اقعلو هدومكو
عدت ستة أشهر على ليلة حريق القصر.
في قاعة المحكمة المزدحمة، كانت الجلسة الأخيرة لفض القضايا المتعلقة بإمبراطورية “ياسين حسان”. التحقيقات والطب الشرعي أثبتوا وجود جثته تحت ركام القصر بعد التحفظ على موقع الحريق، والأوراق اللي اتسحبت من الخزنة المصفحة حسمت القضية تمامًا، وكشفت كل الأطراف المشاركة في الجريمة وفي التستر عليها طول السنين اللي فاتت.
مريم كانت قاعدة في الصفوف الأولى، لابسة طقم بسيط وملامحها أخيرًا هادية ورايقة، من غير أي أثر للخوف اللي كان مسيطر عليها في الليلة دي.
جنبها كانت قاعدة الطفلة فريدة، لابسة فستان ملون ومبتسمة وهي ماسكة في إيد خالتها (أخت أمها). فريدة بدأت تتعافى، ورجعت تتكلم وتعيش حياتها كطفلة طبيعية بعد ما الكابوس اللي كان خنق أنفاسها انتهى تمامًا، وبقت تحت رعاية خالتها وعم حامد اللي اتصرف له مكافأة وتكريم من النيابة على موقفه الشجاع.
القاضي ضرب بالمطرقة على الطاولة، وقال بصوت جهوري:
— حكمت المحكمة بإغلاق القضية تمامًا، وانقضاء الدعوى الجنائية بوفاة المتهم ياسين حسان، مع مصادرة كافة أملاكه لصالح الدولة وتكفل الرعاية الكاملة لابنته فريدة.
القاعة ضجت بصوت الارتياح، والحاضرين بدأوا يخرجوا ببطء.
وقفت مريم، وبصت لفريدة وخالتها، وقربت منهم. فريدة حضنت مريم بقوة وقالت لها بصوت ناعم:
— شكراً يا مريم… عشان ما خفتيش.
مريم ابتسمت وهي بتمسح على شعر فريدة:
— الحق هو اللي ما بيخافش يا فريدة… إنتِ دلوقتي أمان، وده كل اللي كان يهمنا.
تلفون مريم رن في جيبها، رفعت السماعة وردت بابتسامة:
— أيوة يا حضرة الضابط… جاهزة، شغل المدرسة الجديدة هيستلموا الأوراق النهاردة.
قفلت المكالمة وبصت لورا، للقاعة اللي كانت نهاية القصة المرعبة وبداية حياة جديدة. خرجت مريم من باب المحكمة، والهواء النظيف ضرب في وشها مع شمس النهار، مشيت بثبات في الشارع وهي عارفة إن الصفحة القديمة اتطوت بالكامل، وأن العدالة مهما اتأخرت أو اندفنت تحت الردم… لازم تطلع للنور.
تمت
حكايات انجى الخطيب