إنت وسيم أوي عشان تبقى لوحدك أعتقد إنك لازم تبقى بابايا! إنت وسيم أوي عشان تبقى لوحدك. قالتها ابنتي ذات الست سنوات في منتصف ممر الإدارة، وهي تحدق مباشرة في أبرد ملياردير في مانهاتن. ثم ابتسمت وقالت بكل براءة أنا شايفة إنك لازم تبقى بابايا. تجمّد كل شخص في المكان. أما أنا، فوقفت في مكاني وأنا متأكدة تمامًا أن حياتي المهنية انتهت. لثانية مرعبة، لم يتحرك أحد. ثم حدث شيء لم أكن أتوقعه أبدًا. ضحك أحمد الدمنهوري. ليس مجرد ابتسامة مهذبة أو ضحكة خافتة. بل ضحكة حقيقية، عميقة، خرجت منه بلا سيطرة. ضحكة لم أسمعها منه طوال العامين اللذين عملت فيهما تحت إدارته. وكان هذا وحده كافيًا ليجعلني أشعر أن العالم كله انقلب رأسًا على عقب. فذلك الصباح كان قد بدأ بالفعل بكارثة. اتصلت بي المربية قبل السادسة صباحًا، لأن ماسورة مياه انفجرت في المبنى الذي تسكن فيه في كوينز. أمي كانت عالقة في أتلانتا. وأفضل صديقة لي كانت عالقة في دنفر. لم يتبقَّ أحد يمكنه رعاية ملك. والغياب عن العمل لم يكن خيارًا. في الثالثة والثلاثين من عمري، كنت مديرة إبداعية أولى في واحدة من أكثر شركات تصميم العلامات التجارية الفاخرة تطلبًا في مانهاتن، وكان من المفترض أن نقدم في ذلك اليوم النسخ المعدلة من حملتنا الإعلانية أمام مجلس الإدارة. ورئيسي، أحمد الدمنهوري، لم يكن يتسامح مع الأعذار. كان أحمد في السادسة والثلاثين، وريث مجموعة الدمنهوري القابضة، والملياردير الذي حوّل شركتنا خلال سنوات قليلة إلى واحدة من أقوى شركات المجال. عبقري. هادئ. مسيطر. ومخيف إلى حد يجعل أكثر المديرين خبرة يفكرون مرتين قبل أن يتحدثوا أمامه. وكان وسيمًا بشكل مبالغ فيه لدرجة أن الاعتراف بذلك كان يبدو لي تصرفًا غير مهني تمامًا. طويل القامة، شعره أسود، ملامحه حادة، وعيناه رماديتان مائلتان إلى الأزرق، وكأنهما تلتقطان كل خطأ يرتكبه أي شخص أمامه. ونادرًا ما كان يبتسم. خلال عامين من عملي معه، كانت كل محادثاتنا مختصرة ورسمية وباردة أبرد من رخام الشتاء. ولذلك، بالطبع، كان عليَّ أن أحضر طفلتي معي إلى العمل في ذلك اليوم. وضعت ملك طبق الحبوب أمامها على طاولة المطبخ وقلت اسمعيني كويس النهارده هتكوني غير مرئية. رفعت عينيها نحوي. زي الشبح؟ بالضبط. شبح هادي جدًا. فكرت قليلًا ثم سألت والأشباح ينفع تاكل بسكويت؟ آه. وينفع تتفرج على كرتون؟ بس بالسماعات. مالت برأسها وقالت وينفع الشبح يسأل مديرك الرخم ليه دايمًا مكشر؟ توقفت عن الحركة. ممنوع منعًا باتًا. ابتسمت وهي تكمل أكلها. في الثامنة وخمس وثلاثين دقيقة، كنا داخل برج المكاتب في بارك أفينيو. جلست ملك في ركن مكتبي، وأحضرت لها كتب تلوين، وجهاز آيباد، وبسكويت، وعصيرين، وفيلها المحشو المفضل فلفل. ولأكثر من ساعة، كانت ملاكًا حقيقيًا. ثم ظهرت مساعدتي عند باب المكتب. تم تقديم موعد اجتماع مجلس الإدارة. الأستاذ أحمد عايز كل رؤساء الأقسام في قاعة الاجتماعات الرئيسية خلال عشر دقايق. انحنيت بجوار ملك. خليكي هنا. ممنوع تخرجي. ممنوع تدوري عليَّ. وممنوع أي مغامرات. هزت رأسها بجدية. طب لو المغامرة هي اللي دورت عليا؟ مش هتدور عليكِ. دخلت الاجتماع. استمر ثماني عشرة دقيقة فقط. لكن عند الدقيقة الحادية عشرة، بدأ إحساس غريب ينتابني. إحساس الأم الذي لا يحتاج إلى دليل. وعند الدقيقة السادسة عشرة، كنت أعرف. ابنتي لم تعد في مكتبي. وبمجرد انتهاء الاجتماع، اندفعت إلى الممر. ثم سمعت صوتًا لم أسمعه من قبل. أحمد الدمنهوري يضحك. كان الصوت قادمًا من الجناح التنفيذي. ضحكة دافئة وحقيقية، خالية تمامًا من بروده المعتاد. استدرت عند زاوية الممر وكادت أن تتوقف أنفاسي. كانت ملك واقفة أمامه مباشرة. وكان أحمد منحنياً لمستواها، يضع إحدى يديه أمام فمه محاولًا إيقاف ضحكته. ثم أشارت ملك إليه بإصبعها وقالت بثقة إنت وسيم أوي. ثم أضافت وطويل كمان. وأنا بحب الناس الطوال. توقفت لحظة. ثم قالت الجملة التي تمنيت بعدها لو أن الأرض انشقت وابتلعتني عشان كده لازم تبقى بابايا. ملك! التفتت إليَّ بسعادة. هاي يا ماما! أنا لقيت صاحب جديد. حدقت فيها وأنا أحاول استيعاب الكارثة. إنتِ فاكرة أنا قلتلك إيه قبل ما أدخل الاجتماع؟ وقبل أن تجيب، وقف أحمد ببطء. اختفت الضحكة من وجهه. ثم تحولت عيناه الرماديتان إلى عينيَّ. وفجأة، أصبح الممر كله صامتًا. نظر إلى ملك مرة أخرى، ثم قال بهدوء ملك قوليلي، ليه بالظبط شايفة إن مامتك محتاجة إني أبقى باباكي؟ اختفت الابتسامة من وجه ابنتي. ونظرت إليه لثوانٍ. ثم قالت إجابة جعلت قلبي يتوقف حكايات_ميراا ملك سكتت ثواني، وبصت لأحمد بجدية غريبة على سنها. ثم أشارت بإصبعها ناحية صدري وقالت عشان ماما بتضحك لما تكون معاك. تجمدت. أحمد كمان لم يتحرك. أما ملك، فكانت مكملة بمنتهى البراءة أنا شفتها مرة وهي بتتكلم معاك في المكتب وبعد ما مشيت، فضلت تضحك لوحدها. حسيت وشي سخن. ملك! كفاية كلام. لكن أحمد لم ينظر إليّ. كان ينظر إلى ملك وكأنه يحاول فهم شيء أكبر من مجرد كلام طفلة. ثم سألها ومامتك بتضحك معايا كتير؟ هزت رأسها. لأ. بس لما بتكون مضايقة منك بتفضل ساكتة أوي. اتسعت عيناي. ملك! ضحك أحمد مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت ضحكته قصيرة. ثم وقف ومد يده إليها. تعالي. ملك أمسكت يده فورًا. رايح فين؟ هوريكي حاجة. اتسعت عيناي. أستاذ أحمد، أنا آسفة جدًا على اللي حصل، وهآخدها فورًا قاطعني بهدوء مفيش مشكلة. ثم نظر إلى ملك. بس عندي قاعدة واحدة. إيه؟ ممنوع تقولي لحد اللي هتشوفيه. رفعت حاجبي. أحمد؟ نظر إليّ أخيرًا. تعالي معانا. تبعتهما وأنا مش فاهمة شيئًا. دخلنا إلى مكتبه الخاص. كان مختلفًا تمامًا عن باقي المكان. هادئ، مرتب، بلا أي صور عائلية، ولا ذكريات، ولا حتى قطعة واحدة توحي بأن شخصًا يعيش حياة خارج العمل. ملك أخذت تنظر حولها. ثم توقفت فجأة أمام رف صغير في الزاوية. كان عليه صندوق خشبي قديم. اقتربت منه وقالت ده بتاع مين؟ تغير وجه أحمد فورًا. ملك، سيبيه. لكنها كانت قد لمست الصندوق بالفعل. وفجأة، انفتح الغطاء. سقطت منه صورة قديمة على الأرض. انحنيت لألتقطها ثم تجمدت مكاني. الصورة كانت لأحمد وهو طفل. وبجواره امرأة تشبهه بشكل واضح. لكن الشيء الذي جعل الدم ينسحب من وجهي لم يكن الصورة. كان التاريخ المكتوب خلفها. منذ أكثر من عشرين سنة. نظرت إلى أحمد. كان واقفًا في مكانه، وملامحه تحولت تمامًا. سألته بصوت منخفض مين دي؟ لم يجب. ملك أخذت الصورة من يدي. نظرت إليها قليلًا، ثم قالت دي شبهك. أحمد مد يده بسرعة وأخذ الصورة. ثم قال أمي. كانت أول مرة أسمع منه هذه الكلمة. لكن قبل أن أقول أي شيء، طرق أحدهم الباب بعنف. دخل مدير الأمن، ووجهه شاحب. أستاذ أحمد لازم تشوف ده حالًا. رفع أحمد عينيه. إيه اللي حصل؟ تردد الرجل للحظة. ثم قال في حد دخل المبنى من البوابة الخلفية وسأل بالاسم عن مدام ملك. تجمدت. عن ملك؟ أومأ. وقال إنه لازم يقابلها النهارده. اقترب أحمد خطوة. مين؟ مدير الأمن وضع هاتفه أمامه. المشكلة إن الشخص ده ما استخدمش اسم ملك. ثم ضغط على تسجيل الكاميرا. ظهر رجل يقف أمام البوابة. رفع وجهه ناحية الكاميرا. وعندما رأيته، شعرت بقلبي يسقط في صدري. لأنني كنت أعرفه. أعرفه جيدًا. لكن أحمد لم يكن يعرفه. والرجل الموجود في الفيديو قال جملة واحدة قبل أن يغادر قولوا لمريم إن الماضي اللي هربت منه رجع يدور عليها. نظرت إلى أحمد. ثم إلى ملك. ولأول مرة منذ سنوات، شعرت أن وجود ابنتي معي في هذا المبنى لم يكن مجرد صدفة. كان هناك شخص يبحث عنا. وشخص ما في الماضي يعرف شيئًا لم أخبر به أحدًا. حتى ملك نفسها بمجرد ما سمعت الجملة، حسيت إن رجلي مش شايلاني. أحمد لاحظ تغير وشي فورًا. مريم إنتِ تعرفي الراجل ده؟ ما جاوبتش. مدير الأمن أعاد التسجيل. الرجل ظهر مرة تانية أمام الكاميرا، ثم التفت ناحية البوابة. نفس المشية. نفس الندبة الصغيرة فوق حاجبه. ونفس النظرة اللي كنت فاكرة إني دفنتها مع سنين عمري القديمة. همست ده سامح. أحمد عقد حاجبيه. مين سامح؟ قبل ما أجاوب، ملك شدت إيدي. ماما هو ده الراجل اللي كان واقف تحت العمارة امبارح؟ نزلت لمستواها بسرعة. إنتِ شفتيه؟ هزت رأسها. آه. كان بيبص على شباكنا. اتسعت عيني. وليه ما قلتيليش؟ كنت هقولك، بس كنتِ بتتكلمي في التليفون. أحمد انحنى أمامها. ملك، هو كلمك؟ لأ. سكتت لحظة، ثم أضافت بس كان ماسك صورة. صورة إيه؟ فكرت قليلًا. صورة شبه الصورة اللي كانت في صندوق أحمد. التفتنا أنا وأحمد في نفس اللحظة ناحية الصندوق. الصمت نزل على المكتب كأنه حجر. أحمد فتح الصندوق بسرعة. الصورة لم تكن موجودة. تغير وجهه. مستحيل. قلت إيه؟ رفع عينيه إليّ. الصورة كانت هنا من عشر سنين. ثم نظر إلى ملك. وإنتِ بتقولي إن الراجل كان معاه نسخة منها؟ ملك هزت رأسها. أيوه. أحمد وقف. اتجه إلى مكتبه، وفتح درجًا سريًا أسفل سطحه. أخرج ملفًا أسود قديمًا. نظر إليه للحظات قبل أن يقول مريم أنا محتاج أعرف كل حاجة عن سامح. بلعت ريقي. هو مش مجرد شخص من الماضي. واضح. هو كان السبب إني سبت شغلي القديم، ونقلت من المدينة، وبدأت حياتي من جديد. ليه؟ نظرت إلى ملك. ثم خفضت صوتي. لأنه كان يعرف سر عن عيلتي. أحمد لم يضغط عليّ. لكن عينيه تغيرتا. وسره إيه؟ قبل أن أجيب، رن هاتفه. نظر إلى الشاشة. رقم مجهول. رد. لم يسمع سوى ثلاث كلمات. هي عندك. ثم انقطع الخط. أحمد تجمد. مين؟ لم يرد الطرف الآخر. لكن بعد ثوانٍ، وصلت رسالة. فتحها أحمد. قرأها مرة. ثم رفع عينيه إليّ. مريم لازم نخرج من هنا فورًا. ليه؟ أراني الشاشة. كانت الرسالة تحتوي على صورة. صورة لملك. وهي نائمة في غرفتها. وتحت الصورة جملة واحدة لو عايز تعرف مين أبوها الحقيقي اسأل أمها عن اللي حصل ليلة اختفائها. شعرت أن العالم توقف. أبوها الحقيقي؟ أحمد نظر إليّ. ثم إلى ملك. مريم إنتِ قلتيلي قبل كده إن والد ملك مات قبل ما تولد. صوتي خرج مرتجفًا وده حقيقي. إذن مين اللي بيحاول يقنعنا بعكس كده؟ لم أجد إجابة. لكن ملك كانت تنظر إلينا من بعيد. وفجأة قالت ماما هو الراجل اللي في الصورة كان بيقول لي إن بابايا مش ميت. التفتُّ إليها ببطء. إنتِ سمعتيه بيقول كده؟ هزت رأسها. ثم أضافت جملة جعلت أحمد ينظر إليّ بصدمة قال لي إنك مخبية الحقيقة من زمان. وفي اللحظة نفسها انطفأت أنوار المكتب كلها. ثم سمعنا صوت باب الطوارئ يُفتح في نهاية الممر. وشخص ما بدأ يقترب من مكتب أحمد. خطوة ثم خطوة ثم خطوة وأحمد وقف أمامي وأمام ملك مباشرة، بينما يده اتجهت بهدوء نحو هاتفه. ثم جاء صوت من خلف الباب مريم افتحي. تجمدت في مكاني. لأنني عرفت الصوت. كان سامح وقف أحمد قدامي مباشرة، وحط إيده على مقبض الباب من غير ما يفتحه. مريم، إنتِ متأكدة إن ده سامح؟ هزيت رأسي. أيوه. جاء الصوت من الخارج مرة تانية مريم أنا مش جاي أأذيكي. ضغطت على إيد ملك. متردش. لكن ملك كانت بتبص للباب بفضول. أحمد أشار لها تسكت، ثم اتصل بالأمن من هاتفه. ثواني ولا صوت. ثم سمعنا جري في الممر. وبعدها صوت ارتطام قوي. فتح أحمد الباب فجأة. الممر كان فاضي. لكن على الأرض كان فيه ظرف بني صغير. انحنى أحمد والتقطه. كان مكتوبًا عليه إلى مريم فقط. نظر إليّ. افتحيه. ترددت. إنت اللي افتحه. هز رأسه. لأ. هو موجه ليكي. فتحت الظرف بإيد مرتعشة. جواه ورقة واحدة وصورة قديمة. الصورة كانت ليا وأنا أصغر بسنين طويلة. واقفة قدام مستشفى. وبجانبي رجل لم أكن أتوقع أن أراه مرة أخرى. تحت الصورة كان مكتوب أنتِ كنتِ فاكرة إنك أنقذتي ملك لكن الحقيقة إن ملك هي اللي أنقذتك. شعرت بدوار. أحمد أخذ الصورة. نظر إليها طويلًا. مين الراجل اللي جنبك؟ قلت بصوت خافت أخويا. تغيرت ملامحه. إنتِ عندك أخ؟ كان عندي. سكت لحظة. كان؟ غمضت عيني. اختفى قبل ولادة ملك بشهور. ملك كانت واقفة خلفي. فجأة قالت ماما هو الراجل ده اللي في الصورة؟ التفت إليها. مين؟ أشارت للصورة. الراجل اللي شوفته امبارح. نظرت إلى أحمد. ثم إلى الصورة. ثم فهمت شيئًا جعل قلبي يضرب بعنف. سامح لم يكن يبحث عن ملك فقط. كان يبحث عن شيء موجود معي منذ سنوات. شيء لم أكن أعرف أنه ما زال موجودًا أصلًا. أحمد لاحظ وجهي. مريم، إيه اللي افتكرتيه؟ فتحت حقيبتي بسرعة. أخرجت محفظتي القديمة. كانت هناك صورة صغيرة كنت أحتفظ بها منذ ولادة ملك. صورة لم أنظر إليها منذ سنوات. قلبتها. وتجمدت. كان خلفها رقم هاتف مكتوب بخط أخي. نفس الرقم الذي ظهر قبل لحظات على هاتف أحمد. رقم المتصل المجهول. رفعت عيني إليه. ده مش سامح اللي اتصل. أحمد سأل أمال مين؟ وقبل أن أجاوب رن هاتفه مرة أخرى. نفس الرقم. هذه المرة، ضغط أحمد على مكبر الصوت. جاء صوت رجل هادئ أحمد الدمنهوري لو عايز تحمي مريم وملك، متحاولش تعرف الحقيقة لوحدك. أحمد رد ببرود إنت مين؟ صمت الرجل لثوانٍ. ثم قال أنا الشخص اللي كان مفروض يموت من عشر سنين. انقطع الاتصال. ملك قربت مني. وأحمد ظل واقفًا ينظر إلى الهاتف. لكن قبل أن يتكلم وصلت رسالة جديدة. صورة لبوابة المدرسة التي تذهب إليها ملك. وتحتها بكرة الساعة 800 هكون مستنيها. أحمد قرأ الرسالة. ثم رفع عينيه لمحة نيوز إليّ وقال بحسم من اللحظة دي ملك مش هتخرج من المبنى من غيري. نظرت إليه بدهشة. إنت مش مضطر تعمل كده. رد بهدوء أنا عارف. ثم أضاف بس واضح إن حد اختار يدخل حياتك عن طريق ابنتك. نظر إلى ملك. وأنا مش هسمح له. ولأول مرة لم أشعر أن أحمد مجرد مديري. شعرت أنه الشخص الوحيد في المكان كله الذي أستطيع أن أثق به. لكننا لم نكن نعرف أن الشخص الذي أرسل الرسائل كان بالفعل داخل المبنى. وكان يقف في الطابق نفسه. ويستمع لكل كلمة قلناها لم نكن نعرف أن الشخص الذي أرسل الرسائل كان بالفعل داخل المبنى. كان يقف في مكان لا تلتقطه الكاميرات. ويراقبنا من خلف زجاج غرفة الاجتماعات القديمة. لكننا لم نكتشف ذلك إلا بعد فوات الأوان. أحمد أغلق هاتفه وقال لمدير الأمن اقفل كل المخارج. محدش يدخل أو يخرج من المبنى من غير ما يتراجع اسمه. ثم التفت إليّ. مريم، خدي ملك وروحي مكتبي الداخلي. هزيت رأسي، لكن قبل أن أتحرك، قالت ملك بابا أحمد؟ توقفت. أحمد كمان توقف. ملك رفعت عينيها له وقالت بكل براءة إنت هتفضل معانا؟ نظر إليها للحظة. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة. آه. ابتسمت ملك. كويس. لكنني لم أستطع الابتسام. لأنني كنت أفكر في شيء واحد فقط. مين الشخص اللي بيقول إن أبو ملك مش ميت؟ بعد دقائق، كنا داخل المكتب الداخلي. أحمد وقف أمام شاشة المراقبة. كان يتابع الكاميرات واحدة تلو الأخرى. الممرات. المصاعد. السلالم. المدخل. كل شيء طبيعي. ثم فجأة توقفت الصورة. قال أحمد استني. رجع التسجيل عشر ثوانٍ. ثم عشر ثوانٍ أخرى. ظهر رجل في نهاية الممر. ملامحه غير واضحة. لكن في يده شيء صغير. صورة. أحمد قرب الشاشة. أنا اقتربت بجانبه. وفجأة قلت دي الصورة. أي صورة؟ الصورة اللي كانت في الظرف. نظر إليّ. ثم إلى الشاشة. إنتِ متأكدة؟ أيوه. الرجل رفع الصورة أمام الكاميرا. وفي نفس اللحظة، ظهرت صورته بوضوح للحظة واحدة. ثم اختفى. أحمد اتصل بالأمن. اقفلوا المصعد الشرقي حالًا. بعد أقل من دقيقة، جاء صوت مدير الأمن في اللاسلكي أستاذ أحمد المصعد الشرقي اتحرك بالفعل. لأي دور؟ صمت الرجل. ثم قال الدور السادس. أحمد نظر إلى لوحة المبنى. الدور السادس كان الأرشيف القديم. قال أحمد مريم، إنتِ عمرك دخلتي الأرشيف ده؟ هزيت رأسي. لأ. حد كان عنده وصول ليه؟ فكرت. ثم شعرت ببرودة تسري في جسمي. أخويا. أحمد التفت إليّ فورًا. إيه علاقة أخوكي بالأرشيف؟ كان شغال في الشركة القديمة اللي اشترتها مجموعتك من سنين. سكت أحمد. ثم قال إذن كل اللي بيحصل مش عشوائي. أمسك سترته. إحنا لازم ننزل. اعترضت وأنا؟ إنتِ وملك هتفضلوا هنا. لكن ملك اعترضت فورًا لأ. نظر إليها أحمد. ليه؟ قالت أنا عارفة مكان الورقة. تجمدنا. اقتربت منها. ورقة إيه يا ملك؟ الورقة اللي الراجل حطها في شنطتك. اتسعت عيناي. شنطتي؟ هزت رأسها. آه. فتحت حقيبتي بسرعة. فتشت كل شيء. كتب. محفظة. مفاتيح. هاتف. ولا شيء. قلت مفيش ورقة. ملك أشارت إلى الجيب الداخلي. هنا. فتحته. وفي قاعه، كان هناك ظرف أبيض صغير. لم أره من قبل. أحمد أخذه بحذر. فتحه. وفي داخله كان هناك مفتاح معدني قديم. وتحته ورقة قصيرة المفتاح ده يفتح المكان اللي بدأ منه كل شيء. على ظهر الورقة كان عنوان. عنوان منزل قديم في نيويورك. نظرت إليه. ثم شعرت أن الدم تجمد في عروقي. أنا أعرف المكان ده. أحمد سأل فين؟ همست ده البيت اللي كنت عايشة فيه قبل ما أولد ملك. وفي اللحظة نفسها، وصل إشعار جديد إلى هاتف أحمد. صورة للبيت. والباب الأمامي مفتوح. وتحتها جملة واحدة وصلتوا متأخر. أحمد نظر إليّ. ثم إلى ملك. وقال بهدوء مريم حد كان مستني إننا نروح هناك من البداية. لكن ما لم نعرفه وقتها أن المفتاح لم يكن للبيت. كان لقبو البيت. وفي القبو كانت توجد إجابة واحدة فقط عن الشخص الذي ظل يراقبنا طوال هذه السنوات وصلنا إلى البيت بعد أقل من ساعة، وسط إجراءات أمنية مشددة من أحمد. كان منزلًا قديمًا في شارع هادئ، واجهته مغطاة بطبقة من الغبار، والنوافذ مغلقة منذ سنوات. وقفت أمامه وأنا أشعر أنني أرى جزءًا من حياتي دفنته بنفسي. ملك كانت ماسكة إيدي. أما أحمد فكان واقفًا أمام الباب، ينظر إلى القفل. أخرج المفتاح. وأول ما أدخله في القفل سمعنا صوت طقطقة خافتة. فتح الباب. لكن الغريب أن الباب لم يكن مقفولًا أصلًا. كان مفتوحًا. أحمد رفع يده يمنعنا من الدخول. دخل وحده أولًا. بعد ثوانٍ قال مفيش حد. دخلت وأنا أنظر حولي. كل شيء كان كما أتذكره تقريبًا. الأثاث القديم. الدرج الخشبي. والساعة المعلقة على الحائط. ملك فجأة وقفت. ماما. نعم؟ أشارت إلى الحائط. الصورة دي شبه الصورة اللي عند أحمد. اقتربت. وفعلًا كانت هناك صورة قديمة لعائلتي. لكن في الصورة كان هناك شخص لم أره من قبل. رجل يقف في الخلف. وجهه غير واضح. أحمد أخرج هاتفه وصور الصورة. ثم قال مريم، إنتِ متأكدة إنك عمرك ما شوفتي الشخص ده؟ هزيت رأسي. لا. اقترب أكثر. طب مين كان ساكن هنا غيرك؟ أنا وأخويا. سكت. ثم قال أخوك كان اسمه إيه؟ قلت الاسم. وفي اللحظة نفسها، تغير وجه أحمد. إنتِ متأكدة؟ طبعًا. أخرج هاتفه، وفتح ملفًا قديمًا كان يحتفظ به. ثم وضعه أمامي. كان فيه تقرير عن حادث اختفاء قديم. والاسم الموجود في أعلى الصفحة كان اسم أخي. شهقت. إنت عندك الملف ده ليه؟ أحمد قال لأن الملف ده كان جزء من قضية استحواذ على الشركة القديمة. قلبت الصفحات بسرعة. ثم توقفت. في آخر صفحة كانت هناك صورة لمستند. مكتوب عليه صندوق الأمانات رقم 17. وتحتها توقيع أخي. نظرت إلى أحمد. يعني هو كان مخبي حاجة. أيوه. ملك سحبت إيدي. ماما، أنا لقيت باب. التفتنا إليها. كانت واقفة عند مكتبة قديمة. وراءها باب صغير لم أره طوال السنوات التي عشت فيها في هذا البيت. اقترب أحمد. فتح الباب. سلم ضيق نازل إلى الأسفل. كان الظلام في آخره كثيفًا. قال أحمد خليكي ورايا. نزلنا. درجة ثم درجة ثم درجة. وفي النهاية وصلنا إلى قبو واسع. كان هناك صندوق معدني كبير في المنتصف. وعليه رقم 17 وقفت مكاني. أحمد قال واضح إننا لقينا اللي كنا بندور عليه. لكن الصندوق لم يكن مقفولًا. كان مفتوحًا. وفارغًا. إلا من ورقة واحدة. أخذها أحمد. قرأها. ثم رفع عينيه إليّ. مريم إيه؟ ناولني الورقة. وكان مكتوبًا لو وصلتي للصندوق، يبقى هو عرف إنك وصلتي للحقيقة. وتحت الجملة اسم واحد. اسم لم أسمعه منذ أكثر من عشر سنوات. اسم جعلني أجلس على أقرب كرسي وأنا لا أصدق. ملك سألت مين ده يا ماما؟ لم أستطع الرد. أحمد هو الذي قرأ الاسم بصوت منخفض سامح. وفجأة انغلق باب القبو خلفنا. ملك صرخت. أحمد اندفع ناحية الباب. لكن قبل أن يصل إليه، أضاءت شاشة صغيرة كانت مخفية في الحائط. ظهر عليها تسجيل لرجل يجلس في الظلام. كان وجهه نصف مخفي. وقال مريم لو بتتفرجي على التسجيل ده، يبقى خلاص لازم تعرفي الحقيقة. اقتربت من الشاشة. الصوت كان مألوفًا. لكن الصورة لم تكن واضحة. ثم قال الرجل ملك مش هي السبب في اللي حصل. سكت لحظة. ملك هي المفتاح. أحمد شد على قبضته. والرجل أكمل والحقيقة اللي إنتِ هربتي منها سنين موجودة في المكان الوحيد اللي عمرك ما فكرتي تدوري فيه. ثم ظهرت على الشاشة صورة قديمة. صورة لي وأنا شايلة ملك وهي رضيعة. وتحت الصورة تاريخ. التاريخ كان قبل اليوم الذي كنت أعتقد أن ملك وُلدت فيه. اتسعت عيناي. مستحيل أحمد نظر إليّ بصدمة. مريم التاريخ ده معناه إن فيه حاجة في قصة ملك إنتِ نفسك مش عارفاها. وفي نفس اللحظة انطفأت الشاشة. ثم سمعنا صوت خطوات فوقنا. شخص ما كان داخل البيت. وكان ينزل السلم ببطء. ملك قربت مني. وأحمد وقف بيننا وبين السلم. ثم جاء صوت الرجل من الأعلى مريم افتحي الباب. كان صوت سامح. لكن هذه المرة لم يكن وحده اتجمدنا جميعًا. صوت خطوات أخرى كان واضحًا خلف سامح. أحمد بصّ لي بسرعة وقال خلي ملك وراكي. حطيت دراعي حوالين بنتي. إحنا مش هنعمل حاجة غير لما نعرف مين اللي فوق. لكن سامح رد من خلف الباب مريم، اسمعيني. لو فتحتِ الباب دلوقتي، كل حاجة هتنتهي من غير ما حد يتأذى. أحمد رفع صوته إنت مين اللي معاك؟ صمت. ثم جاء صوت رجل آخر أحمد الدمنهوري. تغير وجه أحمد فورًا. كان واضحًا أنه يعرف الصوت. عمي؟ شهقت. لم أفهم. عمك؟ أحمد لم يرد. ثم جاء الصوت من أعلى السلم أيوه أنا. بدأت خطواته تقترب. ظهر رجل في أواخر الستينات، مرتديًا معطفًا أسود، وخلفه سامح. لكن المفاجأة لم تكن في ظهوره. كانت في أن أحمد نفسه تراجع خطوة. لأول مرة منذ عرفته، رأيت الخوف في عينيه. قال الرجل كان المفروض إنك ما تعرفش حاجة عن الملف ده يا أحمد. أحمد رد بحدة إنت اللي كنت بتحرك كل حاجة من ورايا؟ كنت بحمي اسم العيلة. ضحكت بسخرية رغم خوفي. اسم العيلة؟ وإيه علاقة بنتي بالموضوع؟ نظر الرجل إلى ملك. ثم قال كل العلاقة. ضممت ملك أكثر. متقربش منها. رفع يده. أنا مش جاي آخدها. سامح قال بهدوء إحنا جايين نقول الحقيقة. أحمد تقدم خطوة. الحقيقة اللي أخفيتوها عشر سنين؟ الرجل الأكبر تنهد. الحقيقة بدأت قبل ما ملك تتولد. ثم أخرج ملفًا من حقيبته. رماه على الأرض أمامنا. انفتح الملف. كانت بداخله أوراق كثيرة. تقارير. صور. أسماء. وتواريخ. انحنيت والتقطت أول ورقة. قرأت الاسم الموجود عليها. ملك مريم عبدالسلام. وتحت الاسم شاهد رئيسي في قضية اختلاس وتلاعب مالي. رفعت عيني بصدمة. ملك؟! سامح قال هي ما تعرفش حاجة، طبعًا. ثم نظر إليّ. لكن لما كانت رضيعة، اتسجل اسمها في ملف القضية لأن والدك كان من الشهود الأساسيين. توقفت أنفاسي. أبويا؟ أومأ. أبوك كان عنده مستندات تدين ناس كبار. أحمد أخذ الملف. بدأ يقلب الصفحات بسرعة. ثم توقف عند صورة. كانت صورة والدي. وبجانبه أخي. قلت بصوت مرتعش إنتوا قلتوا إن أخويا اختفى. سامح أجاب اختفاؤه كان تمثيلية. رفعت رأسي. يعني هو عايش؟ صمت سامح. الصمت وحده كان إجابة. شعرت أن قلبي سيتوقف. فينه؟ الرجل الكبير قال كان هو اللي بيحاول يحميكم. ملك رفعت رأسها وسألت هو خالو؟ نظرت إليها. ولأول مرة منذ سنوات، لم أعرف ماذا أقول لطفلتي. وفجأة صدر صوت من خلفنا. أيوه يا ملك. تجمدت. كان صوتًا لم أسمعه منذ أكثر من عشر سنوات. استدرت ببطء. وفي آخر القبو، خلف باب صغير لم ننتبه له وقف رجل يحمل عصا، وشعره أصبح أبيض عند الجانبين. نظر إليّ. وعيناه امتلأتا بالدموع. أنا خالوكي. سقطت الورقة من إيدي. مستحيل ابتسم بحزن. كنت عارف إن اليوم ده هييجي. أحمد ظل واقفًا دون حركة. أما ملك، فاقتربت خطوة. إنت كنت في الصور؟ ضحك الرجل وسط دموعه. أيوه. ثم نظر إليّ. بس في حاجة أهم لازم تعرفيها. اقترب مني. وأخرج من جيبه ظرفًا صغيرًا. اللي حصل زمان ما كانش سببه الفلوس. فتح الظرف. وكان بداخله مستند واحد فقط. أحمد أخذه وقرأه. ثم تغير وجهه. مستحيل. سألته إيه؟ رفع الورقة أمامي. الشخص اللي بدأ كل اللي حصل مش من عيلتك. صمت. ثم نظر إلى عمه. الشخص ده من عيلتي أنا. وفي اللحظة نفسها انطفأت أنوار القبو مرة أخرى. وسمعنا صوت ارتطام قوي فوقنا. ثم صوت سيارة تبتعد بسرعة خارج المنزل. وعندما عادت الإضاءة كان سامح قد اختفى. والظرف الذي كان في يد أحمد اختفى معه. لم يبقَ في القبو سوى ورقة صغيرة على الأرض. انحنيت والتقطتها. وكان مكتوبًا عليها لو عايزة ترجعي ملك بأمان ابعديها عن أحمد الدمنهوري. رفعت عيني ببطء ناحية أحمد. ولأول مرة بدأت أشك في الشخص الوحيد الذي كنت أظن أنني أستطيع الوثوق به وقفت مكاني وأنا ماسكة الورقة، وعيني ثابتة على أحمد. هو قرأها من بعيد، لكن ملامحه ما اتغيرتش. قال بهدوء مريم بصيلي. ما بصتش له. الرسالة بتقول أبعد ملك عنك. عارف. إذن ليه كل ما نكتشف حاجة جديدة بتكون عيلتك موجودة فيها؟ سكت أحمد. عمه اقترب منه وقال لأنك لازم تعرف إن والدك كان عارف كل حاجة. رفع أحمد عينيه إليه. والدي؟ أيوه. ظهر الغضب على وجه أحمد لأول مرة. إنت بتقول إيه؟ أنا بقول إن القضية اللي دفنتوها من عشر سنين بدأت داخل شركتكم. أحمد بصّ لي. ثم قال مريم، أنا ما كنتش أعرف. بس أنا مش عارفة أصدق مين. اقتربت من ملك. وأنا مش هخاطر بيها. ملك أمسكت إيدي. ماما أحمد كويس. بصيت لها. إزاي عرفتي؟ قالت ببساطة عشان لما كنت خايفة، هو وقف قدامنا. الكلام لمس قلبي. لكن قبل ما أرد، سمعنا صوت صفارة سيارات في الخارج. أحمد رفع رأسه. الشرطة. بعد دقائق، دخل ضابطان إلى القبو. تقدم أحدهما ناحية أحمد وقال أستاذ أحمد الدمنهوري؟ أيوه. إحنا جايين بسبب بلاغ عن اقتحام المنزل. ثم نظر إلى عمه. وأنت كمان مطلوب منك تيجي معانا للتحقيق. عمه لم يعترض. لكن قبل أن يخرج، نظر إليّ وقال مريم متثقيش في أي حد يقولك إنه بيحميكي. ثم نظر إلى أحمد. خصوصًا لو كان عنده مصلحة في إن ملك تفضل قريبة منه. خرج مع الضابط. بقي أحمد وأنا وملك. الهدوء كان مرعبًا. قلت أنا هاخد ملك ونمشي. أحمد لم يمنعني. فقط قال هتروحي فين؟ أي مكان. مريم، الشخص اللي بيهددك يعرف بيتك ومدرسة ملك وشغلك. أي مكان عشوائي مش هيكون آمن. وأعمل إيه؟ سكت لحظة. ثم قال خليكي في مكان أنا أعرف أحميه. رفعت عيني له. فين؟ بيتي. رفضت فورًا. لأ. مش كدعوة شخصية. كإجراء أمان. ظللت صامتة. ثم ملك قالت أنا موافقة. نظرت إليها بدهشة. ملك! قالت بثقة بيت أحمد شكله آمن. أحمد ابتسم. على الأقل واحدة فينا عندها ثقة فيّ. لأول مرة منذ ساعات، ابتسمت رغم خوفي. لكن عندما وصلنا إلى سيارة أحمد وجدنا شيئًا موضوعًا على المقعد الخلفي. ظرف أسود. أحمد فتحه. جواه هاتف قديم. اشتغل بمجرد ما ضغط الزر. ظهرت رسالة فيديو. الرجل الذي ظهر على الشاشة كان أخي. اتسعت عيني. خالو! ملك اقتربت من الشاشة. أخي قال مريم، لو الفيديو ده وصلك، يبقى أنا ما قدرتش أوصل لك قبلهم. توقف لحظة. ثم قال وأهم حاجة لازم تعرفيها إن الشخص اللي بتدوري عليه مش سامح. ظهرت على الشاشة صورة لشخص آخر. صورة جعلت أحمد يتجمد. لأن الرجل الموجود فيها كان والده. ثم جاء صوت أخي والد أحمد هو اللي بدأ كل حاجة. الفيديو انتهى. أحمد ظل ساكتًا. أنا بصيت له. إنت كنت تعرف؟ هز رأسه ببطء. لا. ثم فتح باب السيارة. لكن دلوقتي لازم أعرف ليه والدي كان مهتم بملك من قبل ما تتولد. وفي اللحظة التي تحركت فيها السيارة وصلت رسالة إلى هاتفي. من رقم أخي. فتحتها. وكانت جملة واحدة فقط مريم، متروحيش بيت أحمد لأنهم عارفين إنك هتروحي هناك. رفعت عيني ناحية أحمد. لكن قبل ما أتكلم ظهرت رسالة ثانية. والأخطر إن الشخص اللي هرب بالمستند مش سامح. وتحتها اسم واحد. اسم جعلني أفتح الباب وأصرخ أحمد وقف العربية!أحمد ضغط الفرامل فورًا. السيارة توقفت على جانب الطريق. التفت إليّ بحدة. إيه اللي حصل؟ مددت له هاتفي. قرأ الرسالة. ثم رفع عينيه إليّ. مين الاسم؟ قبل ما أجاوب، وصل إشعار جديد. اسم الشخص ظهر على الشاشة. يوسف الدمنهوري. والد أحمد. أحمد ظل ساكتًا. ملامحه فقدت كل تعبير. إنتِ متأكدة إن الرسالة من أخوكي؟ الرقم نفسه. طب إزاي أبوي سرق المستند؟ هو أصلاً اختفى من حياتي من سنين. ملك كانت قاعدة في الخلف، ساكتة تمامًا. ثم قالت فجأة ماما إحنا مش لازم نروح بيت أحمد. التفتنا إليها. ليه؟ قالت عشان الراجل اللي كان بيتابعني كان واقف قدام بيت أحمد. سكتنا. أحمد أخرج هاتفه واتصل بحارسه الشخصي. عايزك تراجع كاميرات بيتي فورًا. ثم أعطاه عنوان المنزل. بعد أقل من دقيقة، جاء الرد. وجه أحمد تغير. في حد دخل البيت فعلًا. شعرت بقشعريرة. مين؟ الكاميرات اتقطعت من ساعتين. ملك أمسكت إيدي. ماما، أنا خايفة. ضممتها إليّ. أحمد قال بهدوء مش هنروح البيت. ثم شغّل السيارة واتجه إلى مكان آخر. هنروح مكان محدش يعرفه. سألته فين؟ مخزن قديم تابع لعيلتي. مقفول من أكتر من عشر سنين. بصيت له بشك. إنت متأكد إن محدش يعرفه؟ ابتسم ابتسامة خفيفة. الشخص اللي بيدور علينا غالبًا يعرف حاجات كتير عن عيلتي بس المكان ده مش موجود في أي سجل إلكتروني. بعد حوالي نصف ساعة، وصلنا إلى مبنى قديم خارج وسط المدينة. نزل أحمد وفتح بابًا معدنيًا بمفتاح صغير. دخلنا. كان المكان مظلمًا، مليئًا بصناديق قديمة. ملك جلست على كرسي وأنا بجانبها. أحمد أشعل الأنوار. ثم قال هنا هنكون بعيدين عن أي حد. لكن بمجرد ما قال الجملة سمعنا صوت هاتف يرن. ليس هاتف أحمد. ولا هاتفي. هاتف قديم كان موضوعًا فوق أحد الصناديق. رن مرة. مرتين. ثلاث مرات. أحمد اقترب منه. كانت الشاشة تعرض رقمًا واحدًا مريم. نظرت إليه بصدمة. ده مش رقمي. أحمد رفع الهاتف. ضغط إجابة. لم يتكلم أحد. ثم جاء صوت أخي مريم لو وصلتي للمخزن، يبقى أحمد معاك. أحمد شد على الهاتف. إنت فين؟ جاء الرد بعيد. ليه مخبي نفسك؟ لأني بحاول أحميكم. ثم صمت أخي لحظة. وقال أحمد، اسمعني كويس. أنا سامع. أبوك مش أخطر شخص في القصة. أحمد عقد حاجبيه. أمال مين؟ الصوت انخفض. الشخص اللي كان بيحرك أبوك موجود معاكم دلوقتي. سكت الجميع. أنا بصيت حولي. أحمد بدأ ينظر إلى أركان المخزن. إنت بتقول إيه؟ أخي قال مريم خلي ملك بعيد عن أي صندوق أو ملف في المكان. نظرت ناحية ملك. كانت واقفة بجوار رف خشبي. ملك! تعالي هنا. لكنها لم تتحرك. كانت تنظر إلى صندوق صغير في الأرض. ثم قالت ماما الصندوق ده عليه اسمي. تقدمت نحوها بسرعة. وفعلًا على الصندوق كان مكتوبًا بخط واضح ملك. أحمد جاء بجانبنا. فتح الصندوق. لم يكن بداخله مال. ولا مستندات. كان فيه دفتر صغير، وصورة، ومفتاح. أمسكت الصورة. كانت صورة لي وأنا أحمل ملك وهي رضيعة. لكن خلفنا في الصورة كان يقف شخص آخر. رفعت الصورة ناحية الضوء. ثم شهقت. ده أحمد أخذها مني. حدق فيها. وقال ده أبوي. لكن أخي كان لا يزال على الهاتف. وفجأة قال لا. توقف أحمد. إيه؟ ده مش أبوك. ثم جاء صوته المرتجف ده الشخص اللي كنت بحاول أوصلكم له من سنين. سأله أحمد مين؟ لم يجب. لأن الخط انقطع. وفي اللحظة نفسها انغلق باب المخزن من الخارج. ثم سمعنا صوت مفتاح يدور في القفل. أحمد اتجه للباب. لكن قبل ما يلمسه، ظهرت رسالة على الهاتف القديم دلوقتي عرفتوا ليه ملك كانت لازم تيجي هنا. ثم ظهرت صورة جديدة. صورة لملك وهي داخل المخزن ملتَقطة منذ أقل من دقيقة. تجمدت. لأن الصورة لم تكن ملتقطة من الخارج. كانت ملتقطة من داخل المخزن. وهذا يعني أن الشخص الذي يراقبنا لم يكن بعيدًا عنا أصلًا بمجرد ما استوعبت إن الصورة اتصورت من جوه المخزن، سحبت ملك ناحيتي. أحمد وقف قدامنا، وبص حوالين المكان. محدش يتحرك. كان صوته هادي، لكن عينيه كانت بتفتش كل زاوية. فجأة سمعنا صوت حركة فوقنا. ثم صوت صندوق بيتزحلق. رفع أحمد عينيه للسقف. في طابق فوقنا. قلت إحنا دخلنا من الباب ده بس. عارف. اتجه ناحية سلم حديدي صغير في آخر المخزن. وقبل ما يطلع، سمعنا صوت طفلتي أحمد التفت. ملك كانت بتبص لصورة في إيدي. إيه؟ أشارت إلى الرجل الواقف خلفي في الصورة. أنا شفت الراجل ده قبل كده. اتسعت عيناي. فين؟ فكرت قليلًا. ثم قالت في المستشفى. سألتها بسرعة أي مستشفى؟ المستشفى اللي اتولدت فيها. نظرت إلى أحمد. ده مستحيل. ملك كانت رضيعة. ملك هزت رأسها. مش وأنا صغيرة. سكتت لحظة. شفته في صورة عند الدكتورة. أحمد اقترب منها. دكتورة مين؟ الدكتورة اللي كانت بتكشف عليا وأنا صغيرة. ثم أضافت وكانت بتقول لماما إنها لازم تحتفظ بالملف. قلبي بدأ يدق بسرعة. فتحت حقيبتي وأخرجت الأوراق الطبية القديمة التي كنت أحتفظ بها. بدأت أقلبها. ثم وجدت اسم الطبيب. د. نادر فؤاد. أحمد أخذ الورقة. الاسم ده موجود في الملف اللي لقيناه. نظرت إليه. يعني إيه؟ يعني إن الدكتور كان جزء من القضية القديمة. وفجأة سمعنا صوت باب يُفتح في الطابق العلوي. أحمد أشار لنا بالابتعاد. ثم صعد السلم. سمعنا خطواته فوقنا. ثوانٍ مرت. ثم سمعنا صوت ارتطام قوي. صرخت أحمد! لم يرد. تركت ملك لحظة وبدأت أصعد. لكن قبل أن أصل إليه، ظهر أمامي شخص عند نهاية السلم. تراجعت. كان رجلًا في الخمسينات. وجهه هادئ. وفي يده ملف. نظر إليّ وقال مريم. همست دكتور نادر؟ ابتسم. كنت عارف إنك هتفتكريني. إنت عملت إيه بأحمد؟ أشار خلفه. هو بخير. ثم قال أنا مش عدوك. ضحكت بمرارة. كل الناس اللي قالتلي كده طلعت بتخبي حاجة. نظر إلى ملك. ثم قال بس أنا الوحيد اللي عنده الحقيقة كاملة. أحمد ظهر من خلفه فجأة. كان سليمًا. أمسك ذراع الرجل. ابعد عنها. الدكتور لم يقاوم. قال فقط قبل ما تعمل أي حاجة اسمعني. أحمد لم يتركه. اتكلم. نظر إليّ الدكتور. ملك ما كانتش مجرد طفلة في الملف. شعرت بالقلق. يعني إيه؟ والدك كان شاهدًا على عملية تزوير كبيرة. ثم نظر إلى أحمد. والدك كان أحد الأشخاص اللي كانوا بيحاولوا يخفوا الأدلة. أحمد شد على فكه. وأنت؟ أنا كنت الطبيب اللي رفض يوقّع على التقرير المزور. سألته ليه كل ده مرتبط بملك؟ فتح الملف. أخرج ورقة قديمة. لأن يوم ولادة ملك، والدك سلّمني نسخة من المستندات الأصلية. توقفت أنفاسي. أبويا؟ أيوه. طب ليه ما قالليش؟ الدكتور نظر إليّ بحزن. لأنه كان خايف إنهم يوصلوا لك. ثم أخرج صورة أخرى. وفي نفس الليلة حصل شيء غيّر كل الحسابات. مددت يدي. أخذت الصورة. كانت لي وأنا خارجة من المستشفى. وبجانبي رجل يحمل حقيبة. لم أكن أعرفه. لكن أحمد بمجرد ما شاف الصورة، قال أنا أعرفه. التفت إليه. مين؟ قال ده مستشار والدي القديم. ثم سكت. والراجل ده اختفى في نفس اليوم اللي اختفى فيه أخوكي. قبل ما أقدر أستوعب، رن الهاتف القديم مرة أخرى. أحمد رد. جاء صوت أخي مريم الدكتور نادر مش الشخص اللي لازم تخافي منه. الدكتور رفع عينيه. مين إذن؟ جاء الرد الشخص اللي بيحاول يوصل لملك هو الشخص اللي ربّاها بعيد عن الحقيقة. نظرت إلى ملك. ثم إلى الدكتور. ثم إلى أحمد. وسألت بصوت مرتجف إيه معنى الكلام ده؟ لكن أخي لم يجب. بدلًا من ذلك، قال مريم افتحي الدفتر اللي كان في صندوق ملك. نظرت إلى الدفتر الصغير. فتحته. كانت أول صفحاته فارغة. الثانية فارغة. الثالثة توقفت. كان فيها سطر واحد بخط أبي. لو مريم وصلت للصفحة دي، يبقى لازم تعرف إن الشخص اللي ظنته الجميع والد ملك لم يكن هو الشخص الوحيد اللي كان يحميها. رفعت عيني. وفي أسفل الصفحة كان هناك اسم. اسم لم أتوقعه أبدًا. أحمد الدمنهوري. نظرت إليه بصدمة. إنت كنت تعرف ملك قبل ما تقابلني؟لثواني محدش اتكلم. الدكتور نادر بصّ للشاشة، ثم قال بهدوء واضح إنهم عايزين يبعدوني عنكم. أحمد رد أو عايزين يخلونا نشك فيك. الدكتور ابتسم ابتسامة صغيرة. وده بالضبط اللي كانوا بيعملوه من عشر سنين. سألته يعني إيه؟ قبل ما يجاوب، رن هاتف أحمد. كان مدير الأمن. أستاذ أحمد، لقينا حاجة في تسجيلات المدرسة. شغّل أحمد المكالمة على مكبر الصوت. إيه اللي لقيتوه؟ حد دخل المدرسة من ساعتين، واستخدم بطاقة موظف قديمة. اسم الموظف؟ صمت الرجل لحظة. ثم قال الدكتور نادر فؤاد. اتجهت عيني فورًا ناحية الدكتور. ملك أمسكت إيدي. أحمد لم يتحرك. أما الدكتور فقال البطاقة دي اتلغت من سنين. أحمد سأله إذن مين استخدمها؟ معرفش. مدير الأمن قال في مشكلة تانية. إيه؟ الشخص اللي استخدم البطاقة دخل غرفة السجلات. تغير وجه الدكتور. غرفة السجلات؟ أيوه. إيه اللي اتاخد؟ جاء الرد ملف ولادة واحد. سألت بسرعة ملف ملك؟ أيوه. شعرت بقلبي يهبط. أحمد قال هاتوا التسجيل كامل. بعد لحظات، وصل الفيديو. ظهر شخص يرتدي معطفًا طويلًا وقبعة، دخل غرفة السجلات. لكن قبل ما يخرج، وقف أمام الكاميرا. رفع وجهه. وانتظر. ثم ابتسم. تجمدت. ده أحمد بصّ لي. تعرفيه؟ هزيت رأسي ببطء. أيوه. كان الرجل الذي ظهر في الفيديو أخويا. لكن المفاجأة كانت في شيء آخر. كان يحمل ملف ملك في يده. وبجانبه امرأة. امرأة أعرفها جيدًا. أمي. قلت بصوت مخنوق أمي كانت معاه. أحمد اتصل بها فورًا. الهاتف مغلق. مرة. ثم مرة أخرى. لا رد. ملك قالت ماما جدتي تعرف الحقيقة؟ لم أعرف ماذا أقول. في اللحظة دي، الدكتور نادر قال لازم نروح المستشفى. أحمد هز رأسه. هنروح. لكن الدكتور أضاف أنا هفضل هنا. أحمد نظر له بشك. ليه؟ لأن الرسالة قالت ما تجيبنيش. وده سبب يخليك تيجي. الدكتور ابتسم. أنت بدأت تتعلم. خرجنا جميعًا. لكن قبل ما نركب السيارة، لقيت ورقة تحت مسّاحة العربية. فتحتها. وكان مكتوب مريم، أمك مش عدوك. قلبت الورقة. في الخلف لكنها أخفت عنك الحقيقة اللي تخص ليلة ولادة ملك. رفعت عيني لأحمد. أنا لازم أكلم أمي. هنتصل بيها من الطريق. دخلنا السيارة. وفي الطريق، رن هاتف ملك. نظرت إليها. رقم مجهول. أحمد أخذ الهاتف بسرعة. لكن المكالمة انتهت. ثم ظهرت رسالة. مبروك يا ملك قربتي تعرفي مين باباكي. ملك رفعت عيني إليّ. ماما هو أنا عندي بابا تاني؟ لم أستطع الرد. أحمد كان يقود، لكنه كان يسمع كل كلمة. ثم قال ملك، اسمعيني كويس. أياً كانت الحقيقة، إنتِ مش لوحدك. ملك ابتسمت. عشان إنت معانا. نظر إليها أحمد في المرآة. أيوه. ابتسمت. لكن قبل ما نصل المستشفى أحمد فجأة ضغط الفرامل. أمامنا كانت سيارة سوداء تسد الطريق. نزل منها رجلان. وأحدهما كان يحمل ملفًا. ملف ملك. ثم فتح باب سيارتنا. وقال مريم، انزلي. أحمد أغلق الأبواب. الرجل ابتسم. لو رفضتي أمك هتدفع الثمن. فتحت عيني. أمي؟ أخرج هاتفه. وعرض صورة لها. كانت جالسة داخل غرفة مظلمة. وفي الخلفية كان أخي واقفًا. لكن أخي لم يكن ينظر للكاميرا. كان ينظر إلى شخص آخر. شخص يقف خارج إطار الصورة. ثم ظهر جزء من وجهه. وكان وجهًا لم أتوقع أن أراه أبدًا. وجه والد أحمد أحمد لم يرد. فضل واقف قدامي، وعينيه على الصفحة. قلت مرة تانية أحمد إنت كنت تعرف ملك قبل ما تقابلني؟ هز رأسه ببطء. لا. يبقى ليه اسمك مكتوب هنا؟ مد إيده للدفتر. ممكن أشوف؟ سحبت الدفتر بعيدًا. لأ. أول مرة شفت في عينيه حاجة غير الهدوء. كان فيها وجع. قال مريم، والله ما أعرف ليه أبوكي كتب اسمي. الدكتور نادر تدخل يمكن أنا أقدر أفسر. التفتنا له. قال أحمد كان عنده ست سنين لما بدأت القصة. أحمد عقد حاجبيه. إيه علاقة طفولتي بالموضوع؟ الدكتور فتح ملفًا قديمًا. والدك كان بيشتغل مع مجموعة من المستثمرين، وكان فيه شخص واحد بس رفض يدخل في الصفقة المشبوهة. ثم نظر إلى أحمد. أنت. ضحك أحمد بسخرية. أنا كنت طفل. بالضبط. سكت الجميع. الدكتور أكمل والدك كان بيحاول يحميك من فضيحة كبيرة. لذلك سجّل بعض المستندات باسمك كوسيلة لإبعاد الشبهة عنه. قلت يعني اسم أحمد ظهر في الأوراق من وهو طفل؟ أيوه. أحمد أخذ نفسًا عميقًا. لكن ليه أبو مريم كتب اسمي؟ الدكتور لم يرد فورًا. ثم قال لأن والد مريم كان يثق في شخص واحد داخل عائلة الدمنهوري. أحمد رفع عينيه. مين؟ الدكتور قال أنت. بس أنا ما كنتش أعرفها. هو ما كانش محتاجك تعرفها وقتها. شعرت بصداع شديد. طب إيه اللي حصل يوم ولادة ملك؟ الدكتور فتح ملفًا آخر. والدك كان موجود في المستشفى. تجمدت. والد أحمد؟ أومأ. أيوه. أحمد نفسه بدا مصدومًا. أبويا كان في المستشفى يوم ولادة ملك؟ وكان فيه شخص تاني. سألته مين؟ قبل ما يجيب صدر صوت ارتطام من الطابق السفلي. ثم سمعنا صوت زجاج بيتكسر. ملك صرخت. أحمد اندفع ناحية السلم. مريم، خدي ملك ورايا! نزلنا بسرعة. لكن المكان كان خاليًا. باب المخزن كان مفتوحًا. والهواء البارد دخل بقوة. الدكتور نادر وقف مكانه. المستندات. نظرت إليه. إيه؟ الملف اللي كان هنا اختفى. أحمد بدأ يفتش المكان. ثم وجد شيئًا على الأرض. مفتاح صغير. رفعه. ده كان في صندوق ملك. قلت بس إحنا لسه شايفينه. عارف. نظر ناحية الباب المفتوح. حد رجع وخده. ملك فجأة أشارت إلى الأرض. أحمد. نعم؟ في ورقة تحت الكرسي. انحنى وأخذها. كانت صغيرة جدًا. فتحها. وكان مكتوبًا عليها مريم، لو أحمد قال لك إنه لا يعرف شيئًا صدقيه. رفعت عيني إليه. ثم ظهرت جملة ثانية أسفلها لكن لا تثقي في الشخص الذي أخبرك أن أحمد خطر. أحمد قرأها بصمت. ثم نظر إليّ. واضح إن حد بيحاول يوقعنا في بعض. قلت بس مين؟ قبل ما يرد، رن هاتفه. رقم مجهول. فتح المكالمة. صوت رجل قال أحمد، عندك عشر دقايق. عشر دقايق لإيه؟ لو عايز مريم وملك يفضلوا بأمان. شد أحمد على الهاتف. إنت مين؟ الشخص الوحيد اللي يقدر يقول لك الحقيقة عن والدك. اتكلم. تعالى لوحدك. مش هسيبهم. ضحكة قصيرة جاءت من الطرف الآخر. كنت عارف إنك هتقول كده. ثم قال عشان كده أنا هخليهم هما يجوا لك. انقطع الخط. وبعد ثوانٍ وصلت رسالة إلى هاتفي. فتحتها. كانت صورة لملك. لكن هذه المرة لم تكن داخل المخزن. كانت في مكان آخر. مكان أعرفه جيدًا. مدرستها. وتحت الصورة لسه فاكرة إنك كنتِ مخبية بنتك كويس؟ شهقت. ملك قربت مني. أحمد أخذ الهاتف من يدي. نظر للصورة. ثم قال بحسم إحنا رايحين المدرسة. قلت ليه؟ عشان لو حد قدر يصور ملك هناك، يبقى عنده وصول للمكان. الدكتور نادر هز رأسه. استنوا. نظرنا إليه. أخرج هاتفه القديم. أنا عندي نسخة من سجل دخول المستشفى يوم ولادة ملك. ثم نظر إليّ مباشرة. وفيه اسم واحد كان موجود في المستشفى قبل ولادتها بساعتين وبعدها اختفى من كل السجلات. سألته مين؟ رفع عينيه. أخوك. تجمدت. أخويا كان موجود يوم ولادة ملك؟ أيوه. ثم أضاف لكن في حاجة أغرب. إيه؟ فتح السجل. كان هناك توقيع بجانب اسم أخي. وتحته مباشرة توقيع آخر. توقيع جعل أحمد يقترب من الشاشة ببطء. وقال ده توقيع أبويا. وفي اللحظة نفسها، وصلتنا رسالة جديدة من الرقم المجهول لو عايزين تعرفوا مين كان موجود في غرفة الولادة ارجعوا للمستشفى قبل منتصف الليل. ثم ظهرت جملة أخيرة ومتجيبوش معاكم الدكتور نادر. نظرنا كلنا إلى بعض. لأن الرسالة الأخيرة أثبتت شيئًا واحدًا أن الشخص الذي يراقبنا كان يسمع كل كلمة نقولها فضلت باصة للصورة وأنا مش قادرة أتكلم. والد أحمد. الرجل اللي كنا فاكرين إنه وراء كل حاجة. لكن أحمد كان أول واحد يتكلم. أبويا مات من سبع سنين. الرجل الواقف جنب العربية ابتسم. إنت متأكد؟ سكت أحمد. ثم أخرج الرجل هاتفه وشغّل تسجيلًا. ظهر رجل عجوز جالس في غرفة مظلمة. الصورة كانت مشوشة، لكن الصوت كان واضحًا أحمد لو سمعت التسجيل ده، يبقى هم وصلوا لك. أحمد تجمد. بابا؟ الصوت أكمل متصدقش كل اللي هتسمعه عني. أنا أخطأت، آه لكني ما كنتش الشخص اللي بدأ القصة. ثم ظهر صوت أخي من خلف الكاميرا قول له الحقيقة. الرجل تنهد. الحقيقة إن ملك اتولدت وهي شايلة سر مش وراثي، ولا متعلق بأصلها. نظرت لأحمد. ثم للرجل. أمال إيه؟ جاء صوت والد أحمد ملك كانت آخر دليل يملكه أبوها على اللي حصل. أحمد قبض يده. إيه الدليل؟ التسجيل انقطع. الرجل أمامنا قال لو عايزين باقي التسجيل، انزلوا. أحمد لم يتحرك. ولو نزلنا؟ هتشوفوا أم مريم. نظرت إلى ملك. كانت ساكتة، لكن عينيها بدأتا تمتلئان بالدموع. قلت للرجل أنا هنزل. أحمد أمسك ذراعي. لا. أمي هناك. وهو عايزك تنزلي. مش هسيبها. ملك شدت إيدي. ماما أنا كمان جاية. انحنيت أمامها. لأ يا حبيبتي. لكنها قالت بثقة أحمد قال إننا مش لوحدنا. أحمد نظر إليها لحظة، ثم نظر إليّ. أنا هطلع أمك. ثم للرجل لكن مريم وملك هيفضلوا في العربية. الرجل ضحك. إنت لسه فاكر إنك بتحدد الشروط؟ وفجأة ظهر رجل ثالث خلفنا. لكن قبل ما يقترب، أحمد تحرك بسرعة وأغلق الباب. ثم انطلقت السيارة للخلف بعنف. السيارة السوداء حاولت تلحقنا. وأنا كنت ماسكة ملك بكل قوتي. أحمد! متخافيش. أمي! هنرجعلها. بعد دقائق من المطاردة، دخل أحمد شارعًا جانبيًا ضيقًا، ثم أوقف السيارة أمام مبنى قديم. أطفأ المحرك. وقال انزلوا. بصيت له باستغراب. إحنا فين؟ المكان الوحيد اللي مش هيعرفوا ندخلنا عليه بسهولة. نزلنا. كان مبنى صغيرًا قديمًا. فتح أحمد بابًا حديديًا، ودخلنا. ثم أغلقه خلفنا. في الداخل، كان هناك مكتب قديم. وعلى الحائط صور كثيرة. اقتربت من إحداها. وتجمدت. كانت صورة تجمع والدي وأخي ووالد أحمد. لكن في طرف الصورة كان يقف رجل رابع. رفعت الصورة. مين ده؟ أحمد اقترب. نظر إليه طويلًا. ثم قال مش عارف. الدكتور نادر، الذي كان قد لحق بنا بطريقة لم أفهمها، دخل في اللحظة نفسها. بمجرد أن رأى الصورة، تغير وجهه. أنا أعرفه. التفتنا إليه. مين؟ قال ده الشخص اللي كان مسؤول عن أرشيف الشركة زمان. أحمد سأل إيه اسمه؟ الدكتور تردد. ثم قال يوسف حمدان. سألت وماله؟ الدكتور نظر إليّ. هو الشخص الوحيد اللي كان عنده نسخة من ملف ولادة ملك. سكتنا جميعًا. ثم فجأة سمعنا صوت طرق على الباب. ثلاث طرقات. توقفنا. ثلاث طرقات أخرى. أحمد أشار لنا بالابتعاد. ثم اقترب من الباب. سأل مين؟ جاء صوت امرأة أنا. اتسعت عيناي. ماما؟! فتحت الباب قبل ما يمنعني أحمد. كانت أمي واقفة أمامنا. مرهقة، لكنها سليمة. اندفعت نحوها واحتضنتها. إنتِ كويسة؟ هزت رأسها. ثم نظرت إلى ملك. وضمتها بقوة. أنا آسفة. ابتعدت عنها. على إيه؟ أمي نظرت إلى أحمد. ثم إلى الدكتور نادر. ثم قالت الحقيقة لازم تتقال دلوقتي. سألتها حقيقة إيه؟ أخرجت من حقيبتها ظرفًا قديمًا. أبوك قبل ما يموت سلّمني ده. فتحته. كان بداخله خطاب بخط والدي. قرأت أول سطر. وتوقفت أنفاسي مريم ملك ليست هي الشخص الذي يجب أن تخافي عليه. قلبت الصفحة. وفي آخر الخطاب كانت جملة واحدة الشخص الذي يجب أن تحذري منه هو الشخص الذي سيحاول إقناعك بأنه يحميها. رفعت عيني ببطء. أحمد كان واقفًا أمامي. أمي نظرت إليه. ثم قالت وأنا عارفة مين هو. ساد الصمت. أحمد سأل مين؟ أمي لم تجبه. بدلًا من ذلك، نظرت إلى ملك. ثم قالت الشخص ده كان موجود في حياتك من قبل ما تتولدي. ملك بصت لها ببراءة. مين؟ أمي بدأت تبكي. ثم قالت اسمًا واحدًا اسمًا جعل أحمد نفسه يتراجع خطوة. لأن الاسم لم يكن غريبًا علينا. كان اسم شخص قريب جدًا منه. قريب لدرجة أننا لم نفكر فيه ولو مرة واحدة قالت أمي الاسم أخيرًا يوسف حمدان. تجمد أحمد. مدير الأرشيف؟ هزت أمي رأسها. أيوه لكنه ما كانش مجرد موظف. ثم فتحت الظرف وأخرجت المستندات الأصلية. اتضح أن يوسف كان الشخص الذي دبّر تزوير ملفات الشركة، وحاول إخفاء الأدلة التي كان والد مريم قد اكتشفها. أما والد أحمد، فكان قد عرف الحقيقة متأخرًا، ولهذا حاول حماية مريم وملك، لكنه أخفى الأمر عن ابنه حتى لا يعرّضه للخطر. أما أخو مريم، فلم يكن هاربًا منها. كان مختبئًا طوال السنوات الماضية لأنه كان يجمع الأدلة ضد يوسف. سامح أيضًا لم يكن عدوًا؛ كان يعمل معه سرًا ويساعده في الوصول إلى المستندات. لكن أخطر مفاجأة كانت أن ملك لم تكن تحمل أي سر غامض كما حاولوا إيهام مريم. كل ما في الأمر أن ملف ولادتها كان يحتوي على نسخة من الدليل الذي تركه جدها، ولذلك أصبحت مطلوبة من يوسف باعتبارها الطريق الوحيد للوصول إلى الحقيقة. بعد أيام، ظهرت المستندات أمام السلطات، وتم القبض على يوسف وشركائه، وأُغلقت القضية القديمة رسميًا. أما أحمد، فواجه عمه وواجه حقيقة عائلته، واكتشف أن والده أخطأ كثيرًا لكنه حاول في النهاية تصحيح أخطائه وحماية الأبرياء. وبعد أن انتهى كل شيء، عادت مريم إلى مكتبها. دخلت ملك معها في أول يوم عمل بعد الأزمة. وقفت أمام أحمد، ثم قالت أنا كنت عارفة إنك مش وحش. ضحك أحمد. إزاي؟ عشان لو كنت وحش، ماما ما كانتش هتضحك لما تشوفك. مريم احمر وجهها. ملك! ضحك أحمد. ثم انحنى أمام الصغيرة وقال طيب، وإيه رأيك دلوقتي؟ لسه عايزاني أبقى باباكي؟ فكرت ملك بجدية، ثم هزت رأسها. لأ. أحمد رفع حاجبه. ليه؟ ابتسمت وقالت عشان أنا عندي بابا في السما بس ممكن تبقى صاحبنا. ساد الصمت للحظة. ثم ابتسم أحمد. اتفقنا. وبعد شهور، لم يعد أحمد ذلك المدير البارد الذي يخشاه الجميع. أما مريم، فلم تعد تخاف من الماضي. وفي يوم من الأيام، دخلت ملك مكتب أحمد وهي تحمل رسمة. وضعتها أمامه. كانت رسمة لثلاثة أشخاص يمسكون أيدي بعضهم. مريم في المنتصف. ملك بجانبها. وأحمد في الطرف الآخر. نظر أحمد إلى الرسمة، ثم ابتسم. دي إيه؟ قالت ملك دي عيلتنا بس مش عيلة الدم. نظر أحمد إلى مريم. ابتسمت. وكانت تلك أول مرة يفهم فيها الاثنان أن بعض العائلات لا تبدأ بالدم بل تبدأ بالثقة، والحماية، والاختيار. أما ملك؟ فمن يومها، كلما سألوها كيف بدأت الحكاية، كانت تبتسم وتقول أنا اللي اخترت بابا أحمد.