اقعلو هدومكو
ردت واحدة من البنات اللي واقفين انت عايزنا نتعري هنا قدامك وقدام بعض ايه الشئ المهين دا دا مستحيل
كمل بدون اي اهتمام لكلامها
كل قطعة لابسينها تتقلع حالا
بدات بنت من الواقفين اللي متقدمين للوظيفة تقلع هدومها كلها حتة حتة بكل جرائة
بدأو البنات يبصولها باستغراب ازاي هي بتعمل كدا بدون تردد
وبدأ مشرف القصر يعدي عليهم واحدة واحدة ويزعق اللي مش هتقلع عشان نقيم جسمها ونشوف لو في اي عيوب تطلع برا وتنسحب من التقديم لوظيفة مربية بنت اكبر رجل اعمال في البلد
«كل قطعة لابسينها تتقلع حالًا!»
سكتت القاعة كلها كأن حد فجأة فصل عنها الصوت.
البنات بصّوا لبعض، وكل واحدة كانت بتحاول تفهم هي فعلًا سمعت الكلام ده ولا لأ.
رفعت واحدة منهم صوتها وقالت بعصبية:
— إحنا جايين نقدم على شغل، مش داخلين مسابقة ملكات جمال مالكوا انتوا ومال جسمنا!
المشرف بص لها ببرود وقال:
— اللي شايفة إن الشروط مش مناسبة، الباب وراها… محدش ماسكك.
واحدة من البنات بصّت ناحية الباب، وبعدين بصّت لباقي المتقدمات، وقالت بصوت واطي:
— أنا مش هكمل.
وقبل ما تتحرك، اتفتح باب القاعة فجأة.
ظهر راجل في الخمسينات، لابس بدلة سودا، وملامحه جامدة لدرجة إن المشرف نفسه وقف مكانه.
#بقلم_انجي_الخطيب
الراجل بص للبنات واحدة واحدة، وبعدها قال:
— مين قالكم إن الوظيفة دي محتاجة الشكل ده؟
المشرف اتوتر:
— أستاذ حاتم… أنا بنفذ التعليمات.
حاتم قرب منه خطوة وقال بهدوء مخيف:
— التعليمات اللي أنا قلتها؟
المشرف سكت.
حاتم لفّ ناحية البنات وقال:
— اللي حصل هنا من دقايق… محدش يخرج من القصر ويتكلم عنه.
واحدة من البنات سألت بخوف:
— وليه؟
ابتسم ابتسامة صغيرة من غير أي راحة:
— لأن اللي دخلت المكان ده النهارده… مش كلهم كانوا جايين عشان الوظيفة.
الكل بص لبعضه في ذهول.
وفجأة، سمعوا صوت باب بيتقفل بالمفتاح من الناحية التانية.
البنت اللي كانت واقفة جنب الشباك همست:
— هو إحنا… اتقفل علينا؟
حاتم ما ردش.
بس قبل ما يخرج، وقف عند الباب وقال جملة خلت الدم يتجمد في عروقهم:
— دلوقتي هنبدأ الاختبار الحقيقي… واللي هيفشل فيه، مش هيكون عنده فرصة يندم ولا يقدر يتكلم تاني حتي..
لسه حاتم مخلص جملته، حتى سمعوا صوت خطوات جاية من آخر الممر.
خطوة… وراها خطوة…
الصوت كان هادي، لكن الغريب إن كل ما قرب، القاعة كلها سكتت أكتر.
وفجأة، اتفتح الباب.
دخل شاب في التلاتينات، طويل، أنيق بشكل لافت، لابس بدلة سودا بسيطة، وشعره مرتب بعناية، وملامحه هادية بشكل يخلي أي حد يبصله لأول مرة يفتكره شخص واثق من نفسه ومش بيحب المشاكل.
لكن أول ما دخل، المشرف أنزل عينه في الأرض.
حاتم قال بسرعة:
— أستاذ ياسين…
الشاب ما ردش عليه.
بص للبنات واحدة واحدة، بنظرة ثابتة ومركزة، لحد ما وقعت عينه على البنت اللي كانت من شوية بتعترض على طريقة الاختبار.
وقفت مكانها متوترة.
قال ياسين بصوت هادي:
— اسمك إيه؟
ردت بتردد:
— مريم.
فضل باصص لها ثواني، وبعدها قال:
— مريم… إنتِ الوحيدة اللي اعترضتي من أول ما دخلتي.
قالت:
— عشان اللي بيحصل هنا مش طبيعي.
رفع حاجبه بابتسامة خفيفة:
— وإنتِ شايفة إن كل اللي بيحصل في القصر ده… لازم يكون طبيعي؟
ما عرفت ترد.
ابتسم ابتسامة صغيرة، وبعدها لف ناحية حاتم وقال:
— كمل.
حاتم اتردد:
— بس يا فندم…
ياسين بص له نظرة واحدة بس.
حاتم سكت فورًا.
واحدة من البنات قربت من مريم وهمست:
— مين ده؟
مريم ردت من غير ما تبص لها:
— معرفش.
لكن قبل ما تكمل، ياسين قال من بعيد:
— أنا صاحب القصر.
اتجمدت البنات.
واحدة قالت بصوت منخفض:
— صاحب القصر؟!
ياسين ابتسم وقال:
— وأظن إنكم اتقال لكم إنكم جايين تقدموا على وظيفة مربية… بس محدش قال لكم الحقيقة كاملة.
سادت حالة من الارتباك.
مريم سألت:
— يعني إيه الحقيقة الكاملة؟
ياسين قرب خطوتين، وبص لها مباشرة.
— يعني إن الوظيفة دي مش لأي واحدة… وإن البنت اللي هتشتغل عندي لازم أكون واثق فيها ثقة كاملة.
سكت لحظة، وبعدين قال:
— لأن بنتي شافت حاجة من تلات أيام… ومن ساعتها وهي مش بتتكلم.
اتغيرت ملامح البنات.
القاعة كلها اتقلبت همس وصوت مكتوم.
مريم بصت للبنات، والبنات بصوا لبعض.
وفجأة…
ياسين حط إيده في جيبة وقال:
— المشكلة إن اللي عملت الموضوع دا … واقفة قدامي هنا وسطكوا وهعرفها .
الوجوه كلها شحبت.
ومريم بصت لياسين وهي مش قادرة تتكلم…
لأنها بدأت تفهم إنهم ما اتجمعوش هنا عشان يختاروا مربية وان الموضوع اكبر من كدا بكتير
البنات بدأوا يتبادلوا نظرات مكسورة و الخوف كان نسبطر عليهم ومعندهمش اي حلول هما بالفعل بقوا محبوسين ولازم ينفذوا الاوامر ،. واحدة ورا التانية، أيديهم بدأت تترعش وهي بتفك أول زرار، والمنظر بقى عبارة عن تنازل جماعي عن الكرامة،
المشرف ابتسم ابتسامة صفرا كلها غرور، وطلع من جيبه دفتر أوراق أسود صغير وقلم. بدأ يتمشى بين البنات، عينيه بتمسحهم بنظرات تقييم جافة وخالية من أي إنسانية، كأنه بيفحص بضاعة. كان بيكتب ملاحظات سريعة، ويهز رأسه بالنفي قدام واحدة، ويشاور للتانية إنها مقبولة.
لحد ما وصل لأخر الصف..
وقف قدام البنت اللي خلعت هدومها بكل جراءة في الأول. قرب منها بخطوات بطيئة، ودقق في ملامحها وثباتها الغريب اللي كان مرعب وسط انهيار الباقيين.
المشرف نزل عينيه بالدفتر، ولما جه يكتب.. عينيه لقطت وحمة أو علامة صغيرة جداً على كتافها من ورا .
إيديه اتسمرت في الهواء. الابتسامة اللي كانت على وشه اختفت تماماً، وعينيه اتسعت من الصدمة كأنه شاف شبح وبص ليها وقال……
#انجي_الخطيب
أنتِي البنت اللي اختفت من عشر سنين!
الكلمة نزلت على القاعة زي الصاعقة، وكل عين كانت مثبتة على البنت اللي واقفة بثبات مرعب، ملامحها ما اهتزتش ولا رمش لها جفن، لكن نظرتها للمشرف كانت مليانة بكراهية دفينة وباردة.
المشرف خطى خطوة لورا بخوف واضح، إيده اللي ماسكة الدفتر بدأت تترعش، وصوته طلع مبحوح ومكتوم:
— الـ… العلامة دي… دي نفس العلامة اللي كانت عند بنت أستاذ ياسين اللي اتخطفت وهي صغيرة… أستاذ حاتم! الحقني يا حاتم بيه!
قبل ما حاتم يلحق يتحرك أو يتكلم، الشاب “ياسين” خطى خطوات سريعة وهادية في نفس الوقت، القاعة كلها حبست أنفاسها وهي بتتابعه. قرب من البنت، عينيه كانت بتدرس العلامة اللي على كتفها بتركيز رهيب، ووراه حاتم واقف مرعوب مش عارف يتصرف.
ياسين مد إيده ببطء، لمس العلامة بأطراف صوابعه، وهز رأسه بنفي خفيف وقال بصوت هادي لكنه يقطع العصب:
— غلطان يا معتز… العلامة دي مش بتاعة بنتي… العلامة دي رسمها الميك أب، ولسه طرية تحت صوابعي.
البنت ضحكت ضحكة قصيرة وسخرية مليانة مرارة، وبصت لياسين في عينيه مباشرة من غير أي خوف، وقالت وهي بتسحب نفسها لورا:
— ذكي يا ياسين بيه… طول عمرك ذكي ومبتعديش عليك القشور… بس ملحقتش نفسك قبل ما تقع في الفخ.
في اللحظة دي بالظبط، النور اتقطع عن القاعة كلها، وعم الضلام الدامس. صريخ البنات ملأ المكان مع حركة ارتباك وشوشرة جامدة، صوات كراسي بتتقلب، وأبواب بتتخبط.
ياسين بصوت ثابت ومتمكن صرخ في الضلمة:
— محدش يتحرك من مكانه! حاتم أمن الشباك!
لكن صوت ضربة قوية خشبية سمعت في القاعة، وبعدها صوت زجاج بيتكسر بعنف. ثواني معدودة والنور رجع يشتغل فجأة، المكان كان عبارة عن فوضى، البنات كلهم متكومين على الأرض من الرعب، المشرف معتز واقع على الأرض بيأن ومسك راسه ينزف، وحاتم واقف عند الباب مذهول.
البنت الغريبة اختفت تمامًا، والشباك الكبير اللي في آخر القاعة كان مكسور بالكامل، والستائر بتطير مع الهواء القوي.
لكن الصدمة الحقيقية ما كانتش اختفاء البنت…
مريم، اللي كانت واقفة جنب الشباك، كانت ماسكة في إيدها ورقة صغيرة مطوية سابتها البنت وهي بتهرب من الشباك. إيد مريم كانت بتتعدل بالورقة وهي مش قادرة تأخد نفسها، وياسين لمح الورقة في إيدها.
قرب ياسين منها بخطوات سريعة، شد الورقة من إيد مريم بحدّة، وفتحها.
كان مكتوب فيها بخط يد أحمر ومستعجل:
“بنتك المبتتكلمش… هي الوحيدة اللي عارفة مين فينا اللي قتل مرتك من تلات سنين، والاختبار ده مش هينقذك يا ياسين… اللعبة يلا بدأت.”
ياسين طبق الورقة في قبضته بقوة لحد ما أطراف صوابعه بيضت، وبص لمريم بنظرة حادة ومركبة وقرب منها وقال بصوت واطي ومخيف:
— الورقة دي وصلت إيدِك إزاي؟
مريم بلعت ريقها بالعافية وهي بتترعش:
— هي… هي اللي حطتها في إيدي وهي بتهرب… وقالتلي كلمة واحدة بس قبل ما تنط.
ياسين قرب أكتر:
— قالتلك إيه؟
مريم بصت له في عينيه وقالت بصوت مكسور:
— قالتلي إن المربية الحقيقية… واقفه وسطنا هنا، وإنك أنت الهدف مش بنتك.
ياسين اتصلب مكانه، ملامح هدوءه اتفتت في ثانية وحل محلها غضب مكتوم يرعب، بص لمريم بنظرة كان يتوزن بيها جبل، وسحب نفس طويل وصوت صدره طالع زي حشرجة مكتومة.
القاعة سكتت تماماً، البنات المتراميين على الأرض كانوا بيترعشوا، ومشرف القصر بيحاول يقف وهو ماسك دماغه والدم نازل على وشه، وحاتم جرى على الشباك المكسور وبص منه لبره بسرعة ورجع وهو بينهج:
— أستاذ ياسين! البنت اختفت في الجاردن، الجو ضلمة ومفيش أثر ليها، وأمن البوابة بيقولوا محدش خرج!
ياسين ما ردش عليه، كان باصص لمريم بتركيز رهيب، وقرب منها خطوة واحدةخلت مريم ترجع ضهرها للحيطة:
— قولي الكلمة تاني يا مريم… قالتلك إيه بالظبط وبنفس نبرة صوتها؟
مريم كانت حاسة إن قلبها هيقف، إيدها المترعشة كانت بتشد على هدومها، وقالت بصوت طالع بالعافية:
— قالتلي… “المربية الحقيقية واقفة وسطكم هنا… وياسين هو الهدف مش بنته… هو اللي لازم يدفع التمن”.
في اللحظة دي، سمعوا صوت كركرة هادية وصوت ضحكة صغيرة طالعة من آخر القاعة.
الكل لف راسه بذهول ناحية الصوت.
واحدة من البنات اللي كانوا قاعدين على الأرض، كانت لابسة طقم بسيط جداً، ووشها ملطخ بتراب ومن أول ما دخلوا وهي محامية نفسها ومابتنطقش كلمة، قامت وقفت ببطء شديد.
البنت دي كانت الوحيدة اللي ما اعترضتش، وما بكتش، ولا حتى اتهزت لما النور اتقطع.
نفضت هدومها ببرود، وبصت لياسين وابتسمت ابتسامة هادية جداً، ابتسامة حد مستني اللحظة دي من سنين.
حاتم صرخ فيها وهو بيسحب مسدسه من تحته البدلة:
— إنتِ مين يا بت إنتِ؟! اثبتي مكانك!
البنت حتى ما بصتش لحاتم ولا للمسدس، عينيها كانت متعلقة بعيون ياسين بس، وقالت بصوت ناعم، رايق، وخالي تماماً من أي خوف:
— نزل سلاحك يا حاتم… أنت عارف كويس إنك لو ضربت نار، السر اللي مخبيه ياسين في خزنته تحت الأرض هيطلع للصحافة قبل ما جثتي تلمس الأرض.
ياسين عيونه اتسعت بصدمة حقيقية لأول مرة من بداية اليوم، خطى ناحيتها وهو بيجز على سنانه:
— إنتِ… إنتِ السر أخت “فريدة”؟
البنت ضحكت بصوت أطول، وقربت خطوتين بثبات مرعب:
— شاطر يا ياسين بيه… كبرت وعجزت وبقيت تنسى الوشوش، بس أنا مانيسيتش… مانيسيتش اليوم اللي مرتك اتقتلت فيه في نفس القاعة دي، ولا نسيت مين اللي مسك السكينة، ومين اللي لبّس التهمة لغيره وشرد عيلة كاملة عشان يحمي نفسه!
مريم وباقي البنات بصوا لبعض في حالة ذهول وتشتت كامل، الكلام كان كبير ومرعب وأكبر بكتير من مجرد وظيفة مربية أو اختبار للتعري.
مريم صرخت بصوت مخنوق:
— إحنا ذنبنا إيه في القرف ده كله؟! افتحوا الزفت ده وخرجونا من هنا!
البنت لفت لمريم وقالت وهي بتبص لها برحمة غريبة:
— إنتوا مالكوش ذنب يا مريم… إنتوا بس كنتوا الستار، ياسين كان عاوز يجمع أكبر عدد من البنات بشروط مهينة، عشان يجبر اللي داخلة وبدور على حاجة معينة إنها تكشف نفسها… كان فاكر إن الانتقام هييجي بقلة أدب وبشكل مكشوف.
وبعدين لفت لياسين تاني، وقالت وهي بتشاور على الباب المقفول بالمفتاح:
— بنتك الصغار مش ساكتة عشان خايفة يا ياسين… بنتك ساكتة عشان هي الوحيدة اللي شافتك وأنت بتخنق أمها في المكتب ده… والنهارده، الحقيقة هتنطق، حتى لو بأيد بنتك نفسها!
في نفس اللحظة، سمعوا صوت خبط منتظم وقوي على الباب المقفول بالمفتاح من بره… خبط بطيء، زي دقات الساعة… وبعدها صوت طفلة صغيرة بتتكلم من ورا الباب بصوت جاف وبارد:
— بابا… افتح الباب… أنا جيبت باقي الورق.
الصمت نزل على القاعة زي الجبل، وجمد الدم في عروق كل الموجدين. البنات على الأرض اتسمروا مكانهم، وحاتم إيده الممسكة بالمسدس بدأت تترعش وهو بيبص للباب بذهول مش مصدق اللي بيسمعه.
صوت الطفلة من ورا الباب كرر النداء ببرود أشد:
— بابا… افتح، المفتاح معايا.
ياسين وشه اتقلب أصفر زي الميتين، نظرة الثقة والسيطرة اللي كانت في عينيه اختفت تماماً وحل مكانها رعب حقيقي، بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مهزوم وطالع بالظبط كأنه بيغرق:
— فريدة… إنتِ… إنتِ جيتي هنا إزاي؟ مين طلعك من أوضتك؟
سكتت الطفلة ثواني، وبعدها اتسمع صوت حديد المفتاح وهو بيلف في الكالون. تك… تك.
الباب اتفتح ببطء شديد، وظهرت واقفة على العتبة طفلة عندها حوالي تسع سنين، لابسية فستان أبيض عليه بقع تراب قديمة، شعرها نازل على وشها، وفي إيدها الصغيرة ماسكة ملف أوراق أسود سميك.
جنبها كان واقف راجل عجوز بشعر أبيض كاثيف ولابس جلابية بلدي سودة، إيده على كتف الطفلة بيهديها، وفي إيده التانية ماسك كشاف إضاءة قوي.
البنت اللي قالت إنها أخت فريدة ابتسمت ابتسامة انتصار وشاورت للراجل العجوز وقالت:
— متأخرتش يا عم حامد… في وقتك بالظبط.
حاتم صرخ بذهول وهو بيبص للعجوز:
— عم حامد؟! إنت مش أتردت من القصر من سنتين وممنوع تعتب خطوة هنا؟!
العجوز بص له بنظرة ثقيلة ومهيبة وقال بصوت جاف زي صحراء:
— اتطردت عشان شوفت اللي ما يصحش أشفه يا حاتم… وعشان ياسين بيه كان فاكر إن السكوت بيتباع ويشتري بالفلوس. بس الصبية الصغيرة دي هي اللي جابتني من بيتي بنفسها الصبح… وقالتلي كفاية تمثيل.
مريم كانت واقفة مش فاهمة حاجة، لكن عينها جعت على الملف اللي في إيد البنت الصغيرة.
ياسين أخد خطوة وسيعة ناحية بنته وقال وهو بيمد إيده بلهفة ملغومة بخوف:
— فريدة يا حبيبتي… هاتي الملف ده، تعالي هنا وماتسمعيش كلام حد من دول… دول جايين يئذوكي ويئذوا بابا!
الطفلة رفعت رأسها ببطء، ولأول مرة من تلات سنين، بصلته في عينيه مباشرة. ماكانش في عينها أي دمعة، ولا أي خوف… كان فيها نضج مرعب أكبر من سنها بكثير.
رفعت إيدها بالملف وقالت بصوت هادي، واضح، وكل كلمة فيه طالعة زي الرصاصة:
— أنت مش بابا… أنت الراجل اللي موت أمي… وأنا مش ساكتة عشان خايفة منك يا ياسين… أنا كنت ساكتة لحد ما أكبر وأفهم الورق ده فيه إيه.
الملف وقع من إيد الطفلة على الأرض، والأوراق اتنطرت بين جزم الموجدين.
مريم بصلت على أقرب ورقة تحت رجليها… كانت تقرير طبي شرعي رسمي، ومكتوب فيه بخط عريض وفاضح: “وفاة المجني عليها نتيجة خنق يدوي متنسق… والعيّنات المأخوذة من تحت أظافرها تطابق الحمض النووي للزوج: ياسين حسان”.
القاعة كلها شهقت، والمشرف معتز وقع على ركبه وهو بيبص لياسين بذهول حقيقي.
ياسين بصل للأوراق على الأرض، وبعدها بص للطفلة، وملامح وشه تحولت من رعب لشر ملوش حدود. ضحك ضحكة مجنونة مكتومة، وطلع من جيب بدلتهم الداخلية جهاز صغير وشكله غريب، وضغط على زرار فيه بسرعة.
في نفس اللحظة، اتسمع صوت أجهزة الإنذار بتصرخ في القصر كله، وأبواب الحديد بتاعة الشبابيك بدأت تنزل وتقفل المكان بالكامل زي السجن.
ياسين بص للجميع وبابتسامة شفافة ومريضة قال:
— فاكرين إنكم حاصرتوني؟ القصر ده ملوش غير مخرج واحد تحت الأرض… ومحدش هيخرج منه حي يشهد عليا.