بنتي ماتت

قلتله بصدمة:

— دي بنتك يا كريم.

— عارف.

— ومحتاجة أبوها.

هز راسه وقال:

— مش هقدر أربيها.

اتعصبت لأول مرة:

— وأنا؟ أنا فقدت بنتي! كل ركن في البيت ده بيفكرني بيها. ومع ذلك أنا شايلة بنتك وبحاول أقف على رجلي.

لكنه قال:

— أنا آسف.

ومشي.

في البداية افتكرت إنه محتاج وقت.

أسبوع…

شهر…

ست شهور.

لكنه ما رجعش.

وبقيت أنا وسلمى لوحدنا.

السنين الأولى كانت قاسية.

كنت بصحى بالليل على بكاها، وأحيانًا وأنا بهديها كنت أنا كمان بعيط.

أول مرة قالت “ماما”، قالتها ليا.

قلبي اتقطع.

حضنتها وقلت:

— أنا تيتة يا سلمى… ماما اسمها مريم.

ومن وهي صغيرة، ماخبيتش عنها الحقيقة.

كنت أحكيلها عن أمها.

عن ضحكتها.

عن حبها للرسم.

عن خوفها من القطط وهي صغيرة.

وعن عادتها إنها كانت تاكل آخر قطعة شوكولاتة وتقول إنها “اختفت لوحدها”.

كانت سلمى تضحك وتسألني:

— أنا شبهها؟

فأقول:

— أكتر مما تتخيلي.

كبرت سلمى.

وبقت فعلًا نسخة منها.

نفس العينين.

نفس طريقة الضحك.

حتى لما تتضايق، كانت تعمل نفس الحركة بحاجبها اللي كانت مريم بتعملها.

أما أبوها…

فكان مجرد اسم.

لما سلمى وصلت سبع سنين سألتني:

— بابا فين؟

ماكدبتش عليها.

قلت:

— عايش، لكنه اختار يعيش بعيد.

سألت:

— هو مش بيحبني؟

حضنتها فورًا.

— قرار الكبار عمره ما يحدد قيمة الأطفال. إنتِ تستاهلي تتحبي من كل الدنيا.

ومن يومها ما سألتش كتير.

لحد ما قرب عيد ميلادها الخامس عشر.

كنت بجهز لها مفاجأة صغيرة، وفجأة حسيت إني لازم أعمل حاجة كنت بهرب منها من 15 سنة.

أوضة مريم.

فضلت محتفظة بحاجاتها.

ملابسها.

كتب الجامعة.

العطور القديمة.

دفاتر الرسم.

كل مرة أقول هرتبها…

أدخل، ألمس حاجة، وأخرج وأنا بعيط.

لكن المرة دي قلت:

— كفاية.

بدأت أفتح الأدراج.

كل حاجة كانت بتفتح ذكرى.

وفي أسفل الدولاب كان فيه رف خشب قديم.

وأنا بشيل منه صندوق أحذية، لاحظت إن ظهر الدولاب مش طبيعي.

مديت إيدي.

كان فيه صندوق صغير مدفوع لورا.

طلعته.

مسحت التراب عنه.

واتجمدت.

على الغطا مكتوب بخط مريم:

“إلى ابنتي سلمى… عندما تكبر.”

قعدت على الأرض.

حطيت إيدي على الكتابة.

أنا أعرف خط بنتي كويس.

ده خطها.

فتحت الصندوق ببطء.

لقيت في الأول ظرف أبيض مكتوب عليه:

“ماما… لو إنتِ اللي لقيتي الصندوق، أرجوكي ما تفتحيش باقي الحاجات لوحدك. استني سلمى.”

إيديا بدأت تترعش.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *