رجعت من

مريم بصتلي وعينيها بتلمع: — طب وبابا؟

اتنهدت تنهيدة طويلة طلعت من قاع صدري: — بابا اختار طريقه يا مريم، واختار الناس اللي يمشوا معاه، وإحنا ملناش مكان في سكته. بكرة تفهمي كل حاجة وتعرفي إن أمك عملت الصح عشانك وعشان تحميكي.

سبتها في الأوضة تغير هدومها وتستريح، وخرجت للصالة. مسكت كيس زبالة كبير أسود، وبدأت ألم بواقي الأكل الفاسد، علب الجمبري، وقشر الكابوريا، والمناديل، وبواقي السوشي اللي كانوا بيتفاخروا بيه، وكيس الأندومي الفاضي اللي كان شاهد على قهر بنتي. مسحت السفرة كلها بمطهر، وفتحت الشبابيك عشان يدخل هوا الليل البارد يطرد كل روايحهم العفنة من الشقة.

قعدت على الكنبة، طلعت الفلاشة وحطيتها في اللاب توب بتاعي، وفتحت الإيميل وبعتت نسخة من كل المستندات، والتحويلات المسروقة، وصور الوصولات للمحامي بتاعي مع رسالة قصيرة: «يا متر، الصبح نرفع قضية طلاق للضرر، وقضية تمكين كامل من الشقة، وبلاغ رسمي بتبديد أموال واستغلال توكيلات. مش عايزة مليم يرجعلي منهم، أنا بس عايزة ورقة طلاقي وحقي القانوني في بنتي والبيت ده، ومش هتنازل عن قرش واحد في حقوق مريم الشرعية.»

التليفون على الترابيزة رن مرة تانية، شاشته نورت باسم “أحمد”. فضلت أبص للاسم للحظات، مكنش في قلبي أي ذرة شفقة ولا ندم، كان فيه بس راحة غريبة.. راحة إنسان كان شايل جبل على ضهره ونزله فجأة في نص السكة وكمل طريقه وهو خفيف وقادر يتنفس.

قفلت التليفون خالص، وحطيته في الشنطة.

قومت دخلت أوضة مريم، لقيتها نامت من التعب وسابت النور الصغير شغال. غطيتها كويس، وبوست جبينها، وقعدت جنبها وأنا باصة للسما من الشباك المفتوح. الصبح كان قرب يطلع، وخيوط الفجر بدأت تبان في أفق القاهرة الهادية.

كنت عارفة إن الأيام اللي جاية مش هتكون سهلة، ومحاكم ومشاكل وقواضي هتدور، بس كنت متأكدة من حاجة واحدة بس: إن اللي يبيع بنته ويكسر نفسها عشان يرضي طمعه وطمع عيلته، لازم يخسر كل حاجة في لحظة واحدة. والست اللي قدرت تبني بيتها بشقاها وحيلتها، قادرة تهد الدنيا فوق راس اللي يفكر يدوس على كرامتها وكرامة ضناها، وتبدأ من جديد وهي راسها مرفوعة في السما.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *