اوعـ.ـي تقـ.ـرب
. ابتسامة بقالي سنين محروم أشوفها:
— بفكـر إن ربك ما بيضيعش حق حد.. بس فيه حاجة واحدة كنت دايماً خايفة أسألك عليها يا ياسين.
— إيه هي؟
— أمك.. وداليا.. أخبارهم إيه دلوقتي؟
سكت لحظة.أمي وداليا بعد ما خرجوا من البيت بالهدوم اللي عليهم، داليا سابت الشغل وما استحملتش كلام الناس وفضحتهم في المنطقة، واضطرت تشتعل في مشغل صغير بمرتب ضئيل عشان تقدر تصرف على إيجار شقة قانون جديد قديمة في أطراف الجيزة.
وأمي.. صابتها جلطة خفيفة من الصدمة والكسرة، وبقت قاعدة على كرسي متحرك، ما بتطقش تشوف حد ولا حد بيسأل عليها من كل القرايب اللي كانوا بياكلوا على سفرتها.
بصيت لسارة وقولت بمنتهى الهدوء:
— عايشين في اللي اختاروه لنفسهم يا سارة. ربنا عدل.. زي ما حطوا إيدك في الشوك، بيسقوا من نفس الكاس دلوقتي.
في اللحظة دي، جرس الباب رن.
سارة راحت تفتح.. لقيت دليفري واقف ومعه علبة كبيرة ملفوفة بشريطة حمراء.
سارة استغربت واخدت العلبة:
— دي جاية لمين؟
قربت منها وابتسمت:
— افتحيها وشوفي بنفسك.
فتحت العلبة ببطء.. وشهقت أول ما شافتها.
جوه العلبة كان فيه أدوات عمل الحلويات المجهزة، وأرقام ترخيص لمخبز صغير باسم: “مخبز سارة”، ومفتاح محل قريب من الشقة.
دموعها نزلت، بس المرة دي كانت دموع الفرحة..
— أنت لسه فاكر حلمي يا ياسين؟
مسكت إيدها وبصيت في عينيها بثبات:
— أنا ما نسيتش ولا كلمة ولا حلم حلمناه سوا في الأربع سنين اللي فاتوا. الفلوس راحت وجت، بس أنتِ اللي باقية، وحلمك هو اللي هنبدأ بيه حياتنا بجد.
كنت واقف بعيد شوية بتفرج عليها وبشرب قهوتي، وقلبي طاير من الفرحة إن الوش الهزيل اللي شفته جنب الغسالة زمان، بقى هو نفسه الوش اللي منور المحل النهاردة.
وفجأة.. شفت حركة غريبة قدام باب المحل.
واحدة ست كبيرة قاعدة على كرسي متحرك، لافة طرحة قديمة على رأسها، وجنبها بنت باين عليها الهم والتعب، لابسة عباية سودا دايبة، ومسكين كيس بلاستيك فيه شوية مناديل بيبيعوها للمشاة. كانت أمي.
. وداليا. داليا كانت بتزق الكرسي بخطوات مكسورة، وشها هربان منه الشباب، وبصات عينيها للأرض مش قادرة ترفعها في وش حد. أول ما وقفت قدام المحل ولمحت سارة من الزجاج، اتجمدت مكانها.
أمي رفعت رأسها ببطء، وعينيها جت في عين سارة.. وبعدين جت في عيني أنا وأنا واقف قريب.