انا اسمع
هزيت راسي بـ “حاضر يا أمي اللي تشوفيه”، وأنا من جوايا بقول: “غشيمة.. وفاكرة إنك بتلعبي بيا.”
هما اتطمنوا تماماً وافتكروا إنهم كسروا نفسي وبقيت فرخة بكشكها تسيب قرشها تحت رجيلهم، وما يعرفوش إن دي كانت نقطة الصفر للهروب الكبير.
ثاني يوم الصبح، نزلت من البيت وأنا حاسة برئة جديدة بتتنفس. أول حاجة عملتها، رحت على عيادة دكتور معروف في الشارع اللي ورايا ونزلت الشغل فوراً. اتفقت مع الدكتور إن المرتب الحقيقي هيكون مبلغ معين، بس يكتبلي في ورقة صورية مرتب أقل بكثير عشان أوريها لحماتي!
النص اللي أخدته من المرتب، بقيت أدي لحماتي منه الفكة اللي اتفقنا عليها عشان تطمن وتصدق إن الجمعية شغالة، والباقي؟
باقي المرتب الحقيقي بقيت أخبيه حتة حتة مع كل يوم نزول. مع كل مشوار رايحة فيه العيادة أو راجعة منه، كنت بفتح عينيا في الشوارع الجانبية والبعيدة شوية عن منطقتهم. بقيت أدور في العمارات القديمة، وأسأل البوابين في السكتة: “مفيش عندكم أوضة وصالة للإيجار؟ حاجة هادية وعلى قد الإيد؟”
لحد ما جه اليوم اللي لقيت فيه شقة صغيرة أخيرًا.. أوضة وصالة في بيت هادي، صاحبها راجل كبير ومش طالب غير تأمين بسيط وإيجار شهر. في اليوم ده، حطيت إيدي في جيبي ولمست الفلوس اللي جمعتها من وراهم، وعرفت إن ساعة الصفر قربت، وأن الأيام اللي كنت بنام فيها على أرضية المطبخ خلاص قربت تنتهي للأبد. بدأت الرحلة الحقيقية، والفلوس بقت تجري في إيدي .
ربنا فتحها عليا من حيث لا أحتسب؛ فوق شغل العيادة، ربنا كرمنى بشغلانة ثانية في مستشفى خاص شفتات ليلية. بقيت أعصر نفسي في الشغل وأواصل الليل بالنهار، والتعب اللي كنت بحس بيه زمان وأنا بين أربع حيطان متهانة، اتحول لطاقة وأمل وأنا شايفه كل شفت بحضره بيقربني خطوة من حريتي.
ولحماتي، كنت أرمي لها المبلغ الصغير الصوري اللي اتفقنا عليه ومعاه كلمتين حنيّة متصنعين: “أهو يا أمي، ده اللي طلعنا بيه الشهر ده وعملتلك بيه الجمعية زي ما وعدتك”. وهي تقبض الفلوس بعين مليانة طمع ورضا، وتطبطب عليا وهي فاكرة إنها أذكى مني، وما تعرفش إن المرتب الحقيقي من العيادة والمستشفى أضعاف الرقم ده، وشايلة الباقي في مكان أمن بعيد عن عينها وعين ابنها.
أجرت الشقة خلاص.. أوضة وصالة، هادية وشمسها داخلة من كل حتة. أول ما دخلتها وقفلت الباب عليا بالمفتاح لأول مرة، قعدت على الأرض وعـ،،يـ،ـطـ،ـت، بس المرة دي كانت د،،مــ،ـوع فرحة، د،،مــ،ـوع حد بيسترد أنفاسه وكرامته.