اقعلو هدومكو
الشبك الحديد نزل على الشبابيك بصوت يرعب، زي أقفاص الوحوش لما تتقفل على فريستها. الضلمة والأنوار الحمرا بتاعة إنذار الحريق بدأت تضرب في وشوشهم، والصوت السرينة المزعج طرش أذان الموجدين. البنات بدأوا يصرخوا بكل قوتهم، وجريوا على الأبواب المصفحة بيخبطوا عليها بأيديهم لحد ما أيديهم أتسحلت دم.
حاتم جرى على ياسين وبص له برعب وقال بصوت عالي وسط الضجة:
— أنت بتعمل إيه يا ياسين بيه؟! أنت هتموتنا كلنا هنا ولا إيه؟! افتح الزفت ده!
ياسين زقه بإيد واحدة بقوة خلت حاتم يترمي على الأرض، وبص له بنظرة مجنونة كأنه شخص تاني خالص، وقال وهو بيضحك بعلو صوته:
— اللي يدخل قصر ياسين حسان ويفتكر إنه يقدر يخرج منه بسره… يبقى مغفل! القصر ده هيولع باللي فيه، والنيابة لما تيجي هتقول ماس كهربائي في مسابقة شغل… ومحدش هيعيش عشان يكذبني!
مريم بصت حولين نفسها في حالة ذهول، النيران بدأت بالفعل تطلع من التكييفات المركزية بعد ما ياسين شغل النظام الآلي الذاتي، والدخان الأسود بدأ يملى السقف وينزل ببطء النفس.
عم حامد العجوز حضن الطفلة صغيرة بضهر ، وجري بيها على حيطة بعيدة، في حين إن أخت فريدة سحبت سكينة صغيرة كانت مخبياها في جيبها وجريت بشرس على ياسين وهي بتصرخ:
— مش هتموت قبل ما تاخد تمن اللي عملته يا مجرم!
ياسين لمحها، مسك إيدها في الهواء وعصر معصمها لحد ما السكينة وقعت، وضربها بكفه على وشها وقعها على الأرض بين الأوراق المتقطعة.
في اللحظة دي، مريم أخدت بالها إن المشرف معتز اللي كان ينزف على الأرض، كان بيزحف ببطء ناحية جثة حاتم أو ناحية الدفتر الأسود الصغير اللي وقع منه في الأول. مريم قريت العنوان المكتوب على ظهر الدفتر تحت إضاءة الإنذار الحمرا: “شفرة الطوارئ – المخرج الخلفي”.
مريم ما فكرتش ثانية، جرت بجرأة ومن غير ما حد يحس بيها، ونزلت على ركبها وسط الدخان، وسحبت الدفتر من جنب إيد معتز اللي كان غايب عن الوعي تقريباً. فتحت الدفتر بإيد بتترعش وهي بتسعل من الدخان اللي كاتم نفسها.
كان مكتوب بخط إيد صغير: “لوحة تحكم السرداب… خلف اللوحة الزيتية الكبيرة في صالة العرض”.
مريم رفعت رأسها، اللوحة الزيتية للست “فريدة” كانت متعلقة على الحيطة الرئيسية في القاعة!
صوت ياسين كان بيقرب، وهو بيضحك وسط الدخان وبيتحرك ناحية الباب الخشب المصفح عشان يهرب لوحده من فتحة التهوية الشخصية بتاعته.
مريم صرخت بعلو صوتها وسط الخوف والتراب:
— عم حامد! اللوحة! الشفرة ورا اللوحة بسرعة!
ياسين اتسمر مكانه لما سمعها، ولف راسه بسرعة وشرس، وعينيه أتقابلت مع عينين مريم… وقبل ما يتحرك خطوة واحدة ناحيتها، البنت الصغيرة فريدة جرت من ورا عم حامد، ومسكت في رجل ياسين بكل قوتها وهي بتصرخ:
— مش هتأذي حد تاني يا بابا!
ياسين حاول يزقها، لكن عم حامد وأخت فريدة هجموا عليه في نفس اللحظة وثبتوه على الأرض، في حين إن مريم جرت على اللوحة، زقتها بقوة لحد ما أتقطعت من الحيطة، وظهر وراها تابلت أسود مصفح بيطلب كلمة سر مكونة من 4 أرقام.
مريم بصت للطفلة وهي بتصرخ وتعيط وسط الدخان:
— فريدة! الباسورد إيه؟! أمك سابتلك إيه؟!
الطفلة وهي ماسكة في رجل ياسين صرخت بصوت مخنوق من العياط والدخان:
— تاريخ ميلادي… تاريخ اليوم اللي اتقفلت فيه سنتين… 1 2 0 4!
مريم صوابعها المترعشة ضربت الأرقام بسرعة على الشاشة: 1.. 2.. 0.. 4.
الشاشة أضائت باللون الأخضر، وصوت هيدروليكي ضخم هز القاعة كلها… الحيطة اللي جنب اللوحة اتفتحت ببطء كاشفة عن سرداب واسع ونازل لأسفل القصر والظلام جواه، والهواء النظيف بدأ يدخل منه للقاعة.
البنات بدأوا يجروا بنهت وصريخ ناحية السرداب، وعم حامد سحب الطفلة وجري بيها لجوه، وأخت فريدة بصت لياسين اللي كان بيحاول يقوم وهو بيسعل بعنف من الدخان اللي غطى القاعة بالكامل.
مريم وقفت عند مدخل السرداب، بصت لياسين للمرة الأخيرة وقالت:
— القصر اللي بنيته على الدم… هيروح في الدم يا ياسين.
ودخلت السرداب، والباب الحديدي اتطربق وراهم بضغط هيدروليكي، وسابوا ياسين جوه القاعة المقفولة، وسط النار والدخان وأوراق جريمته اللي كانت بتتحرق حوليه واحدة ورا التانية.