه.
لأ.
سلمى فجأة قالت
أنا شفته.
الكل التفت إليها.
عمر قرب منها.
إمتى؟
قالت
من شهر تقريبًا.
فين؟
قدام المزرعة.
وليه ماقولتيش؟
سلمى نزلت عينيها.
لأنه سألني عنك.
عمر سألها
قالك إيه؟
رفعت عينيها.
قال لي لما عمر ييجي قولي له مايفتحش البير.
الضابط قال بسرعة
وإنتِ عملتي إيه؟
ماعملتش حاجة.
ليه؟
سلمى ردت
لأني ماكنتش عارفة أصدق مين.
وقبل ما حد يكمل كلامه
سمعوا صوت سيارة تقترب من البوابة.
الجميع خرج ناحية الساحة.
العربية وقفت.
الباب اتفتح.
ونزل منها رجل في أواخر الخمسينات.
كان لابس جلابية رمادية، وبيمشي بعصاية.
عمر بص له.
الرجل رفع عينه.
وسكت لحظات.
ثم قال
إنت ابن أخويا.
عمر اتجمد.
إنت مين؟
الرجل رد بهدوء
أنا فؤاد.
ثم بص للبئر وقال
وجيت قبل ما يفتحوه.
الحاج صابر تراجع خطوة.
أما الضابط فمد إيده ناحية سلاحه.
فؤاد رفع إيده وقال
أنا مش جاي أؤذي حد.
ثم أخرج ظرفًا قديمًا من جيبه.
ورماه قدام عمر.
ده كان عند أبوك.
عمر انحنى وأخذه.
فتح الظرف.
وجد ورقة واحدة فقط.
لكن أول سطر فيها كان كافيًا يخليه ينسى كل شيء حوله
إقرار رسمي بأن عمر هو الوريث الوحيد للسر الموجود تحت المزرعة.
عمر رفع عينه لفؤاد.
إيه السر؟
فؤاد بص له طويلًا.
ثم قال
قبل ما أقولك لازم تعرف إن عمك ماكانش بيحمي الأرض.
سكت لحظة.
كان بيحميك إنت عمر حس إن الجملة نزلت عليه أثقل من أي حاجة سمعها من أول ما وصل.
بيحميني من إيه؟
فؤاد بص ناحية البير.
من الحقيقة اللي تحت الأرض.
الضابط قرب منه.
إنت مطلوب للتحقيق في واقعة اختفاء محمود النجار.
فؤاد هز راسه.
عارف.
يبقى اتفضل معانا.
هروح، بس بعد ما أقول لعمر اللي لازم يعرفه.
عمر قال
قول.
فؤاد حط إيده على عصايته.
قبل 18 سنة، محمود اكتشف نفق قديم تحت المزرعة.
سلمى سألت
نفق؟
أيوه. وكان واصل لمكان بعيد عن البيت.
عمر قال
إيه الموجود جواه؟
فؤاد سكت.
ثم قال
حاجة لو اتعرفت وقتها، كانت هتوقع ناس كتير.
الضابط قال
إنت بتتكلم عن إيه؟
فؤاد رد
سجلات.
عمر استغرب.
سجلات إيه؟
أسماء، عقود، إيصالات، وأوراق ملكية.
الحاج صابر قال بصوت منخفض
يعني كل حاجة.
فؤاد بص له.
تقريبًا.
عمر فهم.
تزوير الأراضي.
فؤاد هز رأسه.
أكبر مما تتخيل.
ثم أخرج مفتاحًا ثانيًا من جيبه.
محمود مااختفاش عشان عرف إن فيه نفق.
عمر سأله
أمال؟
لأنه اكتشف إن شخصًا من داخل العيلة كان بيساعدهم.
الصمت نزل على المكان.
عمر قال
مين؟
فؤاد بص له مباشرة.
أبوك.
عمر رجع خطوة.
لأ.
اسمعني للآخر.
أبويا كان موظف حكومة.
وعشان كده كان عنده إمكانية يشوف أوراق ماحدش غيره يقدر يشوفها.
عمر هز رأسه بعنف.
يعني كان بيزور؟
فؤاد رد
لا.
ثم فتح الظرف وأخرج ورقة قديمة.
أبوك كان بيجمع الأدلة.
عمر أخذ الورقة.
كانت عبارة عن قائمة طويلة بأسماء وأرقام عقود.
وفي أسفل الصفحة توقيع والده.
وبجانبه جملة
نسخة محفوظة خارج السجلات الرسمية.
عمر رفع عينه.
أبويا كان بيكشفهم؟
أيوه.
فؤاد قال
لكن عمك كان خايف إنك تتأذي بسبب الموضوع.
سلمى سألت
طب ليه ماقالوش لعمر؟
فؤاد رد
لأن عمر وقتها كان صغير.
ثم نظر إليه.
وكان فيه ناس مستعدة تعمل أي حاجة عشان تمنع الحقيقة من الظهور.
عمر سأل
ومحمود؟
فؤاد أخذ نفسًا طويلًا.
محمود كان آخر واحد شاف الملفات.
الضابط قال
وبعدين اختفى.
أيوه.
مين أخفاه؟
فؤاد سكت.
وبعدين قال
أنا.
الجميع اتصدم.
عمر قرب منه.
إنت؟!
أنا خبّيته لكن مش بالشكل اللي إنت فاكره.
يعني إيه؟
محمود كان مصاب، والناس اللي بتدور عليه كانت قريبة جدًا منه. أخدته من المزرعة وخبيته في مكان آمن.
عمر قال
طب فين هو؟
فؤاد نزل عينه.
محمود مات من سبع سنين.
سلمى شهقت.
الضابط سأله
إزاي؟
مرض بعد ما اختفى بسنين. وقبل ما يموت، سلّمني حاجة.
أخرج فؤاد ظرفًا صغيرًا.
وقال لي ماتسلمهاش غير لعمر.
عمر أخذ الظرف.
فتحه.
كان جواه مفتاح صغير جدًا.
وتحته ورقة.
قرأها
لو وصلت للمفتاح، دور تحت شجرة الجميز مش عند البير.
عمر بص للشجرة.
ثم بدأ يتحرك ناحيتها.
لكن قبل ما يوصل
ظهر صوت فرامل قوية عند البوابة.
عربية سوداء وقفت فجأة.
نزل منها رجلان.
والأخطر
إن واحدًا منهما كان يحمل صورة لعمر.
فؤاد قال بصوت منخفض
اتأخرنا.
الضابط وقف أمام عمر.
ادخل البيت فورًا.
لكن الرجل اللي ماسك الصورة رفع صوته
يا عمر!
عمر وقف.
الرجل قال
إحنا مش جايين نأذيك.
ثم رفع ورقة في إيده.
جايين نقولك إن فؤاد كذاب.
فؤاد صرخ
ماتسمعوش كلامه!
الرجل ابتسم.
وقال
لو عايز تعرف مين اللي قتل الحقيقة من 18 سنة اسأل الحاج صابر.
كل العيون اتجهت للحاج صابر.
والرجل أضاف
لأنه كان آخر واحد شاف محمود حي الحاج صابر وقف مكانه كأنه اتشل.
عمر بص له.
آخر واحد شاف محمود حي؟
الحاج صابر ما ردش.
الرجل الغريب ابتسم من بعيد وقال
اسأله عن اللي حصل ليلة اختفائه.
الضابط رفع صوته
إنتو مين؟
الرجل ما ردش.
فتح باب العربية وقال لزميله
نمشي.
العربية اتحركت بسرعة، واختفت قبل ما الضابط يقدر يلحقها.
عمر رجع للحاج صابر.
اتكلم.
الحاج صابر حط إيده على صدره.
أنا شفت محمود آخر مرة بس مش أنا اللي أذيته.
كنت معاه؟
أيوه.
فين؟
في المزرعة.
عمر حس إن أعصابه مشدودة.
إمتى؟
الحاج صابر قال
الليلة اللي اختفى فيها.
فؤاد تدخل
صابر، كفاية.
الحاج صابر صرخ
إنت مالك؟! إنت عايز تفضل مخبي الحقيقة لحد إمتى؟
الضابط وقف بين الاثنين.
كل واحد يتكلم لوحده.
لكن عمر لم يعد قادرًا على الانتظار.
إنت قلت قبل كده إنك كنت بره وسمعت خناقة.
الحاج صابر أغمض عينه.
كدبت.
الجملة وقعت كالصاعقة.
سلمى قربت من عمر.
الحاج صابر أكمل
كنت جوه البيت.
مع مين؟
مع عمك ومحمود.
وفؤاد؟
كان بره.
عمر قال
إيه اللي حصل؟
الحاج صابر نظر إلى البير.
محمود كان ماسك ملف كبير. وقال إن فيه حاجة تحت الأرض لازم يطلعها.
وبعدين؟
عمك رفض.
ليه؟
لأنه كان خايف إن فتح المكان ده يعرّض ناس كتير للخطر.
عمر قال بغضب
ومحمود؟
محمود أصر.
سكت الحاج صابر.
ثم قال
نزل البير.
سلمى شهقت.
نزل جوه البير؟
أيوه.
عمر سأل
وبعدين؟
سمعنا صوت انهيار.
ومحمود؟
ماطلعش.
عمر بص لفؤاد.
فؤاد قال
وده السبب اللي خلاني أخفيه بعد كده.
الضابط عقد حاجبيه.
استنى. إنت بتقول إنه خرج؟
فؤاد هز رأسه.
خرج مصاب.
عمر اتصدم.
يعني كان حي؟
أيوه.
الحاج صابر قال
أنا شفته وهو بيخرج.
عمر قرب منه.
وليه ماقولتش؟
الحاج صابر نزل عينه.
لأن محمود طلب مني ماقولش.
طلب منك ليه؟
قال إن فيه حد بيراقبه.
سلمى قالت
مين؟
الحاج صابر رد
ماعرفتش.
فؤاد أخرج ورقة من جيبه.
لكن محمود عرف.
فتحها.
كان عليها رسم للمزرعة، وتحت الرسم أسماء ثلاثة أشخاص.
بدر الجبالي.
رجل مجهول.
والشخص الثالث
الاسم كان مطموسًا بالحبر.
عمر قرب الورقة من عينه.
ليه الاسم ممسوح؟
فؤاد قال
محمود هو اللي مسحه.
ليه؟
لأنه قال إن الشخص ده لو عرف إن اسمه موجود هيموت حد من عيلتك.
عمر اتجمد.
عيلتي؟
فؤاد هز رأسه.
أبوك ماكانش الوحيد اللي كان بيحميك.
سلمى بصت لعمر.
ثم قالت
طيب المفتاح اللي معاك ممكن يكون مفتاح إيه؟
عمر تذكر كلام الورقة
دور تحت شجرة الجميز مش عند البير.
اتجه ناحية الشجرة.
ركع عند جذورها.
بدأ يزيح التراب بيده.
بعد دقائق، اصطدمت أصابعه بشيء صلب.
حفر أكثر.
ظهر صندوق معدني صغير.
كان مقفولًا.
عمر أخرج المفتاح.
حطه في القفل.
فتح الصندوق.
لكن قبل ما يقدر يشوف اللي جواه
سمعوا صوت طلقة في الهواء من ناحية الطريق.
الضابط صاح
كلكم جوه البيت!
سلمى جريت ناحية الباب.
عمر حاول يقفل الصندوق.
لكن في آخر لحظة، لمح شيئًا بداخله.
صورة عائلية قديمة.
والصادم
إن فيها عمر وهو طفل.
واقف جنب والده ووالدته
وبجانبهم رجل لم يره عمر في حياته.
لكن فؤاد بمجرد ما شاف الصورة
قال بصوت مرتجف
ده هو.
عمر سأله
مين؟
فؤاد لم يجب.
لأن الحاج صابر كان قد سبقهم جميعًا وقال
ده الرجل اللي كان عايز ياخدك من أبوك وإنت