انا اسمع

مسحت إيدي، وخرجت الصالة برسمة وش فيها قلة حيلة وذكاء في نفس الوقت. وقفت جنبهما وهما بيرتبوا السجاد، وبصيت لحماتي بنبرة فيها توجيه غير مباشر: “بقولك إيه يا أمي.. أنا كنت بكرر في كلامك بتاع الصبح، ولقيت إن عندك حق في كل كلمة. بس أنا زعلانة عليكِ وعلينا.. الشقة والمصاريف تقال، وجوزي لوحده مش هيلحق على طلبات البيت وإخواته لما يجوا. إيه رأيك لو أنا نزلت اشتغلت؟ ندخل جمعيات بالمرتب، والقبض كله يكون في إيدك إنتِ تفكّي بيه أزمتنا وتشيلي القرش الأبيض لليوم الأسود؟ بكده يبدأ يبقى في إيدنا قرش نسند بيه البيت، بدل ما إحنا زنقين نفسنا كده.”

حماتي عينيها لمعت، والفكرة دخلت دماغها في ثانية! الطمع والسيطرة عموها؛ شافت إن نزولي الشغل معناه فلوس زيادة داخلة تحت إيدها هي، وأنها هتفضل ماسكة الزمام وأنا تحت ضرسها. بصت لي بنظرة فيها دهاء وقالت: “والله وفيكِ الخير يا بت.. أديكي بدأتي تفهمي الأصول. خلاص، تدوري على شغلانة خفيفة كده، والمرتب ييجي لي أول بأول وأنا اللي أدير البيت وأعملك الجمعية اللي تسندكم.”

أنا ابتسمت وهزيت راسي بـ “حاضر”، بس من جوايا كنت بضحك بشر.

السيناريو الحقيقي في دماغي كان مختلف تماماً عن اللي هي رسمته: كملت كلامي مع حماتي وجوزي قاعد متابع الحوار بنظرات ذهول، وكأنه مش مصدق إن البنت اللي كانت لسه من شوية بتدوخ ومغمى عليها في المطبخ هي اللي بتعرض العرض ده بنفسها. قربت خطوة ورسمت على وشي نبرة الرجاء والاستعطاف وقبل ما حماتي تعترض أو تقولي شغلانة إيه، قولت بثقة متصنعة: “أنا أصلاً معايا شهادة تمريض، وكنت شغالة قبل الجواز بس قعدت الفترة اللي فاتت عشان الترتيبات ومكنتش ملاحقة بين طلبات أهلي والتجهيز.

لو نزلت اشتغلت في أي عيادة أو مستشفى خاص قريبة، المرتب هيدخل منه مبلغ محترم كل شهر.. ندخل بيه جمعية، ويا ستي يوم القبض إنتِ اللي تقبضي الجمعية بنفسك وتخلي الفلوس في إيدك عشان تديري البيت على ذوقك.”

جوزي رفع راسه من الموبايل وهز راسه بسرعة وقال: “والله فكرة يا أمي.. أهي تساعد في المصاريف بدل الخنقة اللي إحنا فيها دي، وطالما هي معاها تمريض يبقى المرتب هيريحنا.”
حماتي ضحكت ضحكة رضا مليانة طمع، وعينيها لمعت بانتصار وكأنها قتلت العصفورين بحجر واحد: شغالة في البيت ببلاش، ومصدر دخل جديد داخل جيبها وهي قاعدة حاطة رجل على رجل.
قالتلي بنبرة أمر: “أيوة كده يا بت.. أديكي بدأتي تعرفي مصلحتك ومصلحة جوزك. من بكرة الصبح تلبسي وتنزلي تدوري على عيادة، واللي تقبضيه ييجي في إيدي أول بأول وأنا هبقى أعملك الجمعية اللي تقولي عليها.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *