ورث ورشه
طفل عمر مسك الصورة بإيد مرتعشة.
ياخدني من أبويا؟ يعني إيه؟
الحاج صابر بص لفؤاد.
فؤاد سكت.
عمر رفع صوته
أنا بسأل!
الحاج صابر قال
قبل ما أمك تحمل بيك، كان فيه خلاف كبير بين أبوك وناس كتير بسبب الأرض والملفات. وبعد ما اتولدت، أبوك بدأ يخاف عليك.
عمر بص للصورة.
مين الراجل ده؟
فؤاد رد أخيرًا
اسمه سامي.
سامي مين؟
سامي الجبالي.
عمر اتجمد.
قريب بدر؟
فؤاد هز رأسه.
أخوه الأكبر.
سلمى قالت
بس إحنا كنا فاكرين إن بدر هو اللي بدأ كل حاجة.
فؤاد رد
بدر كان بيظهر في الواجهة. لكن سامي كان أقدم وأخطر في التعامل مع الملفات.
الضابط أخذ الصورة.
فين سامي دلوقتي؟
فؤاد قال
محدش يعرف.
ثم سكت.
من سنين والناس فاكرة إنه سافر.
عمر قال
وإنتوا عارفين إنه لسه موجود؟
فؤاد رد
مش متأكد.
وفجأة
صوت موتور عربية اقترب من البوابة.
الجميع اتوتر.
لكن المرة دي ماكانتش عربية غريبة.
كانت سيارة قديمة جدًا.
نزل منها رجل كبير في السن، ماسك عصاية.
أول ما شافه الحاج صابر، قال
يا نهار أبيض
الرجل وقف عند البوابة.
وبص لعمر.
إنت ابن حسن؟
عمر قال
أيوه.
الرجل قرب ببطء.
يبقى الوقت جه.
عمر سأله
وقت إيه؟
الرجل أخرج ظرفًا أبيض من جيبه.
أبوك سلّمهولي قبل ما يموت.
عمر أخده.
ليه ما سلمتنيش إياه من زمان؟
الرجل قال
لأن أبوك وصاني ما أديهوشولك إلا لما تيجي هنا بنفسك.
فتح عمر الظرف.
وجد ورقة قصيرة.
قرأها بصوت مرتفع
يا عمر، لو وصلت للمزرعة ووجدت سلمى فيها، ما تطردهاش.
عمر رفع عينه باستغراب.
سلمى نفسها اتفاجئت.
كمل القراءة
وجودها هناك مش صدفة.
عمر بصلها.
سلمى وقفت مكانها.
قالت
أنا معرفش هو يقصد إيه.
عمر قلب الورقة.
كان فيه سطر أخير
هي الوحيدة اللي تقدر توصلك للمكان اللي أخفيت فيه الدليل.
سلمى شهقت.
أنا؟
الحاج صابر بص لها بذهول.
فؤاد قال
كنت عارف إن عمك عمل كده.
عمر التفت إليه.
إنت كنت عارف؟
كنت شاكك.
عمر قال
طيب ليه سلمى؟
فؤاد أشار إلى الورقة.
لأن جوزها كان آخر شخص اشتغل في المزرعة قبل ما يموت.
سلمى قالت
جوزي؟
أيوه.
عمر بدأ يفكر.
إيه اللي كان بيعمله؟
سلمى قالت
كان مسؤول عن الري وصيانة البير.
الحاج صابر فجأة قال
استني.
قرب منها.
جوزك كان بيحتفظ بمفاتيح المزرعة كلها؟
أيوه.
كلها؟
تقريبًا.
الرجل الكبير اللي جاب الرسالة قال
يبقى المفتاح مش مع عمر.
الجميع بص له.
المفتاح مع سلمى.
سلمى اتجمدت.
أنا؟
أيوه.
قال الرجل
لأن جوزك قبل موته بيومين، سلّمك مفتاح وقالك تخبيه وقالك لو حصل له حاجة، ماتطلعيش المفتاح إلا لما يظهر الوريث.
سلمى بدأت تفتكر.
ثم وضعت يدها على رقبتها.
استنى
فكت سلسلة رفيعة كانت لابساها تحت ملابسها.
في نهايتها
كان فيه مفتاح صغير جدًا.
عمر بص له.
وفؤاد قال
ده هو.
الضابط اقترب.
مفتاح إيه؟
سلمى ردت وهي لسه مش مستوعبة
ماعرفش.
عمر أخذ الخريطة.
لاحظ علامة صغيرة جدًا تحت شجرة الجميز.
حط المفتاح فوق العلامة.
كان نفس الشكل تمامًا.
وفي اللحظة دي
جاء صوت ارتطام قوي من داخل البيت.
الجميع التفت.
باب المخزن كان مفتوحًا.
مع إنهم كانوا متأكدين إنهم قفلوه.
والصندوق المعدني اللي كان عمر لسه فاتحه
اختفى.
لكن على الأرض كان فيه شيء واحد فقط.
ورقة مطوية.
عمر فتحها.
وكان مكتوب فيها
المفتاح وصل للشخص الصح لكنكم فتحتم الباب الخطأ.
وفي أسفل الورقة
كان فيه عنوان مكتوب.
عنوان بيت في نفس القرية.
وعمر عرف العنوان فورًا.
لأنه كان
بيت بدر الجبالي عمر فضل واقف قدام الورقة، مش قادر يبعد عينه عن العنوان.
الضابط قال
محدش هيروح هناك دلوقتي.
عمر رد
بس الصندوق اتسرق من جوه البيت وإحنا كلنا هنا.
الضابط بص ناحية الباب.
وده معناه إن اللي أخده كان قريب جدًا.
سلمى همست
يعني كان بيراقبنا.
الحاج صابر قال
مش بس بيراقبنا كان مستني عمر يفتح الصندوق.
عمر لف له.
ليه؟
الحاج صابر رد
عشان يعرف إن الدليل لسه موجود.
فؤاد فجأة قال
الصندوق مش أهم حاجة.
عمر بص له.
أمال إيه؟
اللي كان جواه.
عمر قال
الصندوق كان فيه صورة وورق.
فؤاد هز رأسه.
كان فيه حاجة تانية.
إيه؟
فؤاد بص لسلمى.
المفتاح.
سلمى رفعت المفتاح اللي في إيدها.
ده؟
لأ.
ثم أشار ناحية الصندوق المسروق.
كان فيه مفتاح تاني.
عمر اتوتر.
مفتاح إيه؟
فؤاد قال
مفتاح غرفة قديمة تحت البيت.
الضابط سأله
غرفة إيه؟
غرفة كان عم عمر بيستخدمها لتخزين الأوراق.
عمر قال
بس البيت مفيهوش قبو.
فؤاد ابتسم بحزن.
مش لازم يكون فيه قبو عشان يكون فيه غرفة تحت الأرض.
اتجه ناحية الحائط.
ضغط على حجر صغير.
سمعوا صوت طقطقة.
جزء من الأرضية اتحرك.
ظهر سلم حجري ضيق نازل لتحت.
سلمى قربت.
إزاي ده موجود وإحنا ماشفناهوش؟
فؤاد قال
لأن عمك كان عامل المدخل بشكل يخليه يبان جزء من الأرض.
الضابط شغل الكشاف.
محدش ينزل غيري.
لكن عمر قال
أنا نازل.
الضابط حاول يمنعه.
ممكن يكون خطر.
عمر رد
المكان ده اتبنى مخصوص عشان يخبّي حاجة تخصني.
ثم نزل.
سلمى نزلت وراءه.
الضابط اضطر يلحقهم.
السلم كان طويلًا بشكل غريب.
كل خطوة كانت بتصدر صدى مكتوم.
بعد حوالي دقيقة، وصلوا لباب حديد.
عمر وقف قدامه.
الباب كان عليه نفس العلامة اللي شافها على المفتاح.
سلمى أخرجت المفتاح.
دخلته.
لفته.
الباب اتفتح.
لكن الغرفة كانت شبه فاضية.
مجرد مكتب خشبي قديم
وكرسي
وساعة حائط متوقفة عند الثالثة وسبع عشرة دقيقة.
عمر قرب من المكتب.
فتح أول درج.
فاضي.
الثاني
فاضي.
الثالث
وجد ملفًا.
فتح الملف.
فيه عقود وصور وأسماء.
لكن في آخر الملف كانت ورقة مختلفة.
مكتوب عليها
الشخص الذي يبحث عنكم ليس بدر.
عمر قال
مش بدر تاني؟
قلب الصفحة.
وكان مكتوب
ولا سامي.
قلب الصفحة التالية.
ولا فؤاد.
ثم الصفحة الأخيرة
كان فيها اسم واحد فقط.
عمر قرأه بصوت منخفض.
وبمجرد ما قرأ الاسم، سقط الملف من إيده.
سلمى التقطته.
بصت للاسم.
ثم رفعت عينيها لعمر.
الاسم كان
والد سلمى.
سلمى تراجعت.
أبويا؟
عمر قال
إنتِ قلتيلي إن والدك مات من زمان.
أيوه مات من 12 سنة.
الضابط أخذ الورقة.
الاسم هنا مش معناه إنه هو الشخص المقصود. ممكن يكون اسم صاحب مستند أو شاهد.
لكن في أسفل الصفحة كان فيه توقيع.
وتحته جملة
هو الوحيد الذي يعرف أين توجد النسخة الأصلية.
سلمى بدأت تهز رأسها.
أنا مش فاهمة.
ثم فجأة
سمعوا صوت خطوات فوقهم.
خطوة.
ثم خطوة تانية.
الضابط أشار لهم بالسكوت.
الخطوات توقفت.
وبعد ثواني
سمعوا صوت رجل من فوق السلم
سلمى
سلمى اتجمدت.
عمر بص لها.
الصوت رجع
سلمى، اطلعي لوحدك.
وشها شحب.
عمر همس
إنتِ تعرفي الصوت؟
سلمى ماقدرتش ترد.
الرجل نادى مرة تالتة
أنا عارف إنك لقيتي المفتاح.
ثم سمعوا جملة واحدة جعلت سلمى تمسك إيد عمر بقوة
وأنا كمان عارف إن أبوكي ما ماتش من 12 سنة سلمى حسّت إن رجليها مش شايلينها.
أبويا مات أنا شوفته بعيني.
الصوت من فوق السلم رد
إنتِ شوفتي جنازة مش شوفتي الحقيقة.
عمر بص للضابط.
الضابط أشار له يفضل مكانه، وبعدين بدأ يطلع السلم بحذر.
لكن قبل ما يوصل لنهايته، سمعوا صوت باب بيتقفل بعنف.
الضابط طلع بسرعة.
ثواني
ثم نزل تاني.
اختفى.
عمر قال
إزاي؟
مفيش حد فوق.
سلمى كانت واقفة مكانها، وشها أبيض.
عمر قرب منها.
سلمى، إنتِ عارفة حاجة عن أبوكي؟
هزت رأسها.
أنا عارفة اللي أمي قالتلي.
قالتلك إيه؟
قالت إن أبويا مات بعد مرض طويل.
فين دفنوه؟
سكتت.
في مقابر العيلة.
الحاج صابر، اللي كان واقف عند مدخل الغرفة، قال فجأة
مفيش جثمان اتدفن في المقبرة يومها.
سلمى التفتت له.
إنت بتقول إيه؟
أنا كنت حاضر.
يعني إيه؟
الحاج صابر نزل عينه.
الصندوق كان مقفول.
سلمى قالت
صندوق؟
أيوه. قالوا إن حالته ما تسمحش بفتح الصندوق.
عمر فهم.
يعني محدش شاف الجثمان.
الحاج صابر هز رأسه.
سلمى بدأت تبكي بصمت.
ليه محدش قال لي؟
الحاج صابر قال
لأن أمك كانت خايفة عليك.
الضابط دخل بينهم.
لازم نخرج من هنا ونراجع كل المعلومات دي رسميًا.
لكن عمر كان مركز في حاجة تانية.
الورقة.
هو الوحيد الذي يعرف أين توجد النسخة الأصلية.
قال
النسخة الأصلية من إيه؟
فؤاد رد
من العقود.
وأبو سلمى يعرف مكانها.
أيوه.
عمر بص لسلمى.
لازم نعرف إذا كان أبوكي عايش فعلًا.
سلمى مسحت دموعها.
ولو طلع عايش ليه اختفى كل السنين دي؟
فؤاد قال
لأنه كان بيحاول يحمي النسخة الأصلية.
الحاج صابر أضاف
وفيه شخص تاني كان بيدور عليها.
عمر سأله
مين؟
الحاج صابر قال
الشخص اللي كان بيبعث لكم الرسائل.
عمر اتوتر.
يعني إنت عارفه؟
قبل ما يرد
رن هاتف الضابط.
سمع بضع كلمات، ثم تغير وجهه.
فيه بلاغ من القرية المجاورة.
عمر سأله
إيه اللي حصل؟
الضابط قال
لقوا عربية مهجورة عند ترعة قديمة.
وعربية مين؟
الضابط نظر إلى سلمى.
العربية مسجلة باسم والدك.
سلمى شهقت.
أبويا؟
الضابط أضاف
وفي العربية لقوا حاجة تانية.
إيه؟
صورة حديثة للمزرعة.
عمر قال
حديثة يعني إمتى؟
الضابط فتح هاتفه وأراهم الصورة.
كانت صورة للمزرعة من الخارج.
وفي الخلفية ظهر البيت والبئر وشجرة الجميز.
لكن عمر لاحظ شيئًا غريبًا.
الصورة كانت ملتقطة من داخل سيارة.
وعلى زجاج السيارة انعكاس شخص واقف خلف الكاميرا.
رجل مسن
له نفس ملامح الرجل الموجود في صورة والد سلمى القديمة.
سلمى حطت إيدها على بوقها.
ده أبويا.
وفجأة وصل إشعار جديد على هاتف عمر.
رقم مجهول.
رسالة واحدة فقط
لو عايز تشوف أبو سلمى حي تعال لوحدك للمكان اللي بدأت منه الحكاية.
وتحت الرسالة
كان فيه موقع.
عمر فتحه.
فجمد مكانه.
الموقع كان
البئر القديم داخل المزرعة.
وفي نفس اللحظة، سمعوا صوت خبطات من تحت الأرض.
ثلاث خبطات.
سكتة.
ثلاث خبطات.
الحاج صابر همس
هو رجع.
عمر بص للبئر من خلال باب المخزن.
لكن المرة دي
الصوت ماكانش جاي من البئر.
كان جاي من تحت البيت نفسه عمر ثبت مكانه.
الصوت اتكرر.
دق دق دق.
سكتة.
ثم
دق دق دق.
لكن المرة دي كان أوضح.
جاي من الأرض تحت رجليهم.
الضابط شغل الكشاف وبدأ يدور في الغرفة.
محدش يتحرك.
عمر ركع وحط إيده على الأرض.
كان فيه جزء من البلاط أبرد من باقي الأرض.
خبط عليه.
الصوت كان أجوف.
هنا.
الضابط قرب.
رفع البلاطة بصعوبة.
ظهر تحتها غطاء حديدي صغير.
وعليه قفل قديم.
سلمى قربت بالمفتاح اللي كان في رقبتها.
دخلته.
لفته.
طَق.
الغطاء اتفتح.
ظهر سلم
ضيق نازل في ظلام تام.
فؤاد قال
ده مش موجود في خريطة البيت.
عمر سأله
يعني إيه؟
يعني عمك كان مخبي ممر تاني.
الضابط نزل أولًا.
بعده عمر.
وسلمى كانت خلفهم.
الممر كان ضيقًا ورطبًا، والجدران عليها علامات قديمة.
بعد حوالي عشرين مترًا، وصلوا لباب خشبي.
ومن وراه
سمعوا صوت تنفس.
سلمى قربت من عمر.
في حد جوه.
الضابط أشار لهم بالصمت.
فتح الباب ببطء.
الغرفة كانت صغيرة.
فيها كرسي.
وترابيزة.
ومصباح ضعيف.
وعلى الكرسي كان فيه رجل مسن مربوط من إيديه.
سلمى شهقت
بابا!
الرجل رفع رأسه.
كانت عينه متعبة، لكنه حي.
سلمى؟
جريت ناحيته.
الضابط فك قيوده بسرعة.
سلمى وهي بتبكي.
إنت عايش ليه عملت فيا كده؟
والدها بص لها.
كنت بحاول أحميكي.
ثم نظر لعمر.
إنت ابن حسن.
عمر هز رأسه.
أيوه.
الرجل قال
يبقى أبوك نجح.
عمر اقترب.
نجح في إيه؟
والد سلمى أشار إلى الحائط.
كان عليه تجويف مخفي.
جواه صندوق خشبي.
أبوك وعمك ومحمود كانوا بيحاولوا يحموا الورق.
عمر قال
من مين؟
والد سلمى رد
من شبكة كاملة.
الضابط سأله
مين المسؤول عنها؟
الرجل سكت.
ثم قال
الشخص اللي بعت لكم الرسائل.
عمر سأله
مين؟
الرجل أغمض عينه.
كنت أتمنى ما توصلوش للمرحلة دي.
عمر قال
لازم أعرف.
والد سلمى فتح عينه.
اللي بيحرك بدر وسامي مش واحد غريب.
سكت.
هو شخص من عيلة عمر نفسها.
عمر تجمد.
مين؟
الرجل مد إيده ناحية الصندوق.
افتحه.
عمر فتح الصندوق.
جواه ملف كبير.
وعلى غلافه اسم واحد.
والدة عمر.
عمر اتصدم.
أمي؟
والد سلمى قال
قبل ما تحكم اقرأ آخر ورقة.
عمر فتح الملف بسرعة.
كانت هناك صورة لوالدته وهي أصغر سنًا، واقفة بجانب عم عمر
وفي الخلفية نفس البئر.
وتحت الصورة جملة مكتوبة بخط يد عم عمر
هي الوحيدة التي تعرف لماذا بدأت كل هذه الحكاية.
عمر شعر أن كل شيء أصبح أكثر غموضًا.
ثم سمع صوتًا خلفه.
خطوات تقترب من الممر.
والد سلمى قال بصوت منخفض
اقفل الصندوق.
عمر سأله
ليه؟
الرجل قال
لأن اللي جاي دلوقتي مش جاي ينقذنا.
وانطفأ المصباح.
وفي الظلام
جاء صوت رجل من آخر الممر
مساء الخير يا عمر.
كان الصوت مألوفًا جدًا.
وعمر عرفه فورًا.
كان صوت أمه عمر وقف في الضلمة، وإيده ماسكة الصندوق، وصوت الخطوات بيقرب من آخر الممر.
وفجأة النور رجع.
لكن مفيش حد كان واقف قدامهم.
عمر بص لسلمى، وبعدها لأبوها، وقال
الصوت ده كان صوت أمي.
أبوها هز راسه وقال بهدوء
أيوه بس أمك مش هنا.
سلمى قربت من الحيطة، ولاحظت جهاز صغير متثبت ورا حجر قديم.
كان مسجل صوت.
شغلوه، وسمعوا صوت والدة عمر بوضوح
لو سمعت التسجيل ده، يبقى أنت وصلت للمكان اللي أبوك كان بيخبيه عنك.
عمر حس إن رجليه مش شايلاه.
صوت أمه كمل
أنا ماكنتش طرف في اللي حصل أنا كنت شاهدة عليه. أبوك كان اكتشف إن أوراق الأراضي حوالين المزرعة اتزوّرت من سنين، وإن الهدف الحقيقي ماكانش الأرض كان الميه الجوفية اللي تحتها.
فتح عمر الملف بسرعة.
لقى خرائط قديمة للمزرعة، وعلامات على بئر المياه، ومستندات تثبت إن شبكة الري تحت الأرض كانت بتغذي أراضي كتير من المنطقة.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في آخر الملف.
ورقة مكتوب فيها أسماء الأشخاص اللي حاولوا الاستيلاء على الأرض.
وكان من بينهم
بدر الجبالي.
سامي الجبالي.
وشخص ثالث مجهول.
عمر بص لأبو سلمى
مين الشخص الثالث؟
الرجل سكت شوية، وبعدها قال
الاسم اللي أبوك كان خايف يقوله قدام أي حد.
وفي اللحظة دي، سمعوا صوت عربيات فوق الأرض.
سلمى بصت لعمر
هما وصلوا.
طلعوا من الممر، واتصل عمر بالشرطة.
لكن بدر كان سبقهم.
كان واقف قدام البيت ومعاه سامي ورجلين، وقال
كفاية لعب يا عمر. سلّم المفاتيح والورق، وكل واحد يرجع بيته.
عمر خرج من الباب، وفي إيده الملف.
وقال
الموضوع خلص يا بدر.
بدر ضحك
إنت فاكر إن كام ورقة هيغيروا حاجة؟
عمر رفع الملف.
لا بس التسجيلات، والأوراق الأصلية، وشهادة أبو سلمى، ومحضر الشرطة اللي اتفتح من شوية كل ده هيغير.
بدر اتجمد مكانه.
سامي بص له وقال
إنت قلتلي إن مفيش دليل.
بدر لف ناحيته بعصبية
اسكت!
والجملة دي كانت كفاية.
لأن الشرطة كانت وصلت بالفعل.
والمحادثة كلها كانت اتسجلت.
بعد ساعات من التحقيق، بدأت الحقيقة تظهر واحدة واحدة.
بدر وسامي كانوا جزء من شبكة استولت على أراضي أصحابها بالضغط والتزوير، وكانوا عايزين المزرعة تحديدًا بسبب مصدر المياه والأنفاق القديمة.
أما محمود النجار، مهندس الري، فاكتشف التلاعب من 18 سنة.
ولما حاول يوثق كل حاجة، اتعرض للاعتداء واتصاب إصابة خطيرة.
فؤاد هو اللي أنقذه وقتها، وخباه بعيد عن الناس لحد ما يقدر يتعالج.
محمود عاش بعدها سنين وهو بيحاول يجمع الأدلة، لكنه مات بعد مرض طويل.
وقبل وفاته، سلّم جزءًا من الأدلة لأبو عمر.
أبو عمر بدوره خبّاها في المزرعة، لأنه كان عارف إن أي ورقة تقع في إيد الناس الغلط ممكن تضيع كل القضية.
أما أبو سلمى، فكان واحد من الأشخاص اللي ساعدوا في حماية المكان.
وعشان كده اختفى.
مش لأنه هرب
لكن لأنه كان عارف إن وجوده في العلن هيعرض سلمى للخطر.
أما والد عمر، فكان طوال السنوات دي بيحاول يوصل للحقيقة من غير ما يعرّض عيلته للخطر.
وعشان كده والدته احتفظت بالسر كل السنين دي.
في اليوم التالي، رجع عمر للمزرعة.
وقف قدام البئر، وبص للمياه اللي كانت بتجري بهدوء.
سلمى وقفت جنبه وقالت
هتبيع الأرض؟
عمر ابتسم.
كنت داخل هنا عشان أبيعها وأسدد ديوني.
وسكت لحظة، وبعدين قال
بس دلوقتي فهمت ليه أبويا سابها ليا.
سلمى قالت
يعني هتفضل؟
رد عمر
هفضل بس مش لوحدي.
وبعد أيام، بدأت إجراءات قانونية لحماية الأرض وتسجيلها بشكل رسمي، وتم فتح ملفات قديمة مرتبطة بالأراضي المجاورة.
أبو سلمى رجع لبنته بعد سنين طويلة.
وفؤاد أدلى بشهادته.
والحاج صابر اعترف بالحقيقة كاملة، وقال لعمر
سامحني يا ابني خوفت أتكلم. كنت فاكر إن السكوت هيحمي الناس.
عمر رد عليه
يمكن سكوتك أخّر الحقيقة بس في الآخر الحقيقة وصلت.
أما والدة عمر، فجاءت للمزرعة لأول مرة منذ سنوات.
وقفت أمام البئر، ودموعها نزلت وهي بتقول
أبوك كان دايمًا بيقول إن الأرض دي مش مجرد أرض دي أمانة.
عمر بص لها وقال
وأنا فهمت الرسالة.
وبعد عدة أشهر، تحولت المزرعة من مكان مهجور إلى مشروع زراعي حقيقي، واستفادت منه الأراضي المحيطة بدل ما يكون سببًا في صراع أصحاب النفوذ.
أما البئر القديم، ففضل زي ما هو.
لكن عمر حط جنبه لوحة صغيرة كتب عليها
هنا اتدفنت أسرار سنين وهنا خرجت الحقيقة للنور.
وفي آخر يوم قبل افتتاح المزرعة، عمر وقف وحده عند البئر.
سمع صوت المياه من جوه الأرض.
ابتسم وقال
كان جدي بيقول إن الأرض بتفتكر كل حاجة وأنا زمان كنت فاكرها خرافة.
سكت لحظة، وبص للسماء.
طلع عنده حق.
ومن بعيد، كانت سلمى بتناديه
يا عمر! الناس مستنياك!
لف ناحيتها، ومشي.
وساب وراه البئر
والسر
والسنين الطويلة اللي انتهت أخيرًا لما الحقيقة ظهرت.
النهاية.