جوزي رجع
فضلت قاعدة على أرضية المطبخ لحد ما ركبتي فقدت الإحساس.
في الوقت ده، المطر كان اتحول لرذاذ بورتلاند الخفيف، النوع اللي مش بينزل فعلًا قد ما بيفضل معلق في الهوا، ولمبة الشارع اللي قدام الشباك كانت لسه منورة رغم إن الساعة عدت التاسعة الصبح، كأن محدش قال لها إن الشمس طلعت.
قطع لمبة أمي كانت لسه جوه كيس الزبالة.
القهوة بردت في الحوض.
والورقة المطوية كانت في جيب بنطلوني الأمامي اليمين.
ورقة صغيرة، مربعة، حد خياطها بإيده جوه فستان حرير.
بصيت ناحية الباب.
شمسية سارة كانت لسه في الحامل.
لونها كحلي غامق، بمقبض خشب بني، نفس الشمسية اللي كانت بتستخدمها من أيام الجامعة.
خرجت من الشقة من غيرها.
وسط مطر فبراير.
وده لوحده كان كفاية يقول لي إن اللي حصل النهارده كان أكبر بكتير من مجرد فستان أخافها.
طلعت موبايلي واتصلت بيها الساعة 940.
رن سبع مرات.
وبعدين دخلت المكالمة على البريد الصوتي.
اتصلت تاني الساعة 952.
المرة دي الموبايل رن مرتين بس، وبعدها المكالمة اتقفلت.
سارة هي اللي رفضت المكالمة.
بعت لها رسالة واحدة.
ثلاث كلمات
سارة، كلميني.
فضلت أبص للشاشة.
مفيش رد.
حطيت الموبايل على الترابيزة، ومشيت ناحية الفستان.
كان لسه معلق قدام مراية الريسبشن.
وقفت قدامه.
للحظة حسيت إني واقفة قدام شخص مش قطعة ملابس.
لمست الياقة.
المكان اللي لقيت فيه الحروف.
م. س.
وبعدين افتكرت الورقة.
طلعتها من جيبي.
كانت أصغر من كف إيدي.
الورق قديم شوية، لونه مائل للصفرة، لكن الحروف المكتوبة عليه كانت واضحة.
كان ممكن أفتحها في ثانيتين.
لكن إيدي مااتحركتش.
افتكرت كلام سارة.
لو قريتي الورقة دي، عمرك ما هتعرفي ترجعي زي الأول.
كنت فاكرة إنها جملة درامية نابعة من خوفها.
لكن بعد كل اللي حصل، ماعدتش متأكدة.
حطيت الورقة على الترابيزة.
مشيت ناحية المطبخ.
غسلت وشي.
رجعت.
فتحت الورقة.
وكان جواها سطر واحد.
سطر خلاني أنسى أتنفس.
إلى نادية حمدي… لو وصل الفستان إليها، يبقى كريم أخيرًا نفذ وعده.
فضلت باصة للكلمات.
مرة.
مرتين.
تلاتة.
قريت اسمي تاني.
نادية حمدي.
مش إلى سارة.
مش إلى كريم.
اسمي أنا.
حد كتب الورقة مخصوص عشاني.
لكن الجملة اللي بعدها كانت أغرب.
ما تثقيش في أي تفسير هيسمعه كريم منك.
إيدي بدأت ترتعش.
وقعت الورقة على الأرض.
رجعت التقطتها بسرعة.
في أسفل الورقة كان فيه عنوان.
عنوان مكتوب بخط صغير
Rosemont Textile Studio
SE Division Street
Portland Oregon
فضلت ساكتة.
أنا أعرف الشارع ده.
كنت بعدي منه زمان وأنا رايحة شغلي القديم.
لكن عمري ما سمعت عن المكان ده.
رجعت بصيت للفستان.
فستان كريم قال إنه اشتراه من دنفر.
فستان مكتوب في ورقته اسم أتيليه في مدريد.
ودلوقتي فيه عنوان لخياطة في بورتلاند.
السؤال بقى مش مين م. س..
السؤال الحقيقي كان
إزاي الفستان وصل لدنفر أصلًا؟
سمعت صوت مفتاح في الباب.
جسمي كله اتجمد.
كريم.
بصيت للساعة.
1017.
كان المفروض يكون في المكتب من بدري.
اتجهت ناحية الباب ببطء.
المفتاح لف.
الباب اتفتح.
دخل كريم.
من غير معطف.
شعره مبلول.
وفي إيده كيس ورق بني.
أول ما شافني، وقف.
بص لي.
وبعدين عينيه راحت للفستان.
رجعت لوشي.
ثانية واحدة.
بس ثانية واحدة.
لكنها كانت كفاية.
عرف.
عرف إني اكتشفت حاجة.
قال
إنتِ كويسة؟
قلت
آه.
صوتي طلع أهدى من اللازم.
قفل الباب.
سارة كانت هنا؟
ماعرفتش أرد.
هو نفسه عرف الإجابة.
حط كيس الورق على الترابيزة.
وقال
حصل حاجة؟
قلت
أيوه.
رفع حاجبه.
إيه؟
مشيت ناحية الفستان.
وقفت جنبه.
وبصيت له.
سارة لبسته.
وشه مااتغيرش.
قال
وبعدين؟
صرخت.
سكت.
وقالت لي أشيله منها.
فضل ساكت.
قلت
وبعدين لقيت حاجة مخيطة جوه الياقة.
هنا إيده توقفت فوق الكيس.
سأل
إيه؟
بصيت له مباشرة.
حرفين.
صوته بقى أخفض.
إيه هما؟
قلت
م. س.
فضل باصص لي.
ثلاث ثواني.
أربع.
وبعدين قال
نادية، أنا مش فاهم.
ضحكت ضحكة قصيرة من غير ما يكون فيها أي فرح.
وأنا كمان مش فاهمة.
طلعت الورقة.
حطيتها قدامه.
أول ما شافها، وشه اتغير.
المرة دي ماقدرش يخبي.
مد إيده ياخدها.
لكن سحبتها.
قلت
لأ.
بص لي.
نادية…
إنت عارف الورقة دي.
ماكانش سؤال.
كان اتهام.
قال
لأ.
قلت
بص في عيني وقولها تاني.
سكت.
قلت
إنت عارفها؟
قال
لأ.
فضلت أبص له.
وبعدين قلت
الورقة مكتوب فيها اسمي.
كريم مااتحركش.
مكتوب فيها إلى نادية حمدي.
حاول ياخد نفس.
مين كتبها؟
هزيت راسي.
ده سؤالي ليك.
اتحرك ناحية المطبخ.
أنا محتاج أفهم إنتِ بتتكلمي عن إيه.
مشيت وراه.
الفستان مش من دنفر، صح؟
وقف.
إيه؟
الفستان.
سكت.
إنت قلت إنك اشتريته من دنفر.
أيوه.
والورقة بتقول عنوان في بورتلاند.
ما ردش.
طلعت الموبايل وفتحت الكاميرا.
كنت مصورة الورقة قبل ما أحطها في جيبي.
وريتها له.
وشه شحب.
قلت
مين Rosemont Textile Studio؟
فضل ساكت.
وبعدين قال
معرفش.
غريبة.
ليه؟
لأن الورقة كانت مخيطة جوه الفستان.
يمكن الأتيليه اللي في مدريد…
قاطعته
أتيليه مدريد مش مكتوب على الورقة.
فتحت درج الطاولة وطلعت الكارت اللي كان جوه العلبة.
حطيته قدامه.
ده مكتوب عليه مدريد.
وبعدين حطيت الورقة جنبه.
وده مكتوب عليه بورتلاند.
بص للكارت.
وبعدين للورقة.
وبعدين لي.
ممكن يكون…
سكت.
قلت
ممكن يكون إيه؟
ماكملش.
ولأول مرة من يوم ما عرفت كريم، شفت عليه التردد بالشكل ده.
قلت
الفستان كان معمول لمين؟
رفع عينيه.
ليكي.
لأ.
نادية…
لو كان معمول ليا، ليه اسم شخص تاني مخيط جوه الياقة؟
سكت.
قلت
ومين م. س.؟
لثانية حسيت إنه هيقول الحقيقة.
لكنه بدلًا من كده قال
معرفش.
وقتها حسيت بحاجة بتتكسر جوايا.
مش ثقة.
مش حب.
حاجة أبسط.
الإحساس بالأمان.
رجعت خطوة.
قلت
سارة تعرف.
كريم رفع رأسه بسرعة.
سارة قالت لك إيه؟
الجملة دي كانت كفاية.
وقفت.
بصيت له.
وبعدين قلت
أنا ماقولتش إن سارة قالت لي حاجة.
سكت.
عرف إنه وقع في الغلطة.
أنا قربت منه.
إنت عرفت منين إنها قالت لي حاجة؟
ما ردش.
كريم؟
ظل ساكتًا.
الموبايل بتاعي رن.
أنا وكريم بصينا للشاشة في نفس اللحظة.
سارة.
رديت.
ألو؟
مافيش رد.
سارة؟
سمعت صوت نفسها وهي بتتنفس.
وبعدين همست
نادية…
أيوه.
هو عندك؟
بصيت لكريم.
أيوه.
صمت.
وبعدين قالت
اقفلي الباب.
إيه؟
اقفلي باب الشقة بالمفتاح.
قلبي دق بسرعة.
ليه؟
صوتها كان مرتعش.
لأنه مش كريم اللي لازم تخافي منه.
بصيت لكريم.
هو كان واقف قدامي.
وشه متوتر.
قلت
سارة، إنتِ بتتكلمي عن إيه؟
سمعت صوتها تخبط حاجة.
وبعدين قالت
أنا هبعت لك عنوان.
عنوان مين؟
الشخص اللي عمل الفستان.
المكالمة اتقطعت.
بصيت للموبايل.
ثواني.
وصلت رسالة.
فتحتها.
كان فيها عنوان.
لكن العنوان ماكانش Rosemont Textile Studio.
كان عنوان بيت.
في شمال شرق بورتلاند.
وتحت العنوان سطر واحد
روحي لوحدك. وماتقوليش لكريم إني كلمتك.
رفعت عيني.
كريم كان لسه واقف قدامي.
قال
مين؟
قفلت الشاشة.
محدش.
قال
نادية.
إيه؟
إنتِ بتخبي عليا حاجة.
ضحكت بمرارة.
غريبة.
إيه؟
نفس الإحساس.
فضل ساكت.
في اللحظة دي، وصلت رسالة جديدة.
رقم مجهول.
فتحتها.
كانت صورة.
صورة قديمة.
الفستان نفسه.
لكن مش معلق في محل.
كان متلبس على بنت واقفة قدام مرآة.
البنت كانت أصغر من سارة.
شعرها طويل.
وكانت لابسة نفس الفستان.
وفي أسفل الصورة تاريخ.
فبراير، منذ اثني عشر عامًا.
وتحت التاريخ جملة
لو نادية لبسته، يبقى لازم تعرف الحقيقة قبل ما يفوت الأوان.
وقعت الموبايل من إيدي.
كريم انحنى بسرعة يلقطه.
صرخت
ماتلمسوش!
وقف.
بص لي.
إيه اللي حصل؟
خدت الموبايل منه.
وقلت
مين البنت دي؟
بص للصورة.
وفي اللحظة اللي شافها فيها…
عرفها.
أنا شفتها في عينيه.
قلت
إنت تعرفها.
لأ.
تعرفها.
نادية، أنا…
اسمها إيه؟
سكت.
قلت
اسمها إيه يا كريم؟
رفع عيني لي.
وقال كلمة واحدة
مريم.
قلبي وقع.
مين مريم؟
ما ردش.
مريم مين؟
قعد على الكرسي.
مرر إيده على وشه.
وقال
أختي.
اتجمدت.
أختك؟
هز راسه.
أختي الكبيرة.
بصيت للصورة مرة تانية.
بس أنا عمري ما سمعت عنها.
قال
عشان مريم ماتت من اتناشر سنة.
فضلت ساكتة.
اتناشر سنة.
نفس المدة اللي أنا عايشة فيها في بورتلاند.
نفس الفترة تقريبًا اللي كريم عرفني فيها.
ونفس الفستان اللي المفروض يكون هدية جديدة…
كان موجود في صورة من اتناشر سنة.
قلت
إزاي الفستان نفسه موجود في الصورة؟
ما ردش.
قربت منه.
كريم.
رفع عيني.
مين اللي دفن الفستان بعد موتها؟
غمض عينيه.
ولأول مرة…
شفت الخوف الحقيقي في وشه.
قال
الفستان ماكانش المفروض يرجع.
يرجع منين؟
سكت.
كريم!
قال بصوت مكسور
من عند الشخص اللي قتلها.
سكتت الدنيا كلها.
المطر.
التدفئة.
صوت العربيات في الشارع.
حتى صوت نفسي اختفى.
قلت
إنت