رجعت من

لف المعلم لأحمد ومسكه من ياقة قميصه بقسوة وشده لقدام: — قدامك ساعتين يا أستاذ، تلم فيهم تمن العربون ومصاريف نقلي من تحت الأرض، وتيجي تسلمهم في مكتبي وتاخد ورق أختك، وإلا قسماً بعزة جلال الله البلاغ هيكون في النيابة مع أذان الفجر! قدامي إنت وهي!

حماتي قامت تجري على ابنها، بتشد فيه وبتبكي: — سيب ابني يا راجل إنت! إنت متعرفش إحنا مين!

— إنتوا شوية نصابين مفلسين! — المعلم جلال زق أحمد لقدام على السلم — اتحرك قدامي بدل ما أجرجرك على بطنك قدام العمارة كلها!

شيرين طلعت تجري وراهم وهي بتعيط وتلطم، وحماتي وقفت عند باب الشقة، لفت وشها ليا وعيونها بتطق شرار وحقد، ولسانها ملقاش غير الدعاء الأسود تقوله: — ربنا يخرب بيتك يا ندى زي ما خربتي بيتنا! ربنا يدوقك اللي دوقتيهولنا!

بصيت لها وابتسمت، ابتسامة باردة شفت فيها كل سنين التعب والقهر وهي بتتبخر: — بيتي اتخرب يوم ما دخلتوه يا حاجة فاطمة، والنهاردة بس بيتي بيطهر. اطلعي برة واجري ورا ابنك يمكن تلاقي حد يسلفكم تمن البلاغ، وكارت البنك اللي في جيبك ارميه في أي مقلب زبالة عشان خلاص بقى حتة بلاستيك ملوش تمن.. زيكم بالظبط.

زقيت الباب في وشها بكل قوتي، صوت الرزعة سمع في العمارة كلها، ومسكت الترباس وقفلته بتكتين.

أول ما الصوت انقطع والباب اتقفل، حسيت فجأة إن الصالة وسعت، كأن هوا نضيف دخل البيت لأول مرة من سنين. ريحة الزفارة والبواقي اللي على السفرة مكنتش مضايقاني زي الأول، لأنها خلاص كانت علامة على نهاية كابوس تقيل كان كاتم على نفسي.

روحت على أوضة مريم، خبطت خبطتين خفاف وفتحت الباب براحة. لقيت مريم قاعدة على السرير، حاضنة المخدة بتاعتها وعيونها بتبص على الباب بخوف وترقب. أول ما شافتني، نزلت من على السرير وجريت عليا، اترمت في حضني ومسكت في رقبتي بقوة: — ماما.. هما مشيوا؟ خلاص مش هيرجعوا تاني؟

شيلتها في حضني، وقعدت على طرف السرير، ودفنت راسي في شعرها وشميت ريحتها. حسيت بدموعها بتبلل كتفي، بس المرة دي كانت دموع خوف بيتبدد، مش دموع انكسار وذل: — مشيوا يا حبيبتي، مشيوا ومش هيدخلوا العتبة دي تاني طول ما أنا فيا نفس. البيت ده بيتك، وشقايا ده كله ليكي، ومفيش مخلوق يقدر ياخد منك لقمة ولا يبصلك بصة متعجبكيش بعد النهاردة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *