اقعلو هدومكو
العربيات بتاعة الشرطة والإسعاف وقفت على بعد أمتار منهم، وصوت الفرامل عمل صرير حاد على التراب. الضباط والعساكر نزلوا بسرعة، أسلحتهم مرفوعة والأنوار الكشافة بتضرب في وشوشهم وهي بتمسح المكان.
واحد من الضباط صرخ وهو بيقرب بخطوات سريعة:
— محدش يتحرك! حطوا إيديكم فوق راسكم!
عم حامد رفع إيده ببطء وهو بيحضن فريدة بجسمه عشان يحميها، والبنات اترموا على الأرض من الخوف، لكن مريم وقفت بثبات، إيدها المقفولة على المفتاح نزلت جنبها، وبصت للضابط بكل هدوء وقالت بصوت واضح وسط صوت السرينات:
— نزلوا سلاحكم… الميتين جوة القصر، واللي واقفين قدامكم دول الضحايا والشاهدين على كل حاجة.
الضابط قرب منها، عينيه جابهم من فوق لتحت، ولمح الدخان المهول اللي مغطي السما ورا السور، ووشوش البنات المليانة بتراب ودخان وشحوب الرعب. نزل سلاحه وبص لمريم بدهشة:
— أنتوا مين؟ وإيه اللي حصل جوة؟ والقصر ده بيولع كده إزاي؟!
مريم قربت منه خطوة، وفتحت كف إيدها اللي كان معلم فيه المفتاح الفضة من كتر الضغط عليه. حطت المفتاح في إيد الضابط، وقالت بالنص بالعامية المصرية وبكل قوة:
— اللي جوة تحت الردم ده ياسين حسان… الراجل اللي كان فاكر إن فلوسه ونفوذه هيحموه من دم مراته اللي قتلها من تلات سنين. المفتاح ده بتاع خزنة مصفحة تحت الأرض في القصر، فيها الدفاتر والأوراق اللي بتكشف كل شبكته وكل اسم كبير كان بيحميه.
الضابط اتصدم، وبص للمفتاح وبعدها بص لعم حامد والطفلة.
فريدة الصغيرة رفعت راسها للضابط، وقالت بصوت هادي كأنه جاي من عالم تاني:
— عمو… بابا هو اللي ولع في القصر عشان يداري جريمته… بس الأوراق اللي بتثبت إنه قتل أمي موجودة معايا ومع مريم.
الضابط وقف مذهول مش عارف يستوعب حجم الكارثة اللي اتفتحت قدامه في لحظة. لف للعساكر وزعق بسرعة:
— اطلبوا الدعم فوراً! وهاتوا بطاطين ومية للبنات دول ونقلوهم على المستشفى تحت حراسة مشددة! واطلبوا فرق الحماية المدنية والنيابة العامة فوراً لمعاينة الموقع!
خلال دقائق، المكان اتقلب خلية نخل. الإسعاف بدأت تعالج البنات وتهديهم، وأخت فريدة كانت قاعدة جنب الطفلة وعم حامد، بيبصوا للقصر اللي كانت النار بدأت تأكل أطرافه الخارجية والسقف بيقع حتة حتة، كأن الجبل اللي كان كاتم على أنفاسهم بيتفتت قدام عينيهم.
مريم كانت واقفة جنب عربية الإسعاف، حاطة بطانية على كتفها وبتبص للسما المليانة بدخان أسود.
الضابط قرب منها تاني ومسك أجندة صغيرة وقلم:
— اسمك إيه بالكامل يا أنسة؟
مريم بصت له، ابتسمت ابتسامة خفيفة مليانة تعب وراحة في نفس الوقت، وقالت:
— اسمي مريم… مريم اللي كانت جاية الصبح عشان تقدم على شغل مربية، وطالعة دلوقتي وهي مسقطة إمبراطورية فساد كاملة.
وبصت للشمس اللي كانت بدأت تغرب وتختفي ورا عمود الدخان، وعرفت إن الكابوس انتهى أخيرًا، وإن الحق اللي كان مدفون تحت حوائط القصر… خرج للنور وما حدش هيقدر يداريه تاني.