تركني زوجي

فُتحت أبواب القاعة…

ودخل أربعة أشخاص بالغين.

اتجهوا مباشرة ناحية أمهم.

تجمد الرجل في مكانه.

لثواني، اختفى صوت القاعة كله من ودانه.

لا موسيقى.

لا ضحكات.

لا أصوات كؤوس.

ولا حتى صوت عشيقته، التي كانت واقفة بجواره وتسأله باستغراب:

— مالك؟

لم يرد.

كان ينظر فقط إلى الأربعة.

خمسة عشر عامًا كانت كفيلة بأن تغيّر كل شيء.

آخر صورة واضحة يحتفظ بها لهم كانت لأربعة أطفال يجرون في البيت، يتخانقون على جهاز التلفزيون، ويتركون حقائب المدرسة بجوار السلم رغم صراخه المستمر عليهم.

أما الآن…

فلم يعد أمامه أطفال.

كان أمامه أربعة أشخاص بالغين، يسيرون بثقة، ويرتدون ملابس رسمية، ويتجهون نحو المرأة التي تركها يومًا وحدها أمام أربعة أكواب حليب وفواتير لا تعرف كيف ستدفعها.

تقدم الابن الأكبر أولًا.

شاب طويل، ملامحه هادئة، يحمل ملفًا أسود تحت ذراعه.

اقترب من أمه وقال:

— آسف يا ماما، الاجتماع اللي قبل ده اتأخر شوية.

ابتسمت له.

— ولا يهمك.

ثم جاءت ابنتها الكبرى، وقبلتها على خدها.

— راجعنا آخر نسخة من العرض.

ثم اقترب الاثنان الآخران.

قال أصغر الأبناء وهو ينظر إلى الملف:

— وكل الأرقام جاهزة.

كان الرجل يراقبهم كأنه يشاهد حياة كاملة عاشها شخص آخر.

تمتم أخيرًا:

— دول…؟

سمعته زوجته السابقة.

التفتت إليه بهدوء.

ولم تكن بحاجة إلى أن تسأله ماذا يقصد.

قالت:

— أولادنا.

كلمة واحدة.

لكنها وقعت عليه بقسوة.

أولادنا.

رفع الابن الأكبر عينيه إليه.

نظر إليه طويلًا.

لم يكن في نظرته غضب.

والغريب أن ذلك كان أصعب.

لو صرخ فيه…

لو عاتبه…

لو قال له: إنت سبتنا…

ربما كان سيجد شيئًا يقوله.

لكنه لم يفعل.

اكتفى بنظرة قصيرة، ثم مد يده رسميًا:

— مساء الخير.

نظر الأب إلى اليد الممدودة.

ابنه.

ابنه الذي كان يحمله على كتفه يومًا.

يمد له يده الآن كما يمدها لرجل يقابله للمرة الأولى في اجتماع عمل.

صافحه.

— إنت… كبرت.

ساد صمت قصير.

فأجابه الابن:

— طبيعي. عدى خمستاشر سنة.

شعر الأب أن الجملة تحمل وزن السنوات كلها رغم أنها قيلت بهدوء شديد.

تدخلت عشيقته محاولة كسر التوتر:

— واضح إن العيلة كلها شغالة مع بعض.

ردت الابنة الكبرى:

— مش بالضبط.

ثم أشارت إلى أخيها الأكبر.

— هو المسؤول عن العمليات وسلاسل التوريد.

وأشارت إلى أخيها الثاني:

— وهو متخصص في الشؤون القانونية والعقود.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *