بعد ما ولدت
جمعنا كل المستندات.
وعملنا نسخ.
وقدمنا كل شيء للجهات المختصة، بما فيه الأدلة المتعلقة بأعمال فؤاد القديمة، وطلبنا إعادة فحص ظروف الحادث في ضوء المعلومات الجديدة.
فؤاد حاول يتصل بينا عشرات المرات.
محدش رد.
لكن بعد يومين…
جه بنفسه لبيت جدي.
وقفت ورا الشباك وشوفته لأول مرة.
راجل كبير.
شعره أبيض.
ملامحه مرهقة.
مش الوحش اللي رسمته في خيالي.
ولا البريء اللي كان نفسه يقنعنا إنه هو.
مجرد رجل عنده ماضٍ مليان أسرار وأسئلة لازم يجاوب عنها.
خرج ياسين له.
قال فؤاد:
— عايز أشوفها.
ياسين رد:
— مش عايزة تشوفك.
— دي بنت الست اللي كانت مراتي.
— ودي أختي.
سكت فؤاد.
ثم قال:
— أنا غلطت في حاجات كتير.
ياسين سأله:
— وأمي؟
فؤاد نزل عينيه.
— ظلمتها.
— خدتني منها؟
لم يرد.
ياسين كرر:
— خدتني منها؟
قال فؤاد بصوت منخفض:
— أيوه.
كنت بسمع من الداخل.
ياسين سأله:
— والحادث؟
فؤاد رفع رأسه بسرعة.
— أنا ما قتلتهاش.
— كنت عارف إن العربية فيها مشكلة؟
صمت.
والصمت كان مرعبًا.
ياسين قال:
— جاوب.
قال فؤاد:
— كنت أعرف إن العربية محتاجة تتصلح.
— ومع ذلك خرجت بيها؟
— العربية مكنتش عندي وقتها.
— ومين أخفى التقرير؟
فؤاد سكت مرة تانية.
ثم قال:
— أنا.
ياسين رجع خطوة.
فؤاد كمل:
— خفت بعد الحادث إن الناس تقول إني السبب. خفت إن تاريخي معاها يخليني أول متهم.
قلت من خلف الباب:
— فخبيت الحقيقة.
فؤاد رفع عينه.
شافني.
فتح فمه.
لكن مفيش كلمة خرجت.
خرجت له.
قلت:
— أنا مش قاضية علشان أقرر إنت مذنب في موتهم ولا لأ.
وسكت لحظة.
— لكنك حرمت أم من ابنها… وخبيت معلومات عن حادث مات فيه اتنين… وعشت سنين سايب الناس شايلة شكوك وأسئلة.
قال:
— سلمى…
قاطعته:
— اسمي متقولوش.
وبصيت لياسين.
— يلا.
دخلنا البيت.
وسيبناه واقف لوحده.
لأول مرة…
مكانش هو اللي بيقرر إمتى الحكاية تبدأ وإمتى تنتهي.
الفصل الأخير — العينان المختلفتان
مرت شهور.
التحقيقات أخدت وقتها.
وبعض الأمور ثبتت، وبعضها فضل من غير دليل كافٍ للحسم.
ثبت إن فؤاد أخفى مستندات مهمة بعد الحادث.
وظهرت مخالفات مالية قديمة من الأوراق اللي أمي احتفظت بيها.
أما السؤال اللي عذب جدي سنين:
هل فؤاد تسبب عمدًا في موت أمي وأبويا؟
فماكانش فيه دليل قاطع يسمح لنا نقول أيوه.
والغريب…
إن معرفة الحقيقة الناقصة كانت أرحم من العيش داخل يقين مزيف.