بعد ما ولدت

— تعالى يا حبيبة جد الجد.

وقعد يتأمل عينيها.

العين الزرقا الفاتحة.

والعين البنية الغامقة.

نفس العينين اللي أول مرة شافهم فيهم… انفجر في العياط وقال:

“ده مستحيل.”

وقفت عند الباب.

سألته:

— لسه عينيها بيخوفوك؟

بصلي.

ابتسم.

— لأ.

باسها على جبينها.

— زمان كنت فاكر إنهم رجعوا الماضي علشان يعاقبونا.

سألته:

— ودلوقتي؟

بص للطفلة وهي بتضحك في حضنه.

وقال:

— دلوقتي عرفت إنهم رجعوه علشان نصلحه.

قربت منه وحضنته.

وقتها فهمت حاجة.

السر اللي أمي طلبت من جدي ياخده للقبر كان هدفه يحميني.

والسر اللي نادية خبته كان هدفه يحمي آدم.

واختفاء آدم نفسه كان بحجة إنه بيحميني.

لكن كل واحد حاول يحمينا بالصمت…

ساب جرح أكبر.

عشان كده، لما بنتي تكبر وتسألني عن عيلتها، مش هخبي عنها الحقيقة.

هقولها إن ليها أب رجع بعد ما فهم إن الحب مش معناه تختفي علشان تحمي اللي بتحبه.

وليها خال اسمه ياسين قضى نص عمره فاكر إن أمه نسيته، واكتشف إنها فضلت فاكرها لآخر يوم.

وهقولها عن أم عمري ما لحقت أعرفها كويس، لكنها سابتلي الحقيقة معلقة في رقبتي كل السنين دي.

وأهم واحد…

هحكيلها عن راجل عجوز مكانش أبويا ولا أمي…

لكنه اختار كل يوم من عمره إنه يكون الاتنين.

جدي.

وفي عيد ميلاد بنتي الأول، أخدنا صورة كلنا قدام البيت.

أنا وآدم وبنتنا.

ياسين ومراته.

وجدي في النص، شايل الصغيرة ومبتسم.

وقبل ما المصور يلتقط الصورة، بنتي شدت جدي من دقنه.

فضحك وقال:

— البنت دي هتطلع شقية.

قلت:

— طالعة لمين؟

بصلي وضحك:

— ليكي طبعًا… أنا مالي!

ضحكنا كلنا.

واتاخدت الصورة.

وبعد سنين، فضلت الصورة دي معلقة في صالة بيتي.

مش لأنها كانت أول صورة تجمعنا…

لكن لأنها كانت أول صورة لعيلة مفيش فيها حد مستخبي.

ولا أخ مجهول.

ولا أب مختفي.

ولا أم متهمة إنها تخلت عن ابنها.

ولا سر مستني حد يكتشفه.

كان فيها بس عيلة اتكسرت زمان…

وقررت بدل ما تورّث الكسر للجيل اللي بعدها…

توقفه عندها.

تمت.

حكايات الكاتبة أسما السيد — حصري
ممنوع النسخ.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *