دخلت انضف

مين حضرتك؟ وطارق مش هنا، لو في حاجة تعالوا لما جوزي يرجع.
الراجل اتنهد تنهيدة طويلة، وبص على العين السحرية كأنه شايفني أنا عارف إن طارق مش هنا، وعارف إنه في شغله في مصر الجديدة، والموضوع ملوش دعوة بطارق أصلاً، الموضوع يخص الست والدتك ويخص الأمانة اللي نزلتيها من شقة الحجة تحت من ساعتين.
الأمانة اللي تخص والدتي؟!
الدم غلي في عروقي. هو بيتكلم عن أمي أنا؟ فتحت الباب وسبت السلسلة متعلقة، وبصيت له من فتحة الباب الضيقة أمانة إيه وأمي مين؟ إنت مين أصلاً وجاي بيتي بصفتك إيه؟ وحماتي جيباك هنا ليه؟
حماتي طلعت درجة بسرعة، ومدت إيدها تحاول تمسك كتف الراجل عشان تهديه، وقالتلي بصوت مخنوق ومترجي عمري ما سمعته منها افتحي يا نورهان يا بنتي.. افتحي ده الأستاذ معتز، المحامي بتاع المرحوم عمك، والراجل ده جاي يحل، افتحي متخربيش بيتك بإيدك!
معتز ابتسم نص ابتسامة هادية بس فيها غدر واضح، وطلع من جيبه بطاقة كارنيه نقابة المحامين وميلها قدام الفتحة عشان أشوفها يا مدام نورهان، إحنا ناس ولاد حلال وبنتكلم بالقانون وبالأصول. الكراتين اللي نزلتيها دي مش جهاظك، دي فيها ورق وتصفيات تركة تخص ورثة عمك الله يرحمه في البلد، وحماتك كانت شايلاها هنا عشان كان في نزاع عليها في المحاكم، وتفتيشك في الحاجات دي هيورطك في قضية إخفاء أموال ومستندات رسمية.
كلامه كان مترتب وجاهز، كأنه حافظه من سنين، بس هو ميعرفش إني شفت اللي جوة، ميعرفش إني شفت الدهب المكسور والفلوس وتواريخ الدفتر اللي مكتوب فيها أسماء ناس ميتين وناس عايشين.
قلت له ببرود كراتين جهازي عليها اسم معرض التوحيد في شبرا، وعليها اسم أمي ورقم تليفونها بالماركر، والكالون بتاع أوضة نومي اتغير، ومفيش ورقة واحدة طالعة من شقتي غير لما طارق يجي ويكون معايا، ويا مرحب بالحكومة والمحاكم، خلوا المباحث تيجي تفتح الكراتين قدام الناس كلها ونشوف الإخفاء ده بتاع مين وباسم مين!
وش معتز اتقلب في ثانية. البرود والهدوء اللي كان عليه اتبخر، وظهرت الشراسة الحقيقية ورا وشه المنمق. قرب وشه من فتحة الباب وهمس بلاش نكبر الموضوع يا نورهان.. طارق شاب في أول حياته ومش حمل قضايا، ووالدتك ست مريضة سكر وضغط ومش حمل فضايح في منطقتها. الحاجة دي هتخرج من هنا بالهدوء، وحماتك هتديكي حق جهاظك وزيادة عليه مية ألف جنيه تفرشي بيهم شقة جديدة في أي حتة تانية غير هنا، لكن لو راسك نشفت.. أنتي اللي هتكوني كبش الفدا، والكراتين دي هتبقى حبل المشنقة اللي حوالين رقبة جوزك.
حماتي مسكت في ذراعه وقالتله اهدى يا معتز، البت متفهمش، متدخلش طارق في الليلة، طارق ملوش ذنب!
هنا بقى الخيط اتفك تماماً في دماغي.
حماتي مش قوية زي ما كانت بتمثل، حماتي كانت مجرد أداة، ومربوطة من إيدها اللي بتوجعها. ومعتز ده مش مجرد محامي تركة، ده الراجل اللي بيدير اللعبة دي كلها، وطارق.. طارق فعلاً ملوش ذنب، أو على الأقل مش هو المحرك الأساسي، بس هما مستعدين يضحوا بيه لو الحبل ضاق عليهم.
قفلت الباب في وشه ورزعت الترباس، ومردتش على صوت خبطه.
افتحي يا نورهان بدل ما نتصرف تصرف تاني مش هيعجبك! صوت معتز كان عالي المرة دي، فيه توتر مكتوم، بيخبط برجله على الباب.
جريت على الأوضة، طلعت تليفوني بسرعة، وكتبت رسالة لأمي بكلمات مشفرة إحنا متفقين عليها عشان متتخضش ماما، خالي يجيلي حالا ومعاه عمي حسين ضروري، فيه ناس عند الشقة بيتبلوا علينا في موضوع الجهاز، بسرعة.
وبعدها، طلبت رقم طارق.
التليفون رن.. رنة.. اتنين.. تلاتة.
كنت بدعي ربنا يرد قبل ما اللي برة دول يكسروا الباب، أو حماتي تفتح بالمفتاح الاحتياطي اللي كانت عاملاه للباب الخارجي زمان قبل ما أغير الكوالين.
طارق رد، وصوته كان باين فيه دوشة الشغل ومطحون بين الورق والعملا ألو، إيه يا نورهان؟ في حاجة ولا إيه؟ أنا في اجتماع مع المدير ومش فاضي.
طارق، اسمعني كويس وبلاش مقاطعة، صوتي كان بيترعش بس حازم لدرجة خلته يسكت فوراً. حماتك واقفة على باب شقتنا، ومعاها واحد اسمه معتز بيقول إنه محامي أبوك، بيهددوني عشان الكراتين اللي كانت تحت السرير وكنت حاطة فيها جهازي.
طارق سكت خالص لدرجة إني افتكرت الخط قطع.
ألو؟ طارق إنت سامعني؟
جاني صوته بس نبرته كانت متغيرة تماماً، نبرة واحد فجأة الدنيا وقعت فوق دماغه نورهان.. هو معتز عندك في البيت؟ فوق عند الشقة؟
أيوه برة على الباب وبيخبط وعايز الكراتين وبيقولي إنه هيلبسها فيك وفي أمي، فهمني يا طارق، في إيه جوة الكراتين دي غير الدهب والفلوس اللي شفتها؟! إنت عارف بالمصيبة دي؟!
طارق اتنهد تنهيدة كأن روحه بتطلع منها، وقال بصوت مهزوز ومرعوب إنتي فتحتيها يا نورهان؟ شوفتي اللي جوة؟ يا نهار أسود.. يا نهار أسود! اسمعيني، إياكي تفتحي الباب، متفتحيش لأي مخلوق لحد ما أنا أوصل، ومعتز ده متمكنيهوش من ولا فتلة، الكراتين دي لو خرجت من الشقة.. أنا وأمي هنروح ورا الشمس بجد!
يعني إنت كنت عارف؟ سألته بمرارة ووجع حسيت بيه في عضم صدري.
والله العظيم ما كنت أعرف إنها عندك في الشقة! أنا كنت فاكر أبويا صفا الموضوع ده ومات وخد سره معاه، لكن
أمي هببت إيه وودتهم عندك إزاي أنا معرفش! أنا جاي في الطريق حالاً، ربع ساعة وأكون عندك، أوعي تفتحي يا نورهان، معتز مش محامي.. معتز ده كان شريك أبويا في مصايب الجمارك والدهب المهرب!
الخط قفل في وشي.
الجمارك والدهب المهرب. حمايا اللي كان الكل بيحلف بأدبه وتقواه، كان شغال في التهريب؟ والفلوس والدهب دي بقايا بضاعة قديمة معتز جاي يطالب بنصيبه فيها، وحماتي شايلاها وبترميها في جهازي عشان لما تتقفش تقول دي مرات ابني وأهلها هما اللي جايبينها؟!
بصيت على الكرتونة اللي تحت السرير، وحسيت إن الشقة كلها بتضيق عليا، الحيطان بتميل. الخيانة ما جتش من الشارع، الخيانة كانت متبيّتة تحت السرير اللي بنام عليه بقالي سنة كاملة.
الخبط على الباب هدي شوية، بس سمعت وشوشة برة.. صوت حماتي وهي بتعيط وتقول لمعتز الحق يا معتز، البت رنت على طارق، زمانه جاي.. ولو جه هيفضح الدنيا، الواد على نياته وهيضيعنا!
معتز رد بصوت قاطع وبارد طارق مش هيعمل حاجة عشان أمه، هو بس لو حاول يتذاكى هنديله قرصة ودن صغيرة تفوقه.. رني إنتي على سيد البواب وقوليله يقطع النور عن الشقة دي من تحت، وخلينا نخلص الليلة دي قبل ما عيلة البت دي تهل.
سمعت الكلمة، وجسمي كله اتشد.
النور؟
فجأة، تكة المفتاح العمومي سمعتها من بعيد، والمروحة اللي كانت شغالة في السقف وقفت، والتكييف سكت، والدنيا كلها ضلمت في الصالة، ما فضلش غير ضوء الشمس الباهت اللي داخل من شباك المطبخ الصغير.
حسيت ببرودة في أطرافي، هما مش بس عايزين الحاجة، هما بدأوا يحاصروني جوة بيتي، وفاكرين إني ست ضعيفة هتستسلم أول ما النور يقطع وتسمع تهديدين.
روحت على المطبخ بخفة، مديت إيدي على حامل السكاكين، وسحبت أكبر سكينة عندي وحطيتها في كم الإسدال. ورجعت على الأوضة، قفلتها ورايا بالمفتاح الجديد من جوة، وقعدت جنب الكرتونة على الأرض في الضلمة.
طلعت الموبايل، وبصيت على شاشته المنورة في العتمة.. كان في رسالة من أمي وصلت أخوكي حسام وخالك وراهم اتنين رجالة طالعين على العمارة بعربيتين، خمس دقايق ويكونوا عندك.
وفي نفس اللحظة، سمعت صوت حد بيدخل حديدة رفيعة في كالون باب الشقة اللي برة وبيحاول ينطره.. معتز مش مستني طارق يوصل، معتز قرر يقتحم الشقة وياخد حاجته بإيده.
رفعت راسي، وبصيت للباب المقفول عليا في العتمة، وأنا حاسة بنار بتغلي جوايا.. لو فاكرين إني هكون الضحية اللي يلبسوها مصايبهم ويسكتوها بشوية ملاليم، يبقوا لسه ميعرفوش مين هي نورهان، ولا يعرفوا أنا ممكن أعمل إيه عشان أحمي نفسي وأهلي من الوساخة دي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *