اقعلو هدومكو
السرداب كان ضيق وضلمة، وهوا بارد وطالع بريحة رطوبة وطين بيضرب في وشوشهم مع كل خطوة بيجروها. صوت السدادات الهيدروليكية المتقفلة وراهم كان عامل زي صوت قفل القبر، لكنه في نفس الوقت كان صوت النجاة الوحيد.
البنات كانوا بيجروا ورا بعض بنهت وصوات مكتوم، عم حامد ماسك إيد الطفلة فريدة وقابض عليها كأنه ماسك في روحه، وأخت فريدة كانت وراهم مباشرة، ومريم بتأمن طريقهم في الآخر، رجليهم بتغوص في المية الراكدة اللي مغطية أرضية السرداب.
من ورا الحوائط الخرسانية السميكة، اتسمع صوت مكتوم… مكتوم بس هز الأرض تحت رجليهم:
صوت انفجار مكتوم، وراه صوت تكسير خرسانة وسقف القصر وهو بيبهبط وبيتدمر فوق القاعة الرئيسية.
مريم وقفت ثانية واحدة، لفت ضهرها وبصت ناحية الباب المقفول. الدخان الأسود كان بدأ يتسرب من تحت أطراف الحديد… عرفت إن القصر خلاص بقى رماد، وأن ياسين وكل أسراره اتدفنوا تحت الركام.
عم حامد صرخ فيها بصوت ممزوج بالخوف والأمل:
— يا مريم! تعالي يا بنتي ما تقفيش! السرداب ده ممتد لحد السور الخارجي على الترعة!
جريت مريم وراهم بسرعة، وبعد حوالي خمس دقايق من الجري المتواصل في الضلمة، لقت النور المباشر بيطلع من نهاية الممر.
خرجوا واحد ورا التاني من الفتحة المصنوعة بين شجر كثيف ورا السور الخلفي للقصر. أول ما رجلوهم لمست الأرض الترابية البرانية، البنات كلهم أترموا على الأرض بيعيطوا، وبياخدوا نفسهم بلهفة كأنهم بيتولدوا من جديد.
السما كانت مغيمة، وصوت عربيات الإسعاف والمطافي جاي من بعيد جداً، بيقرب من البوابة الرئيسية للقصر اللي كانت العافية والنار طالعين منها على هيئة عمود دخان أسود مهول مغطي السما.
مريم قعدت على الأرض، حاطة إيدها على ركبتها وبتنهد بصوت طالع بالعافية. بصت لفريدة الصغيره اللي كانت قاعدة جنب عم حامد، الهدوء كان رجع لوشها، بس في عينيها نظرة استراحة… نظرة طفلة أخيرًا ارتاحت من سر كان خنقها تلات سنين.
أخت فريدة قربت من مريم، وقفت قدامها ومدت إيدها بسلسلة فضة صغيرة كان فيها مفتاح قديم.
مريم رفعت رأسها واستغربت:
— إيه ده؟
أخت فريدة ابتسمت ابتسامة تعبانة بس مليانة راحة وقالت بالعامية:
— ده مفتاح الخزنة الصغير اللي في مكتب ياسين تحت الأرض… المفتاح ده كان معايا من قبل ما أدخل القصر أساساً. ياسين كان فاكر إن كل حاجة اتحرقت، بس الخزنة دي مصفحة ضد النار… وفيها كل الأوراق والدفاتر اللي بتكشف شبكة غسيل الأموال والناس الكبار اللي كانوا معاه.
مريم بلعت ريقها وقالت:
— وليه بتديهولي أنا؟
ردت البنت وهي بتبص لفريدة وعم حامد:
— عشان أنتِ الوحيدة اللي ما خفتيش، ولأن البلاغ اللي هيتقدم للنيابة لازم يتقدم باسم حد مالوش أي مصلحة ولا خصومة… حد كان جاي يدور على شغل وبس، وشهد على الحقيقة كاملة.
صوت سرينات الشرطة قرب جداً، والأنوار الحمرا والأزرق بدأت تنور الشجر حواليهم.
مريم مسكت المفتاح في إيدها، وضغطت عليه بقوة. بصت للدخان اللي طالع من القصر، وبعدها بصت للبنات وللطفلة، وقالت بصوت هادي وثابت لأول مرة من بداية اليوم:
— الوظيفة كانت كابوس… بس الحقيقة أخيرًا خرجت للنور.