ظللت متوقفة على جانب الطريق لعدة دقائق، والهاتف في يدي. كنت أقرأ رسالة نجلاء مرة أخرى. «ماما مقتنعة إني أنا اللي بجهز لحفلة عيد ميلادها. سيبيها فاكرة كده دلوقتي… ده بيفرحها.» في البداية حاولت إقناع نفسي بأن الأمر بسيط. ربما كانت نجلاء تقصد أنها تريد أن تفاجئ أمي. ربما كانت تخطط فعلًا للحفل، وأنا لم أفهم الرسالة جيدًا. لكنني كنت أعرف الحقيقة. أنا التي حجزت القاعة. أنا التي دفعت العربون. أنا التي تحدثت مع شركة الطعام. أنا التي اخترت الديكورات. حتى قائمة الأغاني التي طلبتها أمي كانت عندي في هاتفي. لم تكن نجلاء تعرف أي شيء عن تفاصيل الحفل إلا لأنها سمعتني أتحدث عنه منذ أشهر. ضغطت على اسمها واتصلت بها. رن الهاتف مرتين ثم أغلقت المكالمة. اتصلت مرة أخرى. هذه المرة لم تجب. ابتسمت بسخرية. طوال الطريق كانت أمي تقول إن نجلاء هي الوحيدة التي تقف بجانبها. والآن، عندما احتجت أنا إلى إجابة واحدة، اختفت نجلاء. شغلت السيارة من جديد. لم أعد إلى البيت. لكنني لم أذهب أيضًا إلى الفندق الذي كنت قد حجزته لنا. قدت حتى وصلت إلى القاهرة. كان الطفلان نائمين طوال الطريق. وعندما دخلت المنزل، حملت يوسف إلى سريره، ثم ساعدت مريم على تغيير ملابسها. وقبل أن تنام، سألتني: — ماما؟ — نعم يا حبيبتي؟ — تيتة زعلانة مني؟ شعرت بغصة في حلقي. جلست بجوارها. — ليه بتقولي كده؟ — عشان لما طلبت أنام مع بنات خالتي، قالت إن المكان مش ليا. لم أعرف ماذا أقول. احتضنتها وقلت: — تيتة بتحبك، بس أحيانًا الكبار بيتصرفوا بطريقة غلط. نظرت إليّ طويلًا. — وإحنا هنروح لها تاني؟ ترددت. ثم قلت: — مش دلوقتي. نامت مريم. أما أنا فلم أستطع النوم. فتحت اللابتوب وجلست أمام حسابات الحفل. كانت كل الفواتير باسمي. كل التحويلات خرجت من حسابي. حتى الرسالة الإلكترونية الخاصة بحجز القاعة كانت مرسلة إليّ. فجأة تذكرت شيئًا. قبل ثلاثة أشهر، اتصلت بي أمي وقالت: — يا سلمى، نفسي عيد ميلادي السنة دي يكون مختلف. قلت لها: — اختاري اللي نفسك فيه وأنا أعملهولك. ضحكت وقتها وقالت: — ربنا يخليكي ليا. كان ذلك الصوت وحده كافيًا لأن يجعلني أدفع المزيد. لكنني الآن بدأت أتساءل: هل كانت أمي تعرف أنني أنا التي أدفع؟ أم أن نجلاء كانت تجعلها تعتقد أن كل شيء من عندها؟ فتحت هاتفي وبدأت أراجع محادثاتي القديمة مع أمي. وبعد دقائق، وجدت شيئًا جعل قلبي يتوقف. كانت هناك رسالة أرسلتها أمي منذ شهرين: «ربنا يكرمك يا نجلاء، مش عارفة كنت هعمل إيه من غيرك. الحفلة دي هتفضل ذكرى جميلة في حياتي.» حدقت في الشاشة. ثم فتحت محادثتي مع أمي. لا توجد رسالة واحدة تشكرني فيها على الحفل. ولا حتى تذكره. وكأنني لم أفعل شيئًا. في تلك اللحظة، رن هاتفي. كانت نجلاء. تركت الهاتف يرن. ثم توقفت المكالمة. بعد ثوانٍ وصلتني رسالة. «سلمى، متكبريش الموضوع. ماما كبيرة ومش ناقصة مشاكل.» ضحكت. ضحكة قصيرة خرجت مني دون أن أشعر. كتبت لها: «أنا مش مكبرة الموضوع. أنا بس عايزة أفهم.» جاء ردها بعد دقيقة: «تفهمي إيه؟» كتبت: «ليه ماما فاكرة إنك إنتِ اللي عاملة الحفلة؟» ظللت أنتظر. ظهرت علامة الكتابة. اختفت. ثم ظهرت مرة أخرى. وبعدها وصلني: «لأنك لو قلتي لها إنك إنتِ اللي بتدفعي، هتفضلي تحاسبيها على كل جنيه. وأنا مش عايزة ده يحصل.» قرأت الرسالة أكثر من مرة. لم أفهم. كتبت: «أنا عمري ما حاسبتها على حاجة.» ردت: «مش دلوقتي.» توقفت. كانت جملة غريبة. مش دلوقتي؟ يعني ماذا؟ هل كانت تتوقع شيئًا في المستقبل؟ قبل أن أكتب، أرسلت نجلاء رسالة أخرى: «بلاش نتكلم الليلة. بكرة هتفهمي كل حاجة.» وضعت الهاتف على الطاولة. ولأول مرة شعرت بالخوف. ليس بسبب الحفل. ولا بسبب المرتبتين. ولكن بسبب تلك الجملة. بكرة هتفهمي كل حاجة. في الصباح، استيقظت على طرق شديد على الباب. نظرت إلى الساعة. كانت السابعة والنصف. فتحت الباب. كانت خالتي سعاد واقفة أمامي. وفي يدها ظرف بني كبير. قلت بدهشة: — خالتي؟ إنتِ بتعملي إيه هنا بدري؟ دخلت دون أن تجيب. ثم أغلقت الباب خلفها. نظرت إلى وجهي وقالت: — إنتِ عارفة إن أختك قالت لأمك إنك مش عايزة تساعديها؟ شعرت أن الدم انسحب من وجهي. — قالت إيه؟ فتحت الظرف. وأخرجت منه مجموعة أوراق. — دي مش كل حاجة. نظرت إليها. — إيه دي؟ قالت: — إيصالات وتحويلات وحاجات حصلت في البيت وأنا ما كنتش فاهمة معناها وقتها. ثم وضعت الأوراق أمامي. كان أول إيصال باسم شركة مقاولات. والثاني تحويل بنكي. والثالث عقد بيع. ثم قالت خالتي بصوت منخفض: — سلمى… بيت أمك اتباع من غير ما تعرفي؟ شعرت بصدمة. — إيه؟ هزت رأسها. — وأنا مش متأكدة مين اللي باعه. ثم أضافت: — لكن اسم أختك موجود في الأوراق. تجمدت في مكاني. نظرت إلى أول صفحة. كان اسم نجلاء واضحًا. لكن أسفل الاسم كان هناك توقيع آخر. توقيع أمي. وقتها فقط بدأت أفهم لماذا كانت أمي تتصرف معي بهذه الطريقة. ولماذا كانت نجلاء تحاول دائمًا أن تجعلني أشعر أنني ابنة مقصرة. ولماذا كانت تريدني أن أدفع في صمت. لكن كان هناك سؤال واحد أخطر من كل شيء: لماذا باعت نجلاء بيت أمي؟ وإلى أين ذهب المال؟ رفعت عيني إلى خالتي. وقلت: — أنا لازم أعرف الحقيقة كاملة. فقالت: — الحقيقة موجودة في مكان واحد. — فين؟ نظرت إليّ بخوف. — عند المحامي اللي كتب العقد. ثم صمتت لحظة وأضافت: — بس قبل ما تروحي له… لازم تعرفي إن في حاجة تانية حصلت. — إيه؟ قالت: — أمك ما باعتش البيت علشان نجلاء. — أمال علشان مين؟ نظرت خالتي إلى الباب، وكأنها تخشى أن يسمعها أحد. ثم قالت: — علشان تسدد دين كبير… باسمك إنتِ. الجزء الثالث شعرت أنني لم أعد أسمع أي شيء حولي. حدقت في خالتي سعاد. — دين… باسمي أنا؟ هزت رأسها ببطء. — أيوه. جلست على أقرب كرسي. — بس أنا معنديش أي ديون كبيرة. وضعت خالتي الأوراق أمامي. — أنا عارفة إنك هتقولي كده. وعشان كده جبتلك الورق. أمسكت أول مستند. كان عقدًا رسميًا، لكن بعض التفاصيل لم تكن واضحة بالنسبة لي. قلبت الصفحة. ثم الثانية. ثم توقفت عند اسمي. كان مكتوبًا بوضوح. سلمى عبد الرحمن. شعرت ببرودة في أطراف أصابعي. — ده إمضائي مش شبه إمضتي. قالت خالتي: — وأنا عارفة. رفعت عيني إليها. — إنتِ عارفة؟ — من يومين. — وليه ما قولتيليش؟ تنهدت. — لأن أمك طلبت مني ما أقولكيش. كانت هذه الجملة أقسى من الورق نفسه. أمي كانت تعرف. وكانت تخفي عني شيئًا باسمي. لكن لماذا؟ فتحت بقية الأوراق. وجدت عقد قرض. ثم إيصالات. ثم ورقة أخرى تحمل ختم أحد البنوك. كان المبلغ ضخمًا. أكبر بكثير من قدرتي على السداد. قلت: — مستحيل. ردت خالتي: — روحي للمحامي الأول، وبعدها هتعرفي. في تلك اللحظة رن هاتفي. كانت أمي. نظرت إلى الشاشة. لم أجب. اتصلت مرة ثانية. ثم ثالثة. وأخيرًا فتحت الخط. — أيوه يا أمي؟ جاء صوتها متوترًا: — إنتِ فين؟ — في البيت. — نجلاء قالت إنك زعلانة. — أنا فعلًا زعلانة. صمتت. ثم قالت: — على موضوع الولاد؟ — مش بس موضوع الولاد. ساد الصمت. قلت: — عايزة أسألك سؤال. — اسألي. — إنتِ بعتي البيت؟ سمعت نفسًا عميقًا من الطرف الآخر. — مين قالك؟ نظرت إلى خالتي. ثم قلت: — يعني بعتيه فعلًا؟ لم تجب. وهذا كان كافيًا. قلت: — وليه؟ قالت بسرعة: — عشان مصلحتك. تجمدت. — مصلحتي أنا؟ — أيوه. — طب ليه عقد البيع فيه اسمي؟ هذه المرة طال الصمت. ثم قالت أمي: — نجلاء هتشرح لك. أغلقت المكالمة. نظرت إلى خالتي. — أمي حتى مش عايزة تكلمني. قالت: — عشان هي خايفة. — من إيه؟ لم تجب. وبعد ساعة كنت أمام مكتب المحامي. كان اسمه الأستاذ محمود الشاذلي. استقبلني في غرفة صغيرة مليئة بالملفات. وضعت الأوراق أمامه. — أنا محتاجة أعرف كل حاجة تخص العقد ده. قرأ الاسم. ثم نظر إليّ. — حضرتك سلمى عبد الرحمن؟ — أيوه. تغيرت ملامحه. — كنت متوقع إنك تيجي. شعرت بقلبي يخفق. — متوقع؟ — وإيه اللي قالت لك؟ فتح درج مكتبه وأخرج ملفًا أسود. — قبل ما أقولك، لازم تعرفي إن الموضوع مش مجرد بيع بيت. فتح الملف. في الداخل كانت هناك صور لمستندات كثيرة. قال: — والدتك باعت البيت لسداد التزام مالي. — التزام مين؟ نظر إليّ مباشرة. — التزام مرتبط بشركة كانت مسجلة باسمك. تراجعت في الكرسي. — أنا معنديش شركة. قال بهدوء: — دلوقتي لأ. قلب صفحة. — لكن من حوالي سنة ونصف، تم تأسيس شركة باسمك. شعرت وكأن الأرض تحركت من تحتي. — مين أسسها؟ — بحسب المستندات، حضرتك. ضحكت من شدة الصدمة. — أنا كنت في شغلي طول الوقت! أنا موقعتش على حاجة! قال: — وده اللي يخلي الموضوع خطير. ثم أخرج ورقة أخرى. — لأن التوقيع الموجود هنا… مزور. نظرت إليه. — وإنت متأكد؟ — نعم. ثم قال: — لكن في حاجة أهم. — إيه؟ — الشخص اللي استخدم بياناتك لم يكن غريبًا. صمت لحظة. ثم أضاف: — كان أحد أفراد عائلتك. شعرت أن قلبي توقف. — مين؟ لم يجب مباشرة. أغلق الملف وقال: — قبل ما أقولك الاسم، لازم تعرفي إن والدتك لم تكن الضحية الوحيدة. — أمال مين كمان؟ — أختك نجلاء. تجمدت. — نجلاء؟ هز رأسه. — هي التي جاءتني أول مرة. — عشان تعمل الشركة؟ — لا. فتح ملفًا آخر. — عشان تحاول إخفاء آثار شيء حدث قبل ذلك. شعرت أن رأسي يدور. — إيه اللي حصل؟ قال: — أختك أخذت قرضًا كبيرًا باسم الشركة، ثم تعثرت في السداد. — ودفعت أمي من فلوس البيت؟ — جزء من المبلغ. — والباقي؟ نظر إليّ طويلًا. ثم قال: — الباقي لم يُدفع. — يعني إيه؟ — يعني إن الدين ما زال قائمًا. وضعت يدي على فمي. كنت أدفع تكاليف حفل عيد ميلاد أمي، بينما هناك دين ضخم باسمي. كنت أظن أن نجلاء هي الابنة التي تهتم بأمي. لكن الحقيقة بدأت تبدو مختلفة تمامًا. سألت: — ليه أمي وافقت تبيع البيت؟ أجاب: — لأنها اكتشفت أن نجلاء في مشكلة كبيرة. — فقررت تساعدها؟ — ليس تمامًا. ثم أخرج ظرفًا صغيرًا. — والدتك أعطتني هذا قبل شهر. — إيه ده؟ — قالت لي أسلمه لك إذا اكتشفتِ الحقيقة بنفسك. أمسكت الظرف بيد مرتجفة. كان مغلقًا. وعليه بخط أمي: «إلى سلمى… لما تعرفي الحقيقة، متصدقيش أي حد قبل ما تسمعي مني.» فتحت الظرف. كانت بداخله ورقة واحدة فقط. قرأت السطر الأول. ثم شعرت بأنفاسي تختنق. كتبت أمي: «أنا لم أبع البيت لحماية نجلاء… أنا بعته لأنني كنت أحاول حمايتك من شيء أكبر.» توقفت. ثم قرأت السطر التالي. «ولو كنتِ تقرئين هذه الرسالة الآن، فمعنى ذلك أن نجلاء لم تخبرك بالحقيقة التي وعدتني ألا تخبرك بها أبدًا.» رفعت عيني عن الورقة. — أستاذ محمود… إيه الحقيقة؟ نظر إليّ. وقال: — الأفضل إنك تقري الرسالة كاملة الأول. عدت إلى الورقة. وكان آخر سطر فيها: «يا سلمى… الشخص الذي بدأ كل هذه الفوضى ليس نجلاء.» ثم كانت هناك جملة أخيرة جعلت يدي ترتجف: «إنه والدك.» توقفت عن التنفس للحظة. والدي كان قد توفي منذ سنوات. فكيف يمكن لرجل ميت أن يكون وراء كل ما يحدث؟ والأخطر… لماذا كانت أمي تخفي عني شيئًا يخص أبي طوال هذه السنوات؟ الجزء الرابع ظللت أحدق في الورقة وكأنني أنتظر أن تتغير الكلمات أمام عيني. «إنه والدك.» أبي؟ الرجل الذي مات منذ خمس سنوات؟ الرجل الذي كنت أعتقد أنني أعرف كل شيء عنه؟ رفعت رأسي نحو الأستاذ محمود. — إزاي يكون أبويا هو السبب؟ هو مات من خمس سنين. قال بهدوء: — عشان كده الموضوع محتاج تفسير. — عندك تفسير؟ — عندي مستندات. فتح الملف من جديد وأخرج مجموعة أوراق. — والدك كان شريكًا في مشروع تجاري قبل وفاته. نظرت إليه بدهشة. — أبي كان موظفًا. — ده اللي كانت الأسرة كلها فاكرته. ثم وضع أمامي صورة قديمة لرجلين يقفان أمام مبنى كبير. كان أبي أحدهما. أما الرجل الآخر فلم أعرفه. سألت: — مين ده؟ قال: — اسمه حمدي منصور. شعرت بشيء غريب. — أول مرة أسمع الاسم ده. — لأن والدك لم يكن يريدك تعرفي عنه. قلب صفحة. — قبل وفاته بفترة، حصلت مشكلة مالية في المشروع. — وماذا حدث؟ — جزء من الأموال اختفى. قلت بسرعة: — وأبي أخذها؟ هز رأسه. — لا يوجد دليل على ذلك. ثم أضاف: — لكن هناك شخصًا آخر كان لديه صلاحية كاملة على الحسابات. نظرت إلى الاسم. نجلاء. لم أستوعب. — أختي كانت تعرفه؟ — أكثر مما تتخيلي. وضعت الورقة على الطاولة. — بس نجلاء عمرها ما اشتغلت مع أبويا. قال: — رسميًا، لا. ثم أشار إلى ورقة أخرى. — لكن قبل وفاة والدك بثلاثة أشهر، تم تحويل مبلغ كبير إلى حساب باسم شخص قريب من أختك. — مين؟ — زوجها، شريف. شعرت بالصدمة. — شريف؟ أومأ. — والتحويل كان من حساب مرتبط بالمشروع. أمسكت رأسي. بدأت كل التفاصيل القديمة تعود إلى ذاكرتي. قبل وفاة أبي بفترة قصيرة، كانت هناك مشاكل كثيرة في البيت. كان يخرج لساعات طويلة. وكانت أمي تبكي أحيانًا دون أن تخبرني بالسبب. أما نجلاء، فكانت دائمًا تقول: — بابا عنده شغل كتير. لكن ماذا لو لم يكن الأمر كذلك؟ سألت المحامي: — وأمي كانت تعرف؟ — نعم. — ونجلاء؟ — تعرف أكثر من والدتك. ثم ساد الصمت. رن هاتفي. كانت نجلاء. هذه المرة أجبت. — ألو. جاء صوتها متوترًا: — إنتِ عند المحامي؟ نظرت إلى الأستاذ محمود. ثم قلت: — أيوه. صمتت. — مين قالك تروحي له؟ — خالتي سعاد. تنهدت. — سلمى، اسمعيني. متفتحيش الموضوع ده. — ليه؟ — لأنك مش فاهمة حاجة. ضحكت بمرارة. — فعلًا؟ طيب فهميني. لم تجب. قلت: — ليه أمي باعت البيت؟ — عشان تساعدني. — وليه الدين باسمي؟ صمتت تمامًا. — جاوبيني يا نجلاء. جاء صوتها منخفضًا: — الموضوع أكبر من كده. — أنا عارفة. — إنتِ مش عارفة كل حاجة. — يبقى قولي. قالت: — مش على التليفون. ثم أغلقت الخط. نظرت إلى المحامي. — هي جاية؟ هز رأسه. — غالبًا. وبعد حوالي عشرين دقيقة، فُتح باب المكتب. دخلت نجلاء. كانت شاحبة. ولأول مرة منذ سنوات، رأيت الخوف واضحًا في عينيها. جلست أمامي. لم تتحدث. قلت: — كنتِ عارفة كل ده؟ خفضت عينيها. — أيوه. شعرت بغضب شديد. — من إمتى؟ — من البداية. — من البداية؟ بدأ صوتي يرتفع. — يعني كنتِ عارفة إن في شركة باسمي؟ هزت رأسها. — أيوه. — وإن في قرض باسمي؟ — أيوه. — وإن أمي باعت البيت بسببه؟ بدأت الدموع تظهر في عينيها. — أيوه. وقفت. — طب ليه؟ صرخت لأول مرة: — ليه عملتوا فيا كده؟ بكت نجلاء. — لأن بابا كان السبب. قلت: — المحامي قال إن مفيش دليل إنه سرق حاجة. قالت: — لأنه مات قبل ما الحقيقة تظهر. نظرت إليها. — حقيقة إيه؟ وضعت نجلاء حقيبتها على الأرض. وأخرجت منها هاتفًا قديمًا. قالت: — ده كان بتاع بابا. شعرت بقلبي يخفق. — إنتِ احتفظتي بيه؟ — أيوه. — ليه؟ — لأنه فيه كل حاجة. أخذت الهاتف. كان قديمًا، وشاشته مخدوشة. قالت نجلاء: — وفتحتيه؟ — أيوه. — وإيه اللي لقيتيه؟ نظرت إليّ. — تسجيلات. ضغطت على الشاشة. ظهر ملف صوتي بتاريخ يعود إلى شهر قبل وفاة أبي. ضغطت تشغيل. جاء صوت أبي. واضحًا رغم التشويش. «لو التسجيل ده وصل لحد من بناتي، يبقى أنا غالبًا ما قدرتش أصلح اللي حصل.» شعرت بقشعريرة. استمر صوته: «أنا ما سرقتش الفلوس.» نظرت إلى نجلاء. ثم عاد صوت أبي: «لكنني استخدمت اسم سلمى في حاجة ما كانش ينفع أعملها.» توقفت أنفاسي. نظرت إلى المحامي. ثم إلى نجلاء. استمر التسجيل: «كنت فاكر إني بحمي بنتي.» ثم ساد صمت لثوانٍ. وبعدها قال أبي جملة جعلتني أشعر أن العالم كله انهار من حولي: «لو حصل لي حاجة، الشخص الوحيد اللي لازم تخافوا منه مش شريك المشروع… الشخص ده موجود جوه عيلتنا.» انتهى التسجيل. ظل المكتب صامتًا. قلت بصوت مرتجف: — مين؟ نظرت نجلاء إلى الأرض. ثم رفعت عيني نحوي. — ماما. تراجعت في مكاني. — أمي؟ هزت رأسها. — أيوه. قلت: — إنتِ بتقولي إيه؟ أخرجت نجلاء ورقة أخرى. — ماما ما كانتش بتحاول تحميّني يا سلمى. — أمال؟ قالت: — كانت بتحاول تحميكي من نفسها. وفي تلك اللحظة رن هاتف نجلاء. نظرت إلى الشاشة. ثم تغير وجهها بالكامل. كان المتصل… أمي. لكن نجلاء لم تجب. وبعد ثوانٍ وصلت رسالة. قرأتها نجلاء، ثم مدت الهاتف لي. كانت الرسالة قصيرة: «لو سلمى عرفت التسجيل، لازم تخرجوها من الموضوع فورًا… قبل ما تعرف مين أبوها كان بيحاول يفضحه.» نظرت إلى نجلاء. — مين كان أبويا بيحاول يفضحه؟ لم تجب. فقلت: — نجلاء… مين؟ رفعت رأسها ببطء. وقالت: — مش شخص واحد يا سلمى… دي كانت عيلة كاملة، وأبويا دخل معاهم في حاجة خطيرة قبل ما يموت. ثم أضافت: — وإحنا كلنا عايشين لحد النهارده بسبب السر ده. الجزء قبل الأخير ظللت واقفة أمام نجلاء، عاجزة عن استيعاب كلامها. — إحنا عايشين بسبب السر ده؟ هزت رأسها. — أيوه. — يعني إيه؟ حد كان بيهددنا؟ نظرت إلى الأستاذ محمود، ثم عادت تنظر إليّ. — مش بالضبط. قلت بعصبية: — نجلاء، أنا تعبت من نص الكلام. قولي الحقيقة كلها. تنهدت ومسحت دموعها. — بعد وفاة بابا، اكتشفت إن الموضوع مش مجرد ديون أو شركة. ثم فتحت الهاتف القديم مرة أخرى. — بابا كان بيجمع أدلة ضد شخص اسمه حمدي منصور. — شريكه؟ — أيوه. — ليه؟ — لأن حمدي كان بيحوّل أموال الشركة لحسابات تانية. بابا اكتشف الموضوع وحاول يوقفه. تدخل الأستاذ محمود: — لكن المشكلة أن والدك كان قد وقع على بعض المستندات باسمه، ولذلك أصبح من الصعب إثبات أنه لم يكن مشاركًا. قلت: — وماله ده كله؟ أجابت نجلاء: — قبل ما بابا يموت، كان خايف إن حمدي ينتقم منه أو يأذينا. — وعشان كده استخدم اسمي؟ خفضت رأسها. — أيوه. شعرت بالغضب يعود. — استخدم اسمي إزاي؟ قالت: — أسس حساب وشركة صغيرة باسمك، وحط فيها بعض المستندات والأموال مؤقتًا، لأنه كان يعتقد إن محدش هيفكر يدور ورا بنت صغيرة وقتها. — لكن أنا كنت كبيرة! — عارفة. ثم بكت. — بس بعد موته، حمدي اكتشف كل حاجة. سألت: — وإيه علاقة ماما؟ صمتت نجلاء طويلًا. ثم قالت: — ماما كانت عارفة إن بابا كان بيحاول يواجهه. — وكانت ساكتة؟ — كانت خايفة. — وأنا؟ قالت: — إنتِ كنتِ أكتر واحدة معرضة للخطر لأن بعض الأوراق كانت باسمك. شعرت بأنني أترنح. — طب ليه خليتوني أعيش كل السنين دي وأنا مش عارفة؟ قالت نجلاء: — لأن ماما طلبت مني أحميكي. ضحكت بمرارة. — تحميني؟ نظرت إليها. — ده كان اسمه حماية؟ لم تجب. أخرجت من حقيبتها ظرفًا آخر. — في حاجة لازم تشوفيها. فتحته. كان بداخله خطاب قديم بخط أبي. قرأت: «سلمى، لو في يوم عرفتي إن اسمك دخل في الموضوع، متخافيش. أنا عملت كده لأني كنت أعتقد أنني أحميك. لكن لو أنا مت، لا تثقي في أي شخص يقول لك إنه يريد مساعدتك.» توقفت عند آخر سطر. «خصوصًا الشخص الذي سيحاول إقناعك بأنني كنت لصًا.» نظرت إلى نجلاء. — مين كان بيقول للناس إن بابا لص؟ قالت: — حمدي. ثم أضافت: — لكن ده مش أخطر جزء. — أمال إيه؟ أخرجت هاتفها. — قبل وفاة بابا بيومين، بعت رسالة لماما. فتحت الرسالة. كانت قصيرة: «لو حصل لي حاجة، لا تبيعي البيت مهما حدث. البيت فيه شيء لا يجب أن يصل إلى أيديهم.» رفعت عيني إليها. — وإنتِ بعتيه؟ انهارت نجلاء بالبكاء. — أنا اللي أقنعت ماما. — ليه؟ — لأن حمدي كان بيضغط علينا. — كان بيهددكم؟ هزت رأسها. — أيوه. — بإيه؟ قالت: — قال إنه لو ما اتدفعش الدين، هيبلغ عن الشركة، وهيخليكي إنتِ المسؤولة قانونيًا عن كل حاجة. سكتُّ. ثم سألت: — والمبلغ اللي دفعته ماما من بيع البيت؟ قالت: — جزء منه راح له. — والباقي؟ نظرت إليّ. — اتخبى. — فين؟ أشارت إلى هاتف أبي. — بابا كان عارف إن ده ممكن يحصل. فتحت تسجيلًا آخر. جاء صوت أبي: «المال مش في البنك… واللي يدور عليه لازم يعرف إن المفتاح مش ورقة.» ثم سكت. ظهرت رسالة أخرى على الشاشة. هذه المرة لم تكن من أبي. كانت من أمي. إلى نجلاء. وكان تاريخها قبل أسبوع واحد فقط. «الحفلة لازم تتم. سلمى لازم تفضل فاكرة إننا بنحبها، لحد ما أخلص آخر حاجة.» تجمدت. نظرت إلى نجلاء. — آخر حاجة إيه؟ لم تجب. رفعت صوتي: — نجلاء! قالت: — ماما كانت بتحاول تسترجع حاجة من بيت جدتك. — إيه؟ — صندوق قديم. — صندوق؟ — بابا كان مخبيه هناك. تذكرت فجأة شيئًا. منذ طفولتي، كانت هناك خزانة خشبية قديمة في غرفة أمي. لم يكن مسموحًا لأحد بفتحها. حتى أبي كان يغضب إذا اقتربنا منها. قلت: — الصندوق موجود في بيت أمي؟ — كان موجودًا. — كان؟ هزت رأسها. — اختفى من أسبوع. سألت: — مين أخده؟ نظرت نجلاء إلى الأرض. ثم قالت: — شريف. شعرت أنني فهمت شيئًا. زوج نجلاء. الشخص الذي وصل إليه المال بعد وفاة أبي. والذي كانت أختي دائمًا تدافع عنه. قلت: — شريف مع حمدي؟ قالت: — أعتقد ذلك. — تعتقدين؟ — أنا شفتهم مع بعض. — إمتى؟ — قبل ثلاثة أيام. وقفت. — لازم نروح البيت. لكن الأستاذ محمود أمسك الملف وقال: — لا. نظرت إليه. — ليه؟ قال: — لأن لو الصندوق اختفى، يبقى الشخص اللي أخذه عارف إنكم اكتشفتوا الحقيقة. ثم أضاف: — ولازم نتصرف بحذر. رن هاتفه في تلك اللحظة. نظر إلى الشاشة. ثم تغير وجهه. — مين؟ لم يجب. فقدّم لي الهاتف. كانت رسالة من رقم مجهول: «خلي سلمى تبعد عن الموضوع… وإلا المرة الجاية مش هتكون مجرد مرتبة على الأرض.» شعرت بقشعريرة تسري في جسدي. فهمت عندها أن ما حدث لأطفالي لم يكن إهانة عائلية عابرة. ربما كان شخص ما يريد أن يدفعني للابتعاد. لكن السؤال الذي لم أستطع التخلص منه كان: لماذا اختارت أمي تحديدًا أن تظل صامتة؟ وفي اللحظة نفسها، وصلني إشعار بنكي على هاتفي. تحويل وارد إلى حسابي. المبلغ: 162,800 جنيه. نفس المبلغ الذي دفعته في حفل عيد ميلاد أمي. لكن التحويل لم يكن من أمي. ولا من نجلاء. كان من حساب باسم: حمدي منصور. وتحت التحويل رسالة واحدة: «اعتبري الحفلة انتهت… والحساب اتقفل.» نظرت إلى الشاشة وأنا أشعر أن الدم تجمد في عروقي. لقد كان يعرف كل شيء. وكان يعرف أنني أنا من دفعت الحفل. والأسوأ… أنه كان يعرف حسابي البنكي. رفعت عيني نحو نجلاء وقلت: — إحنا لازم نعرف هو عايز مني إيه. قالت وهي تبكي: — لا يا سلمى. — ليه؟ قالت: — لأنه مش عايز منك فلوس… هو عايز الحاجة اللي أبويا خبّاها قبل ما يموت. وفي تلك اللحظة، فهمت أن حفلة عيد ميلاد أمي لم تكن أبدًا مجرد حفلة. كانت ستارًا لشيء أكبر بكثير. وشيء ما كان على وشك الظهور أمام الجميع. الجزء الأخير لم أنم تلك الليلة. ظل مبلغ 162,800 جنيه ظاهرًا أمام عيني على شاشة هاتفي. لم أكن أفهم لماذا أعاد حمدي المال. ولماذا أرسل لي تلك الرسالة. لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا: لم يعد هناك مجال للهرب. قلت: — لازم نروح بيت أمي. اعترض المحامي: — لو الصندوق فعلًا اختفى، لازم نعرف مين أخده قبل ما نواجه أي حد. لكن نجلاء أخرجت هاتفها. — أنا عارفة. نظرت إليها. — عارفة إيه؟ — مكان الصندوق. اتسعت عيناي. — قلتي إنه اختفى. — قلت كده لأنني كنت خايفة. ثم قالت: — شريف أخده، لكنه لم يأخذه لنفسه. ذهبنا إلى بيت أمي. كانت أمي جالسة في غرفة المعيشة. عندما رأتني، وقفت. — سلمى… قاطعتها: — ماما، أنا عايزة الحقيقة. نظرت إلى نجلاء. ثم إلى الأستاذ محمود. وفجأة جلست على الكرسي وكأنها لم تعد قادرة على الوقوف. قالت: — كنت عارفة إن اليوم ده هييجي. جلست أمامها. — ليه خليتيني أصدق إني بنتك الأقل أهمية؟ بدأت دموعها تنزل. — لأنني كنت أحاول أخليكي تبعدي. — تبعد عن إيه؟ — عن الخطر. ضحكت بحزن. — وأطفالي؟ لما خليتيهم يناموا على الأرض؟ وضعت يدها على وجهها. — أنا آسفة. ثم قالت: — كنت أعرف إن نجلاء مراقبة. نظرت إلى أختي. — مراقبة من مين؟ أجابت أمي: — من حمدي. ثم بدأت تحكي. بعد وفاة أبي، اكتشفت أن هناك مستندات تثبت تورط حمدي في اختلاس أموال من المشروع. لكن تلك المستندات كانت مخفية داخل صندوق قديم. وأبي كان قد ترك مفتاح الصندوق لشخص واحد فقط. لي أنا. قلت بدهشة: — أنا؟ هزت أمي رأسها. — أيوه. — لكن ليه؟ — لأن باباكي كان عارف إنك الوحيدة اللي ممكن يحتفظي بالمفتاح من غير ما حد يشك. ثم قالت: — المفتاح كان في حاجة أعطاهالك قبل وفاته. بدأت أفتش في ذاكرتي. وفجأة تذكرت. قبل وفاة أبي بأيام، أعطاني سلسلة مفاتيح صغيرة. وقال لي: «خليها معاكي، دي حاجة مهمة.» احتفظت بها سنوات داخل صندوق مجوهراتي. لكنني لم أعرف أبدًا لماذا. أخرجتها من حقيبتي. نظر إليها الأستاذ محمود. ثم ابتسم. — ده هو المفتاح. شعرت بقشعريرة. — والصندوق؟ قالت أمي: — كان في بيت جدتك. ثم نظرت إلى نجلاء. — لكن شريف أخده. قالت نجلاء: — ورجعه. التفتُّ إليها. — رجعه فين؟ أشارت إلى الحائط. — ورا اللوحة. أزاح الأستاذ محمود اللوحة. كان هناك تجويف صغير. وبداخله صندوق معدني قديم. وضعت المفتاح في القفل. دار بسهولة. فتحنا الصندوق. كان بداخله دفتر حسابات، وذاكرة إلكترونية صغيرة، ومجموعة عقود. لكن الشيء الأهم كان ظرفًا عليه اسم أبي. فتحته. كانت رسالة طويلة. بدأت أقرأ. كتب أبي: «يا سلمى، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى الحقيقة أخيرًا خرجت للنور.» توقفت للحظة. ثم تابعت. «أنا لم أسرق أموال الشركة. حمدي هو من فعل ذلك. لكنني ارتكبت خطأ كبيرًا عندما حاولت مواجهته وحدي.» ثم كتب: «أما الشركة التي ظهرت باسم سلمى، فلم أؤسسها لأسرق أموالًا. أسستها لأضع فيها الأدلة التي تثبت جرائم حمدي.» نظرت إلى الأستاذ محمود. كان يقرأ فوق كتفي. تابعت. «لكنني اكتشفت أن هناك شخصًا من داخل العائلة يساعده.» توقفت. كان اسم الشخص مكتوبًا في نهاية الرسالة. شريف. زوج نجلاء. نظرت إلى أختي. كانت تبكي. — كنتِ عارفة؟ هزت رأسها. — عرفت من فترة قصيرة. قالت: — لما شريف اكتشف إني عرفت، هددني. ثم أضافت: — هو اللي أقنعني أخلي ماما تفضل قريبة منه. — وإنتِ وافقتِ؟ — كنت خايفة عليكِ. بدأت أفهم كل شيء. كانت نجلاء تتصرف معي بطريقة قاسية. تمنعني من معرفة بعض التفاصيل. وتجعل أمي تظن أنني لا أهتم بها. لكنها كانت تحاول إبقائي بعيدة عن الموضوع. ومع ذلك، لم أستطع أن أنسى أطفالي. قلت لها: — كان ممكن تقوليلي الحقيقة. بكت. — كنت خايفة لو عرفتي، حمدي يوصل لك. في تلك اللحظة دخل شريف. توقف عندما رأى الصندوق مفتوحًا. ثم نظر إلى نجلاء. — إنتِ عملتي إيه؟ قالت: — كفاية يا شريف. تراجع خطوة. — إنتِ مش فاهمة اللي بتعمليه. رد الأستاذ محمود: — بالعكس، هي فاهمة كويس. ثم رفع ذاكرة التسجيل. — وكل حاجة هنا موثقة. تغير وجه شريف. حاول الخروج. لكن الباب كان قد امتلأ برجال الشرطة. كان الأستاذ محمود قد أبلغهم قبل أن نفتح الصندوق. بعد ساعات، بدأت التحقيقات. تم القبض على شريف، وبعد مراجعة المستندات والتسجيلات، بدأت خيوط القضية تصل إلى حمدي أيضًا. أما القرض الذي كان باسمي، فتم إثبات أن التوقيعات والمستندات مزورة. ولم أكن مسؤولة عن الدين. والبيت؟ اتضح أن عملية البيع تمت تحت ضغط وبتلاعب في المستندات. وبعد التحقيق، تمكنت أمي من استعادة حقها القانوني في المنزل. لكن أكثر شيء غير حياتي لم يكن المال. كان اعتراف أمي. جلست معها بعد انتهاء كل شيء. قلت: — ليه ما قولتيليش إنك بتحبيني؟ بكت. — كنت فاكرة إن إبعادك عني هو الطريقة الوحيدة أحميكي بيها. قلت: — بس أنا كنت محتاجة أحس إني بنتك. أمسكت يدي. — وأنا كنت محتاجة أتعلم إن الحماية مش معناها إني أكسر قلب بنتي. أما نجلاء، فقد اعتذرت لي أمام أمي. قلت لها: — أنا زعلانة منك. هزت رأسها. — ومن حقك. — لكن مش هقطعك. رفعت عينيها بدهشة. قلت: — لأننا في الآخر أخوات. وبعد أسبوعين، أقامت أمي حفلة عيد ميلادها. لكن هذه المرة لم تكن حفلة ضخمة. كانت مجرد جلسة عائلية بسيطة. أنا وأطفالي، نجلاء وبناتها، وخالتي سعاد. وضعت أمي أمام مريم طبقًا كبيرًا من الحلوى وقالت: — المكان ده مخصوص لمريم. ثم نظرت إلى يوسف وضحكت: — وإنت كمان ليك مكان. ضحك الطفلان. نظرت إليهما وشعرت أن شيئًا في داخلي أخيرًا هدأ. أما مبلغ 162,800 جنيه الذي أعاده حمدي، فقد تم تجميده ضمن التحقيقات، ثم استُخدم جزء منه لتسوية بعض الالتزامات القانونية، والباقي عاد إلى حسابي بعد انتهاء الإجراءات. وفي نهاية كل شيء، فهمت شيئًا لم أنسه أبدًا: أحيانًا الشخص الذي يبدو أنه يكرهك قد يكون خائفًا عليك. وأحيانًا الشخص الذي يبدو الأقرب إليك قد يكون هو من يخفي الحقيقة. لكن أهم شيء تعلمته… أن الحب الحقيقي لا يحتاج إلى إهانتك حتى يحميك. ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أقيس حب أمي بعدد الكلمات التي تقولها. بل بالأفعال. وأمي أيضًا تعلمت ألا تجعلني أدفع ثمن أسرار الآخرين. أما مريم، فلم تنسَ تلك الليلة. بعد أشهر، سألتني: — ماما، ليه زمان تيتة خلتنا ننام على الأرض؟ ابتسمت واحتضنتها. وقلت: — عشان الكبار أحيانًا بيغلطوا يا حبيبتي. فقالت: — بس دلوقتي بتحبنا؟ ضحكت. — دلوقتي؟ ثم نظرت إلى بيت جدتها من النافذة. — دلوقتي هي عارفة إن الحب مش كلام… الحب إنك تخلي اللي بتحبه يحس إنه له مكان عندك. وضمتني مريم بقوة. وفي تلك اللحظة فقط، شعرت أن كل ما حدث كان يستحق أن ينتهي بهذه الطريقة. ليس لأننا استعدنا المال أو البيت. ولكن لأننا استعدنا عيلتنا.