انا اسمع
وبدأت أجهزها على براحتى بدون استعجال:
* الأولويات الأول: اشتريت مرتبة إسفنج مضغوط جديدة ونظيفة وملاية بيضا، عشان أضمن إن ليّ سرير أنام عليه بأمان من غير ما أخت جوزي تدخل تنام عليه ويبقى مشاع لاى حد وشتريت سرير ودولاب .
* الأجهزة البسيطة: جبت بوتوجاز صغير شعلتين، وتلاجة صغيرة مستعملة بحالة ممتازة عشان أكل فيها واشرب براحتي.
* اللمسات الصغيرة: كل ما أنزل الشارع، أشتري طباقين، كوبايتين، وفوطة جديدة.. وأسيبهم في الشقة وأنا راجعة من المستشفى.
بقيت عايشة بحياتين: حياة الشغالة الخنوعة في بيت بيت العيلة اللي بتسمع الكلام وتستحمل غلاستهم وسخافتهم بابتسامة باهتة، وحياة “صاحبة البيت” اللي بتبني مملكتها الخاصة حتة حتة في السر.
جوزي كان شايفني نازلة طالعة وطحن في الشغل، وكل ما يلمح تعبي يقولي: “معلش يا بنت الحلال، بكرة نعدل العيشة والمرتب يكتر”، وهو مش دريان إن العيشة بتتعدل فعلاً بس مش معاه، وإن الأيام اللي باقية لي في سجنهم بقت تتعد على صوابع الإيد الواحدة.
وفي ليلة، بعد ما رجعت من المستشفى الشفت الليلي، دخلت أوضة الشقة الجديدة، ولعت النور، وبصيت حواليا.. المكان بقى جاهز، وريحة الأمان طالعة من جدرانه. قعدت على السرير وقولت لنفسي بصوت واطي: “خلاص يا بنت الناس.. جه الوقت وفاضل بس خطوة واحدة عشان تقفلي الصفحة دي للأبد.”
تحول السكون اللي كنت عايشة فيه لبركان ناوي يهد البيت على راسهم. من اللحظة دي، غيرت الخطة تماماً؛ الخنوع والهدوء خلاص أدوا دورهم، وجة وقت “المسرحية الأخيرة” عشان أخرج من البيت ده وأنا المجني عليها قدام الدنيا كلها، ومعايا الحجة اللي تقفل بؤ أي حد يحاول يلومني. بدأت أضيق الخناق عليهم واحدة واحدة: أول خطوة كانت الفلوس. جه وقت القبض، وحماتي واقفة مستنية النسبة بتاعتها إيديها ممدودة وطمعانة كالعادة.
بصيت لها ببرود وقولت: “مفيش فلوس الشهر ده يا أمي، الجمعية اتكسرت والشغل خفض المرتبات.. وبعدين أنا أولى بفلوسي أشتري بيها علاج وهدوم لنفسي بدل المرمطة دي.”
حماتي وشها جاب ألوان، والشرار طلع من عينها: “يعني إيه مفيش فلوس يا بت؟ إنتِ هتستعبطي ولا إيه؟ أنتِ نازلة الشغل بأمري والفلوس دي حقي!”
رديت عليها بعلو صوتي وبقلة أدب متصنعة لأول مرة: “حقك منين؟ هو أنا الشغالة اللي أبوكي جابهالك؟ الفلوس فلوسي وتعب وشقايا، ومش هتشوفي مني مليم بعد النهار ده!”