انا اسمع

جوزي خلاص جاب آخره، مابقاش قادر يواجه الناس ولا يتحمل الصداع والفضايح اللي بقت على كل لسان، وحماتي حسّت إن البت اللي كانت فاكراها عبيطة بقت هي السكينة اللي ذابـ،،حـــ،ـاهـــ،ـم. في ليلة، بعد مشكلة حامية لميت فيها أمة لا إله إلا الله، دخلت حماتي وجوزي الأوضة عليا، وكان وشهم يسوّد من كتر الغل والقلة حيلة.

حماتي بصت لي بقرف وقالت بصوت مكسور ومكتوم: “بقولك إيه يا بت أنتِ.. إحنا خلاص مش طايقين نشوف وشك في البيت ده، ولا إحنا ولا ابني طالعين بيكي لبر. ابني هيطـ،،لـــ،ـقـــ،ـك، بشرط واحد.. تطلعي زي ما دخلتي، حافية! تتنازلي عن المؤخر وعن كل حقوقك، وما نشوفش وشك في الشارع ده تاني!”

جوزي كان واقف وراها وبيكتب على الموبايل كالعادة مش قادر يبص في عيني، وهز رأسه وقال: “أيوة، تتنازلي عن كل حاجة والورقة توصلك، عشان نخلص من الصداع ده.”

أنا في اللحظة دي، كنت حاسة برغبة رهيبة إني أضحك! هما فاكرين إنهم بيعاقبوني أو بياخدوا حقي مني، وما يعرفوش إن الحقوق اللي بتتكلم عنها دي – اللي هي شوية ورق ومؤخر مش هيتدفع أصلاً – مش فارقة معايا بمليم قصاد حريتي. رسمت على وشي الحسرة والكسرة المتصنعة، ونزلت دموع متأثرة وقولت بصوت يرجف: “تنازل؟ أتنازل عن حقي وأخرج للشارع من غير مليم؟”

حماتي ضحكت بانتصار وقالت: “أه تتنازلي، وإلا هقفل عليكِ الباب ده ومش هتشوفي الشارع، وريني بقى مين هينفعك!”
سكت شوية وعملت نفسي بفكر وبتعصر من الوجع، وبعدين بصيت لهم وقولت بصوت هادي ومستسلم: “موافقة.. موافقة أتنازل عن كل حاجة، المهم أخلص وأمشي من هنا.”

عينيها لمعت بالرضا المزيف، وافتكروا إنهم خرجوا منتصرين وأكلوا حقي، وما يعرفوش إن الـ “موافقة” دي كانت أكبر صفقة نجاح في حياتي؛ أنا اشتريت نفسي، وسبت لهم الخرابة، وورق التنازل ده كان بالنسبة لي هو تذكرة العبور للشقة الجديدة، للشمس، والأمان اللي بيبنيني بعيد عنهم وبفلوسي اللي جمعتها من وراهم.

مضيت ورقة التنازل وإيدي ثابتة، وخرجت من باب شقتهم بالشنطة الصغيرة اللي دخلت بيها أول يوم. هما كانوا فاكرين إنهم رموني في الشارع ودمروا حياتي، وما يعرفوش إنهم بإيديهم سلموني مفتاح حريتي. رحت على شقتي الجديدة.. الأوضة والصالة اللي فضلت أبني فيها قرش على قرش. أول ليلة نمت فيها على مرتبتي النظيفة، وسط الهدوء والستر، حسيت إن الروح ردت فيا من جديد. مفيش صريخ، مفيش إهانة، مفيش حد بيصحيني برجله عشان أروق. من تاني يوم، رميت الماضي كله ورا ظهري وركزت في شغلي وحياتي. بقيت أدي للمستشفى وللعيادة كل طاعتي وجهدي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *